ما لم يَقُلْه بارزاني بصراحة للأكراد قبل الاستفتاء

ما لم يَقُلْه بارزاني بصراحة للأكراد قبل الاستفتاء

"هل تريد أن يصبح إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج الإقليم دولة مستقلة؟". هذا هو السؤال الذي كتبته المفوضية العليا للانتخابات والاستفتاء في إقليم كردستان العراق على بطاقة الاقتراع التي يستخدمها سكان الإقليم الراغبون بالمشاركة في الاستفتاء، وعليهم الإجابة بنعم أو بلا.

مدفوعين بتاريخ من العلاقات السيئة مع أنظمة الحكم العربية في العراق، وبذكرى آلاف الضحايا الذين سقطوا في ما سمّاه صدام حسين "حملة الأنفال"، وبتحدّي باقي مكوّنات العراق والدول الإقليمية والدول الغربية الكبرى لهم، سيتوجّه أكراد كردستان العراق لقول "نعم" مدوّية، وسيلحق بهم كثيرون من أبناء مناطق تقع بين الإقليم وباقي العراق للهرب من حالة التفلت الأمني التي يعيشها العراقيون.

رغبة الأكراد في تمتع مناطقهم بحكم ذاتي، بشكل يمكّنهم من عيش ثقافتهم المتميّزة والخاصة، أو بالاستقلال كدول منفصلة أو بالاتحاد في دولة كردستان الكبرى التي تتقاسمها اليوم تركيا وإيران والعراق وسوريا، هو حقّ غير قابل للنقاش، أو بالأحرى هو حق خاضع حصراً لنقاشات الأكراد حوله ليقرروا ما يرون أنه الأنسب لهم، انطلاقاً من مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.

ولكن الـ"نعم" التي سيطلقها الأكراد اليوم هي "نعم" تقرير المصير، هي "نعم" المبدأ العام وليست "نعم" التفاصيل التي يكمن الشيطان فيها ولم يجرِ نقاش ديمقراطي مفتوح حولها قبل توجههم إلى صناديق الاقتراع.

فخلف هذه الـ"نعم" أمور كثيرة لم يُسأل الأكراد عن رأيهم فيها وأمور كثيرة لا يحق للأكراد وحدهم أخذ قرار فيها لأنها أمور عابرة للقوميات.

هل يحترم بارزاني الـ"نعم"؟

هل يحترم رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، الرجل الأول المسؤول عن تنظيم الاستفتاء، الـ"نعم" الكردية؟

عندما صوّت البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي لم تعد القوى السياسية، حتى المناهضة لبريكست، تتجرأ على طرح تغيير مصير بريطانيا لأن الإرادة الشعبية حسمته، مع أنها ربما تكون قد تغيّرت الآن. لماذا؟ لأن إرادة الشعب لا يمكن تجاوزها في نظام ديمقراطي.

هذه ألفباء الديمقراطية. فهل يلتزم البارزاني بها؟ ببساطة، لا. "سنقيم حواراً مع بغداد والاستقلال لن يحصل قبل سنة أو سنتين"، قال بارزاني في مؤتمره الصحافي في أربيل، قبل يوم من الاستفتاء، ويمكن أن نضيف بلا حرج إلى جملته أو ثلاث سنوات أو أربعاً أو خمساً... ويمكن أن نضيف بلا حرج أيضاً "لن يحصل قبل أن تتحقق مصلحة الحزب الديمقراطي الكردستاني وآل بارزاني".

أقوال جاهزة

شارك غرداستثار بارزاني عواطف الأكراد وطرح استفتاءً على استقلال كردستان العراق بدون نقاش جدي وديمقراطي

شارك غردلم يقل بارزاني لأكراد العراق إنه يحرّضهم على هضم حقوق قوميات أخرى ولا إنه أساساً قد لا يحترم قرارهم

عملياً، وبحسب المعطيات الحالية، سيسفر الاستفتاء عن إرادة جزء من شعب باستقلال جزء مما يعتبره دولته التاريخية، وهو أرض حبيسة محاطة بـ"الأعداء" العرب والفرس والأتراك، ما يعني أنه لا سبيل لاستقلالها لأنها ستُخنق قبل أن تولد.

وما سيتحقق من إرادة الاستقلال هو انتعاش شعبية بارزاني خلال ما سيسمّيه "مفاوضات" مع بغداد والدول الإقليمية، انتعاش على إيقاع "المظلومية الكردية"... ولكنه سيتلكأ عن احترام إرادة الـ"نعم" ولن يعلن دولة كردية مستقلة، وسينتج عن المخاض الذي لن ينتهي منطقة حكم ذاتي (وهي متحققة اليوم) ولكن مع تعددية حزبية أضعف مما هو موجود اليوم.

استحالة المشروع السياسي الكردي؟

في منطقتهم الحبيسة، لن يكون ممكناً لأكراد العراق أن يتنفسوا عبر العراق لأنهم أعلنوا الطلاق مع باقي مكوّناته، وبحال حلّوا خلافاتهم الجذرية مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، فإن ذلك لن يفتح لهم بالتأكيد سجنهم الجغرافي لأن مصير "روج آفا" وجغرافيتها النهائية لم يتحددا بعد.

وبالتالي سيبقى أمامهم خيار تركيا أو إيران، وهما خياران غير ممكنين نظرياً لأن السلطتين المركزيتين في أنقرة وطهران لا تريدان تسهيل التجربة الكردية العراقية كي لا تفتحا على نفسيهما باب تجربة مماثلة يخوضها الأكراد الأتراك والأكراد الإيرانيون.

وإذا حدث تحوّل كبير في المعطيات الجيوسياسية الحالية في المنطقة، وهو أمر دائم الاحتمال في منطقة متقلبة المزاج، سيُفتح باب تركيا للأكراد العراقيين، برغم أن تركيا في الأشهر المقبلة ستكون أكثر طرف معارض لخيار الأكراد وأكثر مَن سيعمل على تدفيعهم ثمنه.

وبهذه الحالة، لن يفتح الباب التركي بشكل إستراتيجي ودائم بل سيكون باباً لابتزاز الأكراد، أكراد العراق وأكراد تركيا. ستكون بوابات تركيا كمعبر رفح.

وللعبور سيكون الثمن استهداف أكراد تركيا وحزب العمال الكردستاني، الخصم الكردي اللدود لبارزاني، والذي سبق أن زار الأخير مناطقه بمباركة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ليسحب من تحت رجليه بعض الشعبية، في تواطؤ كردي-تركي ضد قسم من الأكراد، من علاماته أيضاً موافقة سلطات الإقليم على شنّ تركيا غارات ضد مواقع هذا الحزب في شمال العراق، ومن مفاعيله فتح صفحة صراع كردي-كردي لن ينتهي.

هل هذا هو المشروع السياسي الذي نال "نعم" أكراد العراق؟ أن يتحولوا إلى ورقة تستخدمها الدول الإقليمية الكبرى؟ بالتأكيد لم يُفتح نقاش ديمقراطي حول سيناريوهات ما بعد الـ"نعم".

جزء من الـ"نعم" تعدٍ على الآخرين

الـ"نعم" الكردية تتضمّن شقين بحسب سؤال الاستفتاء: "نعم لاستقلال إقليم كردستان" وهي حق، و"نعم" لاستقلال "المناطق الكردستانية خارج الإقليم"، وهي ليست حقاً.

فـ"المناطق الكردستانية" هي أراضٍ تتنازع عليها مجموعات مختلفة منها الأكراد ومنها العرب ومنها التركمان ومنها السريان، وتتضمّن محافظة كركوك الغنية بالنفط ومناطق أخرى في محافظات ديالى، وصلاح الدين، ونينوى العراقية.

وهذه التسمية اخترعها "قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية" الذي وضعه الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر، وذلك في المادة 58 منه، ثم تبناها الدستور العراقي في المادة 140 منه، دون أن تضع أية مادة منهما أسساً واضحة لا تقبل الجدل لتحديد هذه المناطق.

وكان المتفق أن يجري إحصاء للسكان، بعد إزالة مفاعيل سياسات التعريب والتلاعب الديموغرافي التي مارسها نظام البعث وكان لها ضحايا من غير الأكراد أيضاً، وأن يُستفتى أهل هذه المناطق التي حددتها "لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق" ليقرروا مصيرهم قبل نهاية عام 2007 ولكن هذا لم يحصل.

وعام 2014، حين سيطرت البيشمركة الكردية، مع تمدد داعش، على هذه المناطق، قال برزاني إن المادة 140 نُفّذت بحكم الأمر الواقع، ما يعني أن سلطات إقليم كردستان العراق صادرت أيضاً قرار أبناء هذه المناطق.

وتصادر هذه السلطات أيضاً قرار الأيزيديين باعتبارها أنهم أكراد رغم أن جزءاً كبيراً منهم يعتبر أنه يمثل قومية مستقلة سبق أن مارس الأكراد تاريخياً بحقها سياسة التكريد تماماً كما مارس العرب بحق الأكراد سياسة التعريب.

خلاصة الأمر: هل يعرف الأكراد أن مطالبتهم بشكل متفرّد باستقلال "المناطق الكردستانية" يتضمن قضماً لحقوق قوميات أخرى؟ وهل يعرفون أنه إعلان حرب على باقي القوميات وبالتالي يحق لباقي القوميات استرداد حقوقها بقوة السلاح كما فعلت البيشمركة عام 2014؟

هل يعرفون أن الاستفتاء الديمقراطي يتضمّن إعلان حرب ضد ميليشيات تركمانية وعربية وضد الحشد الشعبي والجيش العراقي؟ لا يعرفون ذلك بوضوح لأن الدعاية للاستفتاء استثارت عوطفهم فقط.

ولكن...

رغم كل هذه المشاكل، تسجّل إيجابيات لاستفتاء أكراد العراق وأهمها أن الأكراد لأول مرة يتخذون قراراً مصيرياً وفق آليات تعبير ديمقراطية. لأول مرة ستكون رغبة قسم من الأكراد بالاستقلال مستندة إلى نتيجة صندوق انتخابات وليس إلى تحليلات للرغبات، وبالتالي على العالم أخذ العلم بذلك والعمل على نيلهم ما هو حق لهم بعد تشذيبه من اعتداءات ضمنية على حقوق الآخرين.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

كلمات مفتاحية
العراق كردستان

التعليقات

المقال التالي