منهم مَن قُتل وآخرون نفيوا أو سجنوا... أين ذهب آخر ملوك العرب المخلوعين؟

منهم مَن قُتل وآخرون نفيوا أو سجنوا... أين ذهب آخر ملوك العرب المخلوعين؟

كان لنجاح ثورة 23 يوليو في مصر أكبر الأثر في الإطاحة بأكثر من نظام ملكي في العالم العربي، على يد حركات تمرّد قام بها ضباط في جيوش تلك الدول، وكانت على اتصال بالرئيس المصري جمال عبد الناصر.

شهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في المنطقة العربية سقوط ملوك مصر، تونس، العراق، اليمن، وليبيا. فماذا حلّ بهؤلاء بعد خلعهم؟

فاروق... ملك مصر

INSIDE_Makhlou3een_KingFarouk2

في 23 يوليو 1952، سيطر تنظيم الضباط الأحرار على مقر قيادة الجيش وكافة المرافق الحيوية في القاهرة، دون إراقة دماء، وكان الملك فاروق حينذاك في الإسكندرية حيث كان يقضي فترة الصيف.

صدر البيان الأول للضباط، خالياً من أي تصريح حول خلع الملك. ولكن بعد استتباب الأمور، حُسم الأمر وتقرر إجبار فاروق على التنازل عن العرش لابنه الأمير أحمد فؤاد، الذي كان لا يزال رضيعاً، وتعيين مجلس وصاية على العرش، قبل أن يُلغى النظام الملكي رسمياً في 18 يونيو 1953 وتُعلن الجمهورية.

وبالفعل أرسل اللواء محمد نجيب إنذاراً إلى الملك يحمل هذا المعنى، بحسب ما ذكر أستاذ التاريخ عاصم الدسوقي لرصيف22.

ويروي القانوني المصري الشهير سليمان حافظ، في مذكراته المعنونة بـ"ذكرياتي عن الثورة"، أنه تلقى تكليفاً بتشكيل لجنة لصياغة وثيقة تنازل فاروق عن العرش، ضمت كلاً من رئيس مجلس الدولة (هيئة قضائية مصرية رفيعة) وقتها الدكتور عبد الرازق السنهوري، ووكيله عبده محرم، وكانت الوثيقة عبارة عن "أمر ملكي"، نص على التالي:

"نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان،

لما كنا نتطلب الخير دائماً لأمتنا ونبتغي سعادتها ورقيها،

ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة، ونزولاً على إرادة الشعب،

قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه".

INSIDE_Makhlou3een_KingFarouk3

وكانت عبارة "ونزولاً على إرادة الشعب" بطلب من جمال سالم، أحد الضباط الأحرار. وطلب فاروق أن تضاف عبارة تشير إلى أنه تنازل عن العرش بمحض إرادته، ولكن علي ماهر أقنعه بأن صياغة الوثيقة على أنها أمر ملكي تفي بهذا الغرض، بحسب سليمان حافظ.

في 26 يوليو 1952، بعد نجاح الانقلاب بثلاثة أيام، غادر فاروق إلى إيطاليا، على متن يخت المحروسة، وحمل معه خمسة آلاف جنيه مصري (ما يعادل حوالي 20 ألف دولار وقتها)، وودعه عدد من الضباط الأحرار، على رأسهم محمد نجيب، وأدوا التحية العسكرية له، وأطلقت المدفعية 21 طلقة، ليعيش في المنفى بين إيطاليا وموناكو، بحسب عاصم الدسوقي.

INSIDE_Makhlou3een_KingFarouk الملك فاروق وابنه أحمد فؤاد والملكة ناريمان بعد وصلوهم إلى ميناء نابولي في 28 يوليو 1952

في المنفى، كان فاروق مسرفاً في معيشته، فأنفق الأموال التي كانت معه بالإضافة إلى أرصدته في سويسرا، وقيل إن النظام السعودي كان يرسل إليه أموالاً شهرية، حتى توفي في 18 مارس 1965، بحسب الدسوقي.

ويوضح الدسوقي أن الأطباء الإيطاليين قرروا وقتها أن الوفاة حدثت نتيجة تخمة أصابته بعد تناوله كميات كبيرة من الطعام، وقد كان بديناً وقتها، ومصاب بضغط الدم والتضيق في الشرايين، وهي الرواية التي وافقت عليها أسرته، وبناء عليها رفضت تشريح جثته.

لكن هناك من اتهم النظام الناصري بقتله بالسم، عن طريق ضابط مصري عمل لمدة شهر نادلاً في المطعم الذي كان يسهر به الملك المخلوع.

أقوال جاهزة

شارك غردشهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات سقوط ملوك مصر، تونس، العراق، اليمن، وليبيا. فماذا حلّ بهم؟

شارك غردأسرة أحد ملوك العرب اضطرت إلى تلقي مساعدات من الناس الذين تبرّعوا لها بأثاث منزلي متواضع

محمد الأمين... باي تونس

بعد نيل تونس استقلالها عام 1956، كان الحزب الحر الدستوري، بزعامة الحبيب بورقيبة يهيمن على الحياة السياسية باعتبار أنه قاد النضال ضد الاحتلال الفرنسي.

وتمكن هذا الحزب من السيطرة على كل مقاعد المجلس القومي التأسيسي الذي كان يدير البلاد. وكان بورقيبة الوزير الأول في الحكومة التونسية، فاستطاع من خلال المجلس أن يسحب أغلب الصلاحيات من محمد الأمين، "باي تونس".

بالإضافة إلى ذلك، كان المجلس يعد دستوراً جديداً يجعل من البلاد "ملكية دستورية"، لا يمتلك الملك فيها صلاحيات.

INSIDE_Makhlou3een_LamineBayBourguiba محمد الأمين وبورقيبة

يوضح المؤرخ التونسي محمد الأزهر غربي في كتابه "تونس رغم الاستعمار"، أنه أثناء النقاش حول صلاحيات الباي في الدستور الجديد، عرض رئيس المجلس التأسيسي، جلولي فارس، فكرة إلغاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، فتمت الموافقة على ذلك، وكلّف بورقيبة برئاسة البلاد في 25 يوليو 1957.

وتحكي سلوى باي، حفيدة محمد الأمين باي، أن السلطات الجديدة أخرجت جدها والعائلة من القصر الملكي، حتى أنها كانت تنتعل حذاءً جديداً حين خرجت من القصر، فطُلب منها خلعه، باعتباره من الأملاك المصادرة من الأسرة الحاكمة، وأعطوها بدلاً منه حذاءً بلاستيكياً، كما صادروا كل ممتلكات الباي وعائلته، حتى حلي النساء.

تشير أغلب الروايات إلى أن الباي وعائلته أقاموا جبرياً في قصر الهاشمي بمنوبة. وفي أكتوبر 1958 نُقل الباي المخلوع وزوجته إلى منزل بضاحية سكرة، ثم منحا حرية الحركة عام 1960 لينتقلا إلى شقة في حي لافاييت في العاصمة، حتى توفي الأمين في 30 سبتمبر 1962.

لكن سلوى باي تقول إن جدها كان محبوساً في سجن النساء في منوبة، وحين نفذت النقود التي كانت معه عاش ثلاثة أيام بدون طعام.

وتروي أن باقي العائلة استطاعت بالكاد أن تستأجر منزلاً متواضعاً، وكان بعض الأهالي يعطفون عليهم ببعض قطع الأثاث المتواضعة.

فيصل الثاني... ملك العراق

كان الملك العراقي الشاب، فيصل الثاني على وشك السفر إلى تركيا لحضور اجتماع لحلف بغداد، يوم 14 تموز يوليو 1958، ولكنه استيقظ على أصوات رصاص، وحالة هرج ومرج.

أخبره العاملون بقصر الرحاب الملكي أن ضباطاً من الجيش أعلنوا قيام الجمهورية وإلغاء الملكية، وأن قوات مسلحة تحاصر القصر، فأعلن استسلامه.

خرج الملك فيصل، هو وخاله الأمير عبد الإله، صاحب النفوذ القوي والوصي السابق على العرش، وعدد من أفراد الأسرة المالكة إلى باحة القصر، وأدى التحية العسكرية للضباط المتواجدين، ثم سار رافعاً منديلاً أبيض، ومن خلفه جدته الملكة نفيسة ترفع المصحف فوق رأسه.

INSIDE_Makhlou3een_KingFaysal الملك فيصل الثاني مع خاله الوصي على العرش عبد الإله

وأثناء ذلك أطلق أحد الضباط النار عليهم، فمات الملك وخاله وجدته نفيسة وآخرون، بحسب كتاب "أسرار مقتل العائلة المالكة في العراق" لفالح حنظل، الضابط السابق بالحرس الملكي العراقي، والذي كان شاهداً على جزء من الأحداث.

وأكد على ذلك أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر محمد عفيفي، وقال لرصيف22 إن المرجح قتل الملك وأسرته بشكل عشوائي وبقرار انفعالي من الضابط الشيوعي عبد الستار العبوسي، الذي لم يكن منضماً إلى تنظيم ضباط الثورة من الأساس.

وأشار إلى أن انقساماً حول مصير الملك فيصل الثاني ظهر بين ضباط 14 تموز، قبل حركتهم، إذ توضح أغلب الروايات أن عبد السلام عارف والموالين له من الضباط كانوا مع عدم المساس بشخص الملك، أما الجناح الآخر بقيادة عبد الكريم قاسم، وإن لم يُصدر أوامر معلنة بقتل فيصل، فكان ميالاً لقتل كل مَن له علاقة بالقصر الملكي.

وذلك رغم إقرار الجميع بأن الملك الذي لم يكن عمره يتجاوز الـ23 عاماً، لم يكن الحاكم الفعلي للعراق، بل كان القرار السياسي بيد خاله عبد الإله، ورئيس الوزراء واسع النفوذ نوري السعيد.

بعد حادثة إطلاق النار، حُمل جثمانا فيصل وعبد الإله في سيارة انطلقت إلى خارج القصر، ودفع ضغط الجماهير في الشارع ضابطاً إلى أن يلقي إليهم بجثة عبد الإله، فسحلوها ومثلوا بها في الشارع.

ثم انطلقت السيارة بجثمان الملك المخلوع إلى مبنى وزارة الدفاع ومنه إلى مستشفى الرشيد العسكري، وبعد التأكد من وفاته تم دفنه في حفرة مجاورة للمستشفى، بحسب فالح حنظل.

وبعد ذلك بسنوات نُقل رفات الجثمان إلى مقابر الأسرة الملكية بمنطقة الأعظمية في بغداد، عام 1988.

محمد البدر... إمام اليمن

بعد ستة أيام من اعتلائه عرش المملكة المتوكلية اليمنية، فوجئ الإمام محمد البدر بن حميد الدين بالإطاحة به على أيدي قوات من الجيش بقيادة عبد الله السلال، قائد الحرس الملكي، في 26 سبتمبر 1962.

INSIDE_Makhlou3een_ImamBAdr الإمام البدر

ودارت معركة قيل إن البدر قتل خلالها، إلا أنه فر إلى السعودية، ليبدأ من هناك معركة ضد قوات النظام الجمهوري والقوات المصرية، التي بدأ جمال عبد الناصر بإرسالها إلى هناك.

وجرى ذلك بعد أربعة أيام من تحرك السلال، بحسب مذكرات الفريق عبد المنعم خليل بعنوان "حروب مصر المعاصرة"، والذي كان ضمن قوات الجيش المصري في اليمن.

INSIDE_Makhlou3een_ImamBAdr3 بعد الإطاحه بالحكم الملكي وقيام النظام الجمهوري في 26 سبتمبر 1962

ويشير عاصم الدسوقي إلى أن السعودية استقبلت البدر ودعمته رغم أنه زيدي المذهب، وبينه وبين النظام السعودي الوهابي خلاف عقائدي عميق.

فقد اعتبرت المملكة الوجود المصري في اليمن خطراً عليها، ودعمت البدر مالياً وعسكرياً للتصدي للوجود الناصري على حدودها. وبعد معارك طويلة، توطد الأمر للجمهوريين وفقد البدر الأمل في استرداد عرشه، فانتقل إلى بريطانيا بعد اعتراف الرياض بالنظام الجمهوري اليمني، وظل هناك حتى توفي في لندن عام 1996.

محمد بن إدريس السنوسي... ملك ليبيا

كان الملك الليبي محمد بن إدريس السنوسي في رحلة إلى تركيا واليونان حين تحركت وحدات من الجيش بقيادة معمر القذافي، لخلعه من الحكم في الأول من سبتمبر 1969.

آثر الملك السلامة وذهب إلى مصر لاجئاً سياسياً، رغم أن النظام الناصري كان مؤيداً بل داعماً للقذافي الذي جرّد الملك وعائلته من جنسياتهم وطردهم.

INSIDE_Makhlou3een_Idriss الملك إدريس الأول مع الرئىس المصري جمال عبد الناصر

كما حكمت محكمة ليبية على السنوسي غيابياً بالإعدام عام 1971، بحسب كتاب "الملك محمد إدريس السنوسي: حياته وعصره" للحسيني الحسيني معدي.

وينقل الحسيني عن الملكة فاطمة الشريف، زوجة السنوسي، كيف أن أحوال العائلة المالية كانت سيئة طيلة فترة إقامتها بالقاهرة، من خلال رسالة كتبتها عام 1979 وجاء فيها: "إننا نحمد الله على أن تيجان الملكية لم تبهرنا قط، ولا نشعر بالأسف لفقدها، فنحن كنا دائماً نعيش حياة متواضعة، ولم يغب عن أذهاننا مثل هذا اليوم، كما نحمد الله كثيراً على أننا لا نملك مليماً واحداً في أي مصرف حتى يشغل بالنا المال، ولم نغير أبداً معاملتنا لأصدقائنا وهي لن تتغير مع الأيام".

ظل السنوسي مقيماً بالقاهرة حتى توفي في مايو 1983، فنقلته طائرة عسكرية مصرية إلى المدينة المنورة كي يدفن بالبقيع، تنفيذاً لوصيته.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي