الإسكندر المقدوني، ملهم السلاطين والمستعمرين والمحرّرين

الإسكندر المقدوني، ملهم السلاطين والمستعمرين والمحرّرين
الإسكندر المقدوني في فسيفساء بومبي الرومانية

أثار الفيلم الهوليودي عن الإسكندر الكبير الذي أخرجه أوليفر ستون وأنتج عام 2004 حفيظة مجموعة واسعة من النقاد السينمائيين الإيرانيين والهنود. رأوا فيه تجسيداً فظّاً للذهنية الإمبريالية الغربية.

اختلطت في حينه نظرتان. واحدة تتعامل مع الإسكندر المقدوني نفسه كأصل البلاء في هذه النزعة الإخضاعية للشرق، وثانية تتعامل مع المادة السينمائية الهوليودية، والسردية التاريخية التي تستند إليها، على أنّها تشوّه قبل كل شيء سيرة الإسكندر.


جعلته هذه النظرة نموذجاً للرجل الأبيض الأشقر، بخلاف سمرته في فسيفساء بومبي الرومانية (التي تعود إلى القرن الأول بعد الميلاد، واكتشفت عام 1831)، في حين أسندت دور أميرة بلاد الصغد، روكسانا، التي عشقها الإسكندر وتزوجها، إلى روزاريو داوسون، الأمريكية "الخلاسية".

الجرح الزردشتي

ما كان لافتاً في نفس الوقت، أنّ الإستياء من الفيلم بلغ أوجّه بين جماعات الانتشار الزردشتي عبر العالم، وخصوصاً من أبناء طائفة البارسيس.

ليس لأنه يقدّم صورة مشوّهة عن الإسكندر، بل لأنه يعتّم على مظالمه بحق الأمم التي سفك دماءها ونهبها، وخصوصاً عاصمة الفرس، برسيبوليس التي دمّرها، وكتب الأفستا والزند المقدسة التي أحرقها (تاريخياً لم تكن قد دوّنت بعد في أيامه).

جاءت حالة الاستياء من فيلم أوليفر ستون عند الزردشتيين كاستمرارية لموقف عدائي قديم تجاه الإسكندر، حملته معها طائفة البارسيس عندما هاجرت من إيران باتجاه الهند قبل نحو ألف عام، وهو موقف يعتبر الإسكندر أصل البلاء الذي دقّ إسفيناً بين الإيرانيين وحضارتهم القديمة، ويعتبرون أن الفتح العربي للإمبراطورية الساسانية لم يفعل في النهاية سوى تجديد البلاء الإسكندري.

الصراع على الإسكندر

ليس هناك مجموعة دينية أو ثقافية اليوم عندها مشكلة جذرية مع الإسكندر المقدوني مثل الزدرشتيين أو "البارسيس".

بالعكس، ما يسود حضارياً منذ قرون طويلة، هو تنازع "أسطورة الإسكندر" وإعادة كتابتها وتوظيفها بين جماعات ومجتمعات وبلدان مختلفة، يصل أوجه في المشكلة المستمرة بين اليونان وبين جمهورية مقدونيا، التي تطالبها اليونان بتغيير اسمها، فترد عليها بتسمية مطار عاصمتها باسم الإسكندر الأكبر.

أما بالنسبة إلى المؤرخين والمفكرين والأدباء في العصور الحديثة، فيختلف الأمر: ثمّة من احتفى منهم بالإسكندر كبطل إستعماري يحمل رسالة تحضيرية للمغلوبين، ومن رآه رمزاً لاستعباد الشعوب ونهبها. من يراه قد تمكّن من "أوربة" الشرق، ومن يراه قد "شرّق" الغرب، أو وسّع مدارك الاستبداد الشرقي.

أما مونتسكيو، فبالغ في مديحه في "روح الشرائع"، كنموذج للقائد العقلاني الذي يحضّر وينسّق خطواته بحساب بارد، فاستطاع بناء امبراطورية متجانسة، مهمومة بتوحيد طرق التجارة البرية والبحرية في العالم القديم.

وإذ رأى مونتسكيو أن المسوّغ الوحيد للفتوحات هو تحسين أحوال الأمم المغلوبة، اعتبر الإسكندر نقيضاً لأباطرة الرومان من بعده، وللفظائع التي ارتكبتها إسبانيا الكاثوليكية في العالم الجديد، مستهجناً اعتباره مستعبداً للشعوب وقد تفجعت عليه الأخيرة عند وفاته.

أقوال جاهزة

شارك غردبين من اعتبره بطلا يحمل رسالة تحضيرية للمغلوبين، ومن رآه رمزا لاستعباد الشعوب ونهبها.. الإسكندر المقدوني 

شارك غردغلبت صورة إيجابية عن الإسكندر في العصور الإسلامية، مع إشكال انقسم المفسّرون حوله، "ذو القرنين" في القرآن

مازج الأجناس... خالط الحابل بالنابل

أما بعد عصر التنوير، فنجد المؤرخين الألمان يحتارون في أمر الإسكندر انطلاقاً من سيرته التي كتبها يوهان غوستاف درويسن، كإمبراطور أزال التعارض بين عالمين يوناني، وإيراني هندي، فوحّد العالم القديم تجارياً وثقافياً وروحياً، من خلال الحضارة الهلنستية التي طوّرتها مختلف الممالك التي تنازعت إرثه بعد وفاته، ما مهّد بالنتيجة لظهور هذه الخلطة الدينية الحضارية التي إسمها المسيحية.

سبب الحيرة الألمانية من بعد درويسن، أن البعض اعتبر الإسكندر منهجاً يحتذى في كيفية مواجهة كل خطر يأتي من الشرق، في كيفية إخضاع "الاستبداد الشرقي"، في حين اعتبره البعض الآخر قد سمح بتمدّد هذا الاستبداد نحو الغرب.

منهم من اعتبر أن نجاح الإسكندر يقوم على الدمج بين الأريستوقراطيتين المقدونية - اليونانية، والفارسية، أي توحيد دم النبالة الآرية.

ومنهم من اعتبر أنّه مع هذا النجاح في "توحيد العرق الآري"، فإنّ فتوحاته سمحت باختلاط الحابل بالنابل بين الأعراق المختلفة، بشكل أهوج، الأمر الذي ارتد سلباً على اليونان القديمة التي كان مؤرخو وأيديولوجيو ألمانيا يتعاملون معها في القرنين الماضيين كنموذج قديم لألمانيا العصر الحديث، ويتخيلون رجالها ونساءها بيضاً شقراً متعافين متسقي البنيان، إذ كانوا يخلطون بين التماثيل الرخامية القديمة وبين واقع الحال، وهو ما بلغ ذروته مع "النازية".

أقلقت سيرة الإسكندر النازيين: من ناحية، هو "المعلّم الأول" لكيفية غزو الشرق، والإمبراطورية الأخمينية التي دمّرها قرينة الاتحاد السوفياتي في عصرهم، لكنه سمح باختلاط الأعراق العليا بالأعراق الدنيا، وهذا ما ينبغي التنبه له عند غزو الاتحاد السوفياتي، فلا يسمح بـ"الخوشبوشية" العرقية مع الأقوام السلافية الأدنى مرتبة من "العرق الشماليّ".

"سيكندر": فيلم هندي

في السنة نفسها (1941) التي غزت فيه ألمانيا الاتحاد السوفياتي، أنتج في الهند فيلم "سيكندر"، الذي سيلعب دوراً مهماً في تحفيز سردية الاستقلال. أخرج الفيلم سوهراب مودي وهو من طائفة البارسيس.

يبدأ الفيلم مع الفيلسوف أرسطو طاليس، معلم الإسكندر، في عاصمة الفرس المحتلة، برسيبوليس. يحذّر أرسطو الفاتح الشاب من حبيبته روكسانا، التي يمكنها أن تفسد عليه مهمته الكونية.

يعاهد الإسكندر نفسه أنه لن يعاشر حبيبته قبل أن يفتح العالم بأسره. بالتالي لا بدّ له من فتح بلاد الهند. تسبقه روكاسانا إلى بلاط بوروس الهندي، وتتمكّن من وراء الكواليس من إيقاف زحف الجيش المقدوني وانسحابه، ليخلص الفيلم إلى نهاية سعيدة: رحيل المستعمر القادم وزوجته بحراً نحو الغرب.

أنتج الفيلم في مرحلة حساسة من النضال ضد الاستعمار البريطاني، هذا الاستعمار الذي زيّن روّاده لأنفسهم في الهند أنهم يسيرون على خطى الإسكندر، بل اقتبسوا منه توحيده للأريستوقراطية اليونانية والفارسية، عند إعلانهم "الراج" (امبراطورية الهند البريطانية) ونظام المعادلة بين الألقاب النبيلة البريطانية وتلك الهندية، في "تطبيق" آخر لعقيدة "الدم الآري" الموحّد بين أبناء النبالتين.

ذو القرنين: الإسكندر أو ملك عربي؟

بخلاف سلبية الزردشتيين تجاه الإسكندر المقدوني، رجحت صورة إيجابية عنه في العصور الإسلامية، مع إشكال انقسم المفسّرون حوله، حول "ذو القرنين" في القرآن، وإذا كان يمت بذي صلة لمن وصف بأنّه "الإسكندر ذو القرنين".

حرص أغلب التراث التفسيري للقرآن على الاقتداء بأثر منسوب للصحابي عبد الله ابن عباس، ينفي أن يكون الإسكندر هو المقصود بذي القرنين الذي بنى سداً منيعاً بوجه قوم هاجوج وماجوج (سورة الكهف)، وأنّ المقصود هو ملك من جنوب الجزيرة العربية.

مدهش الإسكندر، كيف يتنقل بين الذاكرات والمخيّلات.. تنازعت جماعات ومجتمعات وبلدان مختلفة  "أسطورة الإسكندر" وأعادت كتابتها

بخلاف ذلك، طوّر الأدب الشعبي عملية مزاوجة بين الإسكندر المقدوني وشخصية ذو القرنين، استعيدت فيه نتفاً من "حكاية الإسكندر"، وهي قصة شعبية ظهرت باليونانية في القرن الثالث بعد الميلاد، وعرفت ترجمات وتنويعات عديدة، سريانية وفارسية وعربية ويهودية وأرمنية وكرجية (جيورجية) وتركية وماليزية وأندونيسية وأفريقية.

من جهته، لم يلغ الطبري احتمال أن يكون الإسكندر هو نفسه ذو القرنين (الذي عاش في القرن العاشر الميلادي)، بقدر ما اهتم بإبراز اختلاف الروايات حول الإسكندر، بين من يعتبره ابن فيليبوس المقدوني وبين من يعتبره ابن الإمبراطور الفارسي داراب، دون ترجيح رواية على أخرى، مع ميل للأخذ جزئياً بالسردية السلبية ("أنه هدم ما كان في بلاد الفرس من المدن والحصون وبيوت النيران وقتل الهرابذة وأحرق كتبهم ودواوين دارا").

الإسكندر في "الشاهنامة"

أما في "كتاب الملوك" أو "الشاهنامة"، ملحمة الفرس الوطنية، فيأخذ الشاعر أبو القاسم الفردوسي (توفي 1010 م) بالرواية الشعبية حول أصل الإسكندر (فهو ابن للامبراطور الفارسي داراب من زوجته ابنة فيليبوس اليوناني التي تحمل اسماً فارسياً، ناهيد).

وهكذا ستصبح المواجهة بين الإسكندر وبين داريوس مواجهة بين أخوين غير شقيقين، وهي حسمت للإسكندر لأنه "لم يكن هناك سوى إسكندر واحد في العالم".

Shahnameh3-1 كتاب الملوك

أما دارا (داريوس) فهو عند الفردوسي كما عند سواه من مؤرخي وشعراء إيران نموذج الحاكم المتهوّر، المتسبّب بهزيمة دولته.

وروكسانا في ملحمة الفردوسي تصبح ابنة لدارا، تزوجها الإسكندر بعد نصره (أي تزوج ابنة أخيه غير الشقيق). فالإسكندر من أب فارسي وأم رومية (يونانية)، وهو نموذج للحاكم العادل. وبما أنّه ابن الملك الفارسي داراب، سوّغ الفردوسي لنفسه إفراد فصل للإسكندر في كتاب ملوك الفرس.

وهذه نظرة تختلف عن سلبية صاحب "مروج الذهب"، المؤرخ والجغرافي المسعودي، الذي حمّل الإسكندر وزر تخريب قواعد الحكم والإدارة في إيران.

بيد أنّ الفردوسي يعود في الفصل الذي أفرده عن أردشير وقيام حكم الساسانيين مطلع القرن الثالث بعد الميلاد، فيتعاطف مع الأسطورة التي نسجها الساسانيون عن أنفسهم، كباعثي إيران كما كانت قبل غزوات الإسكندر "الذي ظفر بالعالم من دون وجه حق".

"اسكندر نامه" الشاعر نظامي

أما صاحب "المخمّسات" نظامي الكنجوي (توفي 1209 ميلادية)، المولود في أذربيجان، من أب يتحدّر من قم ومن أم كردية، فيرفع الإسكندر إلى نموذج مثالي للملك المسلم الصالح، وذلك في الجزء الأخير من خماسيته، الذي يعرف بـ"اسكندر نامه".

وقد رافقت مخطوطات "الإسكندر نامه" المزخرفة عبر العصور، في إيران الصفوية والهند المغولية، منمنمات بديعة، لا سيّما تلك التي تعود للرسام الأشهر في الصنعة، كمال الدين بهزاد (ت 1535).

iskandarnameh من "الإسكندر نامه"

لم يأخذ نظامي بخرافة الأب الإيراني للإسكندر، لكنه جعل منه نموذجاً للفاتح الحكيم، المسلم المجاهد، الذي يهدم معابد النار ويلغي النوروز ويحج إلى مكة، فهو "ذو القرنين" الذي أقام سوراً منيعاً في مواجهة قوم هاجوج وماجوج.

من جملة ما ينبهنا إليه المؤرخ الفرنسي بيار بريان في كتابه "الإسكندر. تفاسير على الأمكنة المشتركة" (2016)، أن نظامي جعل في نفس الوقت من الإسكندر فاتحاً مجاهداً وملكاً فيلسوفاً.

وقد فعلت ملحمة نظامي فعلها على نطاق واسع، إذ صار التمثّل بالإسكندر شائعاً بين السلاطين. السلطان علاء الدين الدهلوي (من دلهي، العاصمة الهندية) في مطلع القرن الرابع عشر الميلادي، لقّب نفسه مثلاً بـ"إسكندر الزمان"، ونقش على القطع النقدية تحت اسمه "الإسكندر الثاني"، واستمر هذا التقليد بين سلاطين الهند إلى القرن الثامن عشر.

الإسكندر والخضر والدراويش

النموذج الآخر من "اسكندر نامه" نجده عند الشاعر الأناضولي تاج الدين أحمدي (ت 1413) الذي كتب بالتركية العثمانية المبكرة.

إضافاته الأبرز كما يوجزها بيار بريان: أنه لم يقل بزواج الإسكندر من روكسانا، بل كتب عن قصة حب بين الإسكندر وغولشاه التركمانية، ولم يخلط بين الإسكندر وذي القرنين، بل أبرز مكانة أوفى لشخصية "الخضر" الدينية، فهو الذي أسلم الإسكندر على يديه، ومنه تقلّد "سيف الله" للجهاد، وهو الذي قاده إلى الحجاز للحج، كما أتاح له زيارة قبر ذو القرنين.

يقتطع الإسكندر وقفاً للدروايش الفقراء في هذا الأثر الملحميّ، لكنه يفشل رغم كل فتوحاته في ايجاد ينبوع ماء الخلود.

الإسكندر العثماني

تأثّر العثمانيون بالفردوسي ونظامي وأحمدي، كما بالتقليد البيزنطي التمجيدي للإسكندر الذي أستطاع أن يروّض الممانعة ضده عند رجال الدين (يوحنا فم الذهب مثلاً). فكما استعاد نيرون هالة الإسكندر في حملته نحو بحر قزوين، استعادها البيزنطيون في حروبهم ضد الفرس والعرب والأتراك.

ورث العثمانيون هذه الهالة. قد لا يكون محمد الفاتح قد اهتم بها خلافاً لما أوحت مراجع عديدة، لكن الأوضح هو محاكاة سليمان القانوني لقصة الإسكندر، فلقّب بـ"إسكندر زمانه"، لفتوحاته وجمعه القوانين ورعايته الفنون، فضلاً عن قصة حبه وزواجه من الجارية الروسية "ألكسندرا" التي صار إسمها "روكسلانا"، في محاكاة لقصة الإسكندر وروكسانا.

كان هذا في زمن نافس فيه باباوات روما السلاطين على حبّ الإسكندر، فشجّعوا رسامي عصر النهضة على تصويره، وخصوصاً لقاءه مع كاهن بيت المقدس، للإيحاء بأولوية الكهانة العظمى، البابوية، على ملوك الأرض.

حركة تحرّر أو رسالة إستعمارية

في الزمن الحديث، نجد رواد الحركة القومية اليونانية يستعيدونه، وينقسمون حوله، بين من اعتبره قائد حركة التحرر ليونانيي آسيا الصغرى، وبين من اعتبره الرجل الذي أطاح باستقلال يوناني مفقود منذ 338 قبل الميلاد.

بالتوازي، سيستوحي المستعمرون الأوروبيون هذا النداء الأسطوري لاستعمار بلاد الشرق من الإسكندر. نابليون بونابرت بالدرجة الأولى. تماهى معه منذ فترة المراهقة. عبّر عن ثقته في نهاية حياته بأنه لو بقي مطولاً في الشرق، بعد الحملة على مصر، "لكنت بنيت امبراطورية مثل الإسكندر عبر توجهي إلى مكة للحج".

مع ذلك حرص نابليون على التمييز بين تثمينه العالي للمقدوني كصاحب منهج في السياسة الاستعمارية الراشدة المنفتحة على أهالي البلاد المفتوحة، وبين قلّة إعجابه بخططه العسكرية مقارنة بحانيبعل القرطاجني على سبيل المثال.

الإسكندر وأنطون سعادة ويوسف السودا

وإذا كان بونابرت خاطب قواته المبحرة إلى مصر، بأنّنا "نذهب للقاء المدينة التي بناها الإسكندر"، فقد دغدغت المأثرة العمرانية للفاتح المقدونيّ الوطنية المصرية الحديثة.

اختلف الوضع بالنسبة إلى اللبنانيين: فأنطون سعادة في "نشوء الأمم" يتأسف لـ"تخريب البرابرة الإغريق والرومان للعواصم الفينيقية تخريباً تدميرياً كاملاً"، لكنه يلاحظ أنّه لولا الإسكندر لـ"ظلّ تاريخ الإغريق تواريخ إثينا وإسبرطة وطيبة ومقدونيا".

كذلك يوسف السودا في "تاريخ لبنان الحضاري": يتأسف على خراب صور، ليسجّل أن الغزو سمح "بتطعيم فينيقيا بالحضارة اليونانية". أما المؤرخ أسد رستم الذي يرد الإسكندر إلى أصل "ألباني" في كتابه "تاريخ اليونان"، فيربط هلاك صور بسياق "قطع الأسطول الفارسي عن قواعده ومنعه عن إثارة الفتن في اليونان".

فتح هذا الشاب العالم القديم على بعضه البعض. ضرب اكتناز الثروات في مخازن الملوك، وصقّها قطعاً نقدية تصنع الوحدة التجارية الحضارية الكبرى. ليس هو نفسه في "التاريخ" وفي "الذاكرة". مدهش هو، كيف يتنقل بين الذاكرات والمخيّلات، مثلما كان مدهشاً في زمنه.

حيثما كان للجنون عقل في السياسة أو في الحرب، يحضر الإسكندر.

وسام سعادة

كاتب وصحافي لبناني. درس العلوم السياسية والفلسفة. حائز دبلوم الدراسات المعمّقة في العلوم السياسية، اختصاص الفكر السياسي.

كلمات مفتاحية
التاريخ

التعليقات

المقال التالي