خفايا ثورة يوليو وعهدها... خمس شهادات بأقلام "ضباط أحرار"

خفايا ثورة يوليو وعهدها... خمس شهادات بأقلام "ضباط أحرار"
جمال عبد الناصر وأنور السادات يتناولان الغداء – أوغستس 1952

حكايات ومؤلفات متناقضة خرجت على مدار أكثر من 60 عاماً لتروي قصة ثورة 23 يوليو 1952. لا أحد يعرف على وجه الدقة حقيقة ما حدث. كيف جرت الإطاحة بالملك؟ كيف دار الصراع في مجلس قيادة الثورة؟ كيف انفرد جمال عبد الناصر بالحكم؟ عدا كواليس العدوان الثلاثي عام 1956، وهزيمة عام 1967...

قد تساعد في تقديم بضعة إجابات خمس شهادات عن عصر الثورة كتبها أشخاص شاركوا في حركة الضباط الأحرار، وكانوا شهود عيان على ما حدث بدءاً من ليلة نجاح الثورة، مروراً بالصراع على السلطة ومعركة الديمقراطية، إلى هزيمة الجيش في سيناء.

ولكن هذه الشهادات فيها جانب كبير من الذاتية فكل راوٍ أراد وضع نفسه في موقع البطل، كما أثّر تغيّر الظروف السياسية لحظة كتابتها على تصويرها للأحداث.

"أوراق يوسف صديق"... ليلة إنقاذ الثورة

صدرت "أوراق يوسف صديق"، أحد الضباط الأحرار، عن الهيئة العامة المصرية للكتاب عام 1999، بتقديم رئيس الهيئة آنذاك عبد العظيم رمضان. ويحكي فيها صديق مشواره السياسي منذ حكم الاحتلال البريطاني وحتى خروجه من المشهد بعد نضاله ضد الديكتاتورية عام 1954.

يتضمن الكتاب روايته عن معاهدة 1936، ثم انضمامه للضباط الأحرار، وثورة يوليو، وخلافه مع مجلس قيادة الثورة، ودوره في أزمة مارس 1954، ونضاله من أجل الديمقراطية.

أبرز ما جاء في الكتاب، حديث صديق عما دار في ليلة 23 يوليو، ودوره الذي دفع مجلس قيادة الثورة للوقوف داخل مبنى الجيش والتصفيق له، بحسب روايته.

وفق ضابط الجيش، فإنه انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار في أكتوبر 1951، بعدما عرض عليه الأمر ضابط يُدعى وحيد رمضان، وبعدها التقى بجمال عبد الناصر، وتعرّف على الحركة وأهدافها، غير أن الأهم هو دوره ليلة الإطاحة بالملك، إذ كان سبباً رئيسياً في نجاح الثورة، بحسب روايته.

يقول صديق إن لجنة قيادة الثورة قررت أن يجري التحرك ليلة 23 يوليو 1952، ومنحت الخطة اسم "نصر"، وحددت الثانية عشر مساءً ساعة الصفر، لكن جرى تعديل الموعد إلى الواحدة صباحاً، دون إبلاغه مع آخرين، لأن معسكره كان في الهايكستب (منطقة عسكرية في القاهرة).

تحرك صديق في الموعد القديم، مع بدء تجمع رئيس هيئة أركان حرب الجيش وبعض القادة، إثر تسرّب أنباء عن الثورة، فألقى صديق القبض عليه، ثم ألقى القبض على قائد آخر.

والتقى صديق بجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر اللذين ارتديا ملابس مدنية في أحد الشوارع، وأخبراه بخطورة التحرك قبل الموعد، فقال صديق إن الثورة بدأت، وسيستمر في طريقه إلى مبنى قيادة الجيش لاحتلاله بعد تسرب خبر الثورة للملك، للوقاية من أي إجراء مضاد، فاقتنع عبد الناصر وأرسل تعزيزات له، وبالفعل جرى احتلال المبنى، وكان التحرك المبكر سبباً في نجاح الثورة.

أقوال جاهزة

شارك غرد5 شهادات عن ثورة يوليو كتبها أشخاص شاركوا في حركة الضباط الأحرار… حكايات ومؤلفات متناقضة

شارك غردأحد الضباط الأحرار يتهم عبد الناصر بتنفيذ تفجيرات في القاهرة عام 1954 لتعطيل الانتقال إلى الديمقراطي

"كنت رئيساً لمصر"... فضائح الضباط الأحرار

تحت عنوان "كنت رئيساً لمصر"، أصدر اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر، مذكراته، وحكى فيها سيرته الذاتية. يستعرض نجيب ما حدث في عصر ثورة يوليو: التحضير للإطاحة بالملك فاروق، هوية أعضاء مجلس قيادة الثورة، وماذا فعلوا بعد رحيل الملك، ومعركة الديمقراطية، وعزله وفرض الإقامة الجبرية عليه.

أظهر نجيب سوء حكم الضباط الأحرار، وكيف كانوا أشد ضرراً على الثورة من أعدائها. يقول إن كل ضابط كان يريد أن يكون ملكاً، وخرج الجيش من ثكناته لينتشر في كل الوزارات والمصالح والمؤسسات الحكومية، وأول ما فعلوه تغيير سياراتهم الجيب، بسيارات فاخرة، بجانب أن أحدهم ترك شقته المتواضعة، واستولى على قصر من قصور الأمراء في غاردن سيتي، وتهجم على إحدى الأميرات.

من ضمن مساوئ الضباط، وفق نجيب، أن أحدهم كان يُبلغ زوجته بتفاصيل ما يدور داخل مجلس قيادة الثورة، وكانت تستغل ذلك، وتتباهى بنفوذها وتقول: "الجيش في يميني، والبوليس في يساري"، وكان إيجار شقتها يساوي 50 جنيهاً، وهو مبلغ ضخم.

وتحدث رئيس مصر الأسبق، عن معركته مع مجلس قيادة الثورة حول ضرورة عودة الجيش إلى ثكناته، وقيام الأحزاب، وانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور، وعن كيف انقلب عليه ضباط الثورة بقيادة جمال عبد الناصر، ثم الإطاحة به من منصبه.

ويقول: "توجهت إلى مكتبي في القصر الجمهوري، فوجدت بعض ضباط البوليس الحربي يبلغونني بأني ممنوع من الدخول، واتصلت بعبد الناصر، وقال لي سأرسل لك عبد الحكيم عامر وحسن إبراهيم، وأبلغوني بصوت خافت أن مجلس قيادة الثورة قرر إعفائي من منصبي رئيساً للجمهورية"، ليتجه بعدها للإقامة الجبرية في منطقة المرج بالقاهرة من نوفمبر 1954 حتى أكتوبر 1983.

اجتماع للضباط الأحرار - 1952 اجتماع للضباط الأحرار - 1952

"مذكرات عبد اللطيف البغدادي"... سوء إدارة حرب 67

كتب عبد اللطيف البغدادي، أحد الضباط الأحرار، شهادته عما حدث منذ الإطاحة بالملك فاورق في يوليو 1952، حتى وقوع هزيمة ساحقة للجيش المصري في سيناء 1967.

احتوت المذكرات على رأي البغدادي الذي أطيح به من مجلس قيادة الثورة، على شهادته عن معركة عودة الجيش إلى الثكنات، وانتقال السلطة إلى عبد الناصر، وتأميم قناة السويس، وحرب السويس، والوحدة مع سوريا، وحرب اليمن.

كيف جرت الإطاحة بالملك فاروق؟ كيف دار الصراع في مجلس قيادة الثورة؟ كيف انفرد جمال عبد الناصر بالحكم؟

ما تحدث فيه البغدادي باستفاضة هو هزيمة 67، المعروفة بـ"النكسة". حمّل رجلين المسؤولية: جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، لأن الأول اختار الثاني قائداً للجيش، ليس لإيمانه بقدراته العسكرية، بل لثقته في قدرته على تأمين الجيش، في إشارة إلى حمايته من أي انقلاب عسكري.

يقول البغدادي إنه في الثالث من يونيو ظهرت دلائل على أن إسرائيل تستعد للحرب، وأعلنت التعبئة العامة وشكلت وزارة حرب برئاسة ليفي أشكول، لكن ناصر استبعد دخول تل أبيب المعركة، قبل أن يفاجأ بهجوم إسرائيلي خاطف على القوات المصرية في سيناء.

وقال البغدادي إن القيادة العامة للقوات المصرية والقيادة السياسية أيضاً كانت في حالة من الشلل، وليس لديها معلومات دقيقة عما يحدث في الجبهة في تلك اللحظات الحرجة.

وروى أنه ذهب لمقابلة عبد الحكيم عامر في مبنى القيادة العامة للجيش، وطلب جمال عبد الناصر هاتفياً، وأخبره بأن عدد الطائرات المهاجمة كبير جداً وهو أكثر مما يملك العدو، وأن هناك طائرات أميركية تغير على مطار الأقصر، وطلب في النهاية منه أن يبحث عن حل سياسي.

ويضيف أن "الهزيمة نهاية كل نظام مثل هذا النظام" ويتحدث عن "مقامرة جمال عبد الناصر بمستقبل أمة بأكملها في سبيل مجده الشخصي".

يقول: "كنا نعرف من قبل أنه يقامر، وكنا نندهش من هذا التصرف. وهو كان قد قدر أنه سيحقق نصراً يرفعه إلى السماء دون أن يخسر شيئاً. فجاءت النهاية - نهاية نظامه، وخزي وعار على الأمة".

ويتابع: "ربما يكون خيراً، من يدري؟ ربما أراد الله إنقاذ هذه الأمة من استعباد جمال لها ومن تأليهها له".

"الآن أتكلم"... عبد الناصر فجّر القاهرة رفضاً للديمقراطية

عام 1992، كتب خالد محي الدين، أحد الضباط الأحرار، شهادته عن عصر الثورة تحت عنوان "الآن أتكلم"، وحكى فيها قصة تعرّفه على جمال عبد الناصر، وتعاونه مع الشيوعيين ثم الصدام معهم، ووقوف ناصر ضد الديمقراطية، وخلاف مجلس قيادة الثورة على الزعامة.

معروف عن محي الدين أنه أكثر الضباط الأحرار ثقافة، وكان شيوعياً، وأكثرهم تمسكاً بالديمقراطية، ولعل أبرز ما جاء في شهادته، ما رواه عن صراع الضباط حول عودة الجيش إلى ثكناته وحول الديمقراطية.

يقول إن عبد الناصر كان ضد الديمقراطية على طول الخط، وهو الذي دبّر الانفجارات التي حدثت في الجامعة، وغروبي، ومخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة، عقب قرارات مارس 1954 الخاصة بإجراءات الديمقراطية وهي تأسيس أحزاب سياسية، وإلغاء الأحكام العرفية، وتشكيل لجنة لوضع الدستور.

الوجه الآخر لثورة يوليو... كل ضابط أراد أن يكون ملكاً وكانت زوجة أحدهم تتباهى: "الجيش في يميني، والبوليس في يساري"

ووفق محي الدين، فإن عبد الناصر اعترف لعبد اللطيف البغدادي بتدبيره للانفجارات، حتى يثير مخاوف الناس من الاندفاع إلى الديمقراطية، والإيحاء لهم بأن الأمن سيهتز، والفوضى ستسود، حال المضي قدماً في طريق الديمقراطية. وبجانب ذلك نظّم إضراباً للعمال في نفس العام، وأنفق عليه وموّله بأربعة آلاف جنيه.

ومن ضمن ما فعله عبد الناصر لاقتناص السلطة، بحسب محي الدين، حشده تظاهرات في مدينة الإسكندرية ضد تظاهرات الوفديين، تهتف بـ"الثورة، وضد الحزبية".

ويقول محي الدين، إن ناصر وصل إلى السلطة ومعه أغلبية الجيش، وقطاع كبير من الطبقة الوسطى، وقطاع كبير من الجماهير الشعبية، والصحف، والإذاعة، والأمن، والاستخبارات.

الانحراف عن الديمقراطية دفع محي الدين، مؤسس حزب التجمع اليساري فيما بعد، إلى الاستقالة من مجلس قيادة الثورة، وقبل ناصر استقالته، لأنه وفق صاحبها "يعلم أنه الرجل الذي لا يتنازل عن مبادئه ومواقفه مقابل الاستمرار في سلطة ما".

"أسرار ثورة يوليو"... تفاصيل "نحر" عبد الحكيم عامر

مؤرخ ثورة يوليو هو جمال حماد، أحد المشاركين في حركة الضباط الأحرار. أرّخ لعصر الثورة في عدة كتب، أهمها كتاب "أسرار ثورة يوليو" الذي يتجاوز فيه وجهات النظر المختلفة، ويقف على الحياد، ويسرد الأحداث التاريخية بالوثائق، ويُبدي رأيه بصفته شاهد عيان منذ الثورة وحتى عصر أنور السادات.

تحدث حماد في كتابه عن فترة الأربعينيات من القرن الماضي، وقضية الأسلحة الفاسدة في عهد الملك فاروق، وحركة الضباط الأحرار، وعلاقة جمال عبد الناصر بعبد الحكيم عامر، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي، وحرب اليمن، وهزيمة 1967، وقضية الاتحاد بين مصر والسودان.

ومن النقاط البارزة التي أفرد لها مساحة واسعة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وإدارة قائد الجيش للمعركة، وكيف تحوّلت من خسارة فادحة إلى نصر سياسي.

يقول حماد إن عبد الحكيم عامر لم يكن مؤهلاً لإدارة معركة يخوضها الجيش، واختياره يرجع إلى صداقته بعبد الناصر وولائه له، فهو لم يكن يملك البعد الاستراتيجي، ولا يملك الكفاءة والتجربة.

ويشير إلى أن المعركة انتهت بخسارة مصر، لكنها تحوّلت إلى نصر سياسي، بسبب رئيس أمريكا أيزنهاور، والاتحاد السوفيتي.

ورغم الهزيمة، لم يخضع عبد الحكيم عامر للمحاسبة من قبل ناصر، وفق حماد، بل حمى قائد الجيش رجاله الذين أمر ناصر باستبعادهم مثل صدقي محمود، قائد الطيران، ومن هنا بدأ الصراع بينهما.

نفس الأمر تكرر في هزيمة 1967، إذ لم يدر عامر المعركة كما يجب، وتعرض الجيش المصري لهزيمة ساحقة، وكان هناك خداع للرأي العام المصري. وأرجع حماد مسؤولية فشل مصر في حروبها إلى ناصر وعامر، واعتبر أن النظام الذي لا يستطيع حماية حدود بلده لا يستحق البقاء.

بعد الهزيمة بأقل من ثلاثة أشهر انتحر قائد الجيش، لكن حماد شكّك في رواية الانتحار، وقال إن المشير عامر لو أراد الانتحار بسبب الهزيمة، لانتحر في يونيو وليس سبتمبر. هو نُحر ولم ينتحر، برأيه، موضحاً أن المستفيد من موته هو جمال عبد الناصر.

رضا غنيم

صحافي مصري متخصص في السياسة. يعمل لصحيفة "المصري اليوم".

التعليقات

المقال التالي