مشروع تطوير الجزر النيلية... رجال الأعمال ينتظرون تهجير الفقراء

مشروع تطوير الجزر النيلية... رجال الأعمال ينتظرون تهجير الفقراء

تجلس سنية إبراهيم على عتبات باب منزلها في أحد شوارع جزيرة الوراق المتعرجة. تتابع، والحسرة بادية على وجهها، الخطى وصيحات الصغار المرابطين قرب "المعدية"، وهي وسيلة نقل مائية تربطهم بالمدينة، تحسباً لعبور قوات الأمن إلى جزيرتهم النائية في أي وقت.

تعصب إبراهيم، التي تخطت الخمسين عاماً، رأسها بإيشارب أسود، كأغلبية نساء الجزيرة اللواتي اتشحن بالسواد وافترشن مداخل البيوت بعد الاشتباكات مع قوات الأمن التي انقضت عليهم لإزالة ما أسمته "التعديات المخالفة" في الجزيرة الواقعة على ضفاف نيل الجيزة. تقول بأسى: "ذنبنا إيه. الحكومة بتهدم بيوتنا ونعيش في الشارع؟".

تتمسك السيدة بشكل حياتها الذي لا تعرف سواه منذ أن ولدت. لا وقت أمامها لبدء حياة بظروف أكثر قسوة في مثل هذه السن.

حياة مشوبة بالحذر والخوف يمضيها سكان جزيرة الوراق التي تصدرت الأخبار المصرية في الأيام الماضية مع اشتباكات بينهم وبين عناصر الأمن أسفرت عن سقوط قتيل وعشرات الجرحى من الجانبين، وذلك تحت أعين عناصر أجهزة الأمن المرابطين على الضفة الأخرى من النهر.

الترقب سيد المشهد. لم تقرر الدولة مصيرهم بعد. فهي ستبدأ بتنفيذ المرحلة الثانية من إزالة التعديات على الأراضي، أو تتراجع مؤقتاً عن تعليمات الرئيس عبد الفتاح السيسي التي أصدرها الشهر الفائت بعدم السماح بتواجد الأهالي على الجزر النيلية؟

"جزيرة موجودة في وسط النيل، مساحتها أكتر من 1250 فدان، مش هذكر اسمها، وابتدت العشوائيات تبقى جواها والناس تبني وضع يد. لو فيه 50 ألف بيت هيصرفوا فين؟ في النيل اللي إحنا بنشرب فيه؟"، قال السيسي في إشارة ضمنية على بدء الخطة المؤجلة لتطوير الجزر النيلية وهو مشروع انطلق في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك تحت عنوان "القاهرة 2050"، وتعطل تنفيذه عدة مرات.

الأمن_يحاصر_الوراق الأمن يحاصر الوراق

القاهرة 2050

يستهدف المخطط تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 عاماً من خلال 3 خطط خمسية متتابعة، لتطوير القاهرة. ويأتي في قلب هذه المشروعات نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وغير المخططة كمناطق بولاق والوراق وغيرها، بالإضافة إلى إنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وذلك بحسب ما صرح به الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني بوزارة الإسكان، قبل أيام من اندلاع ثورة 25 يناير.

لقد تعطل المخطط وتعاقبت الحكومات وتغيرت الوجوه، قبل أن يعود بمسمى آخر هو "المخطط الاستراتيجيى لتطوير منطقة القاهرة الكبرى".

من بين أهداف المخطط الغامض، برز تطوير الجزر النيلية بين محافظتي القاهرة والجيزة بهدف تطوير الواجهة النيلية والحفاظ على مجرى النيل.

ومن أصل 144 جزيرة نيلية تعترف بها سجلات الحكومة، تبقى جزر القاهرة الكبرى الأشهر بسبب النزاعات المستمرة عليها بين السلطة ممثلة في الجيش والحكومة، والأهالي الذين يقطنونها منذ عقود طويلة خلت، منهم بعقود ملكية مثبتة وآخرون بوضع اليد، فيما ينتظر رجال الأعمال نتيجة المعركة.

مستندات_إثبات_ملكية_الأهالي_لجزيرة_الوراق مستندات إثبات ملكية لبعض السكان في جزيرة الوراق

الوراق

تبلغ مساحة جزيرة محمد التي تنتمي إدارياً إلى حي الوراق بمحافظة الجيزة 1600 فدان، ويعيش عليها حوالي 90 ألف مواطن، يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة (خاصة البطاطا) والصيد والتجارة. وهي غير مجهزة بشبكات للصرف الصحي أو مرافق عامة أو مستشفيات.

بدأ الاهتمام الحكومي بالجزيرة عام 2000 عندما قرر الدكتور عاطف عبيد، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، تحويلها إلى منافع عامة، ولكن الأهالي حصلوا على حكم قضائي في 2002 يقضي بأحقيتهم في أراضيهم. ثم وضعت الدولة خطة بديلة عام 2010 مع إصدار رئيس الوزراء أحمد نظيف قراراً بوضع خطة لتطويرها.

أقوال جاهزة

شارك غردسوء إدارة الحكومة لملف الجزر النيلية، ومنها #الوراق، تسبب بهوة كبيرة بينها وبين الأهالي

شارك غردالدولة تسمح بوجود أندية للقضاة والشرطة والجيش على النيل، لكنها تعتبر جزراً يقطنها فقراء مخالفة للقانون

عادت الوراق مرة أخرى إلى حسابات الحكومة في ظل صحوتها على إزالة التعديات على أملاك الدولة. أصدر رئيس الحكومة المهندس شريف إسماعيل قراره باستبعاد 17 جزيرة من تطبيق قرار رئيس الوزراء رقم (1969) لعام 1998 والذي اعتبرها محميات طبيعية.

تضمن القرار إزالة الجزر الآتية من قوائم المحميات الطبيعية: القرصاية، والدهب، وردان الكبرى، وردان الصغرى، والقيراطيين، وأبو غالب، وأبو عوض، وأم دينار، والوراق، وكفر بركات، والرقة، وحلوان البلد، والشوبك البحرية، والعياط، وكفر الرفاعي، والديسمي، والكريمات".

ونصت المادة الثانية من القرار على أن تعلن الجزر المشار إليها في المادة السابقة كمنطقة إدارة بيئية، فيكون دور وزارة البيئة، وأجهزتها معاونة الجهات المختصة في وضع الضوابط، والشروط البيئية للأنشطة الواقعة عليها.

هكذا، خرجت جزيرة محمد من تعداد المحميات الطبيعية التي لا يصرح بالعيش فيها أو البناء عليها، ما يسمح بتطويرها لاحقاً.

وبحسب الخطة المعلنة على البوابة الإلكترونية لمحافظة الجيزة، فالهدف من تطوير الجزر التابعة للمحافظة هو الاستفادة من الأراضي في عمل خدمات ترفيهية وسياحية، وتحجيم نمو الأنشطة التجارية على الواجهة، وتعديل الدور الوظيفي لاستخدامات الكورنيش.

مساكن أم محميات؟

لا يوجد موقف رسمي محدد مما ستؤول إليه الأحداث في الجزيرة، إذ لم تعلن وزارة الإسكان خطتها الحبيسة الإدراج منذ عام 2008 بشأن تطوير الجزر من الوراق إلى حلوان.

وتنفي الحكومة وجود أيّة نية لتهجير قاطني الجزر، وتلجأ إلى صيغة عرض نقلهم إلى مساكن حكومية آمنة.

"لا نتشطر على الغلابة. بدأنا حملتنا بالكبار والمستثمرين"، قال اللواء علاء هراس، نائب محافظ الجيزة لشؤون الأحياء، لرصيف22 مؤكداً أن الحملة على الجزر ليس هدفها التهجير كما يشاع، فلا أحد يستطيع إخراج 93 ألف مواطن من منازلهم، بدعوى عدم توفير بدائل متاحة.

وبحسب هراس، فإن "جزيرة محمد مجرد محمية طبيعية استغلها الأهالي في بناء غير مرخص"، مشيراً إلى أن الحملة استهدفت المباني المخالفة غير المأهولة.

وفي حين قال إن المحميات الطبيعية يجب أن تعود إلى طبيعتها دون سكان، رأى أن الجزر يجب أن تخضع للتطوير بتحويلها إلى أماكن ذات جدوى اقتصادية للحكومة مع إبقاء سكانها. "الدولة مبترميش ولادها"، بحسب تعبيره.

وجاء ما نشرته صحيفة المصري اليوم نقلاً عن موقع شركة "أر أس بي" للتخطيط المعماري الإماراتية السنغافورية، ليثبت وجود مخطط لتطوير الجزيرة كنموذج للتنمية المستقبلية في القاهرة.

وأفاد موقع الشركة بأن جزيرة الوراق من بين المواقع التي تقع ضمن مخططاتها المستقبلية ومشروعها الاستثماري لبناء مدينة كاملة هناك، تنفيذاً لخطة الحكومة في تطوير المنطقة للوصول إلى مستوى عالمي، موضحةً أن الجزيرة تتمتع بموقع مذهل على نهر النيل.

ويضم التصميم الذي وضعته الشركة مباني تجارية، وجامعة، ومباني سكنية، وحدائق عامة، ومكتبة ثقافية كبرى.

وأقر المتحدث باسم وزارة الإسكان هاني يونس، في حديثه لرصيف22، بأن حملة الإزالة الأخيرة ما هي سوى جزء من مخطط تطوير الجزر النيلية الذي حددته الدولة منذ فترة، نافياً في الوقت ذاته أن تكون الحكومة قد تعاقدت مع مكتب هندسة إماراتي لتطوير الجزر.

ويطرح يونس أن توفر الحكومة مساكن بديلة لقاطني الجزر ممن يمتلكون عقوداً ملكية.

إخراج حكومي سيئ

يرى المهندس الاستشاري ممدوح حمزة أن إدارة الحكومة لملف الجزر النيلية تسبب في إحداث هوة كبيرة بينها وبين الأهالي، فهي لم تفصح عن خطة تطويرها المدرجة في مشروع القاهرة 2050 منذ عام 2008 قبل إنزال قوات أمنية فجأة على الجزيرة.

وقال لرصيف22 إن المنفعة العامة في مسألة تطوير العشوائيات والجزر النيلية تتطلب التعويض المناسب لإخلاء المنازل القائمة منذ عقود، أما لو كان الهدف مشروعاً خاصاً لصالح مستثمرين، فيجب التفاهم أولاً مع ملاك الأراضي والمساكن لإقناعهم بالتنازل عنها.

وبحسب حمزة، فإن الحكومة تخطط لإقامة أبراج سكنية واستثمارية بتمويل إماراتي على جزر تملك فيها أقل من 5%، فيما يمتلك الأهالي بقية المساحة.

واعتبر أن مخطط القاهرة 2050 الذي يتطلب تطوير الجزر والمناطق العشوائية مدمر للقاهرة، موضحاً أن أي مشروع عقاري على أراض زراعية سيكون قاتلاً للعاصمة ومصدراً لمزيد من التلوث.

"مخطط 2050 كارثي"، برأي أحمد زعزع، الباحث بمبادرة 10 طوبة، المتخصصة في الدراسات والتصميمات العمرانية.

وأوضح زعزع لرصيف22 أن المخطط الذي أعد قبل ثورة 25 يناير بإشراف جمال مبارك قائم على إزالة أحياء بالكامل مثل رملة بولاق ومقابر القاهرة، وهي مناطق يعيش فيها أكثر من 3 ملايين مواطن لن يستطيعوا العيش على أطراف المدنية بدون مصادر دخل.

وعلق زعزع على حديث متحدث وزارة الإسكان عن توفير سكن بديل، قائلاً: "المساكن الحكومية تحتاج إلى رعاية وخدمات كبيرة للعيش فيها، أما الجزر والمناطق العشوائية الآمنة فتحتاج إلى تنمية وليس إلى تطوير، أي إلى إنارة وشبكة صرف صحي وأمور أخرى".

وأشار إلى أن الدولة تسمح بوجود 27 نادياً تابعاً للقضاة والشرطة والقوات المسلحة على نهر النيل من شبرا إلى حلون لكنها تعتبر جزراً يقطنها فقراء مخالفة للقانون.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي