قبل إعلان إسرائيل... كيف تجسست عصابات الهاغاناه على العرب في المقاهي؟

قبل إعلان إسرائيل... كيف تجسست عصابات الهاغاناه على العرب في المقاهي؟

قامت عصابات الهاغاناه الإسرائيلية في أربعينيات القرن الماضي بالتجسس على رواد المقاهي الفلسطينية للحصول على معلومات حول العرب، لا سيما النشطاء الفاعلين منهم، وحول جنود الجيش البريطاني.

وكشفت المكتبة الوطنية الإسرائيلية جانباً كبيراً من الوثائق التي توضح آليات عمل استخبارات الهاغاناه في هذا المجال، مشيرةً إلى اهتمام القائمين على المؤسسة الاستخباراتية، قبل إعلان قيام الدولة العبرية، بتصنيف المقاهي في مختلف المدن الفلسطينية إلى ثلاث مجموعات.

أشارت الوثائق إلى تجنيد الهاغاناه عدداً كبيراً من المتعاونين اليهود والعرب للقيام بمهمة مراقبة المقاهي، وإعداد تقارير حول مرتاديها وأصحابها والموضوعات المتداولة بينهم، لتقوم بالعمل على تلك التقارير لاحقاً، واستخدام معلوماتها في عمليات استهداف الفلسطينيين، أو التحسب لهجمات فلسطينية.

مئات الوثائق ومئات القرى الفلسطينية

قالت معدة التقرير إليشا بسكين، في بداية سردها، إنها زارت أرشيف "تاريخ الهاغاناه"، وعثرت فيه على مئات الوثائق التي احتوت على معلومات حول مئات القرى الفلسطينية في مناطق قيصرية وحيفا قبل نكبة 1948.

وأضافت في تقريرها: "جمعت تلك الملفات دوريات الهاغاناه وعناصر الحراسة المتحركة التابعة لشرطة المستوطنات العبرية".

ضمت الوثائق معلومات استخباراتية استُخدمت في عمليات تنفيذية، واعتمد جزء من عمليات جمع المعلومات على تسلل الملثمين اليهود إلى الأحياء العربية سواء في المدن أو القرى.

وأعدت الهاغاناه من خلال تلك العمليات خرائط سطحية وطبوغرافية ومدنية حددت أماكن دور العبادة، والتجمعات الجماهيرية، التي تتألف من العمال والمزارعين وغيرهم.

لم تتوقع معدة التقرير أن تجد في أرشيف الوثائق والمعلومات ملفات خاصة بـ"دور المقاهي"، واعتماد الهاغاناه عليها في التجسس على العرب.

وأوضحت: "لم أتوقع أن تكون المقاهي قد استُخدمت مصدراً للحصول على المعلومات"، مضيفةً أنها عثرت على قائمة طويلة بعنوان "مقاهي العرب في حيفا وأصحابها عام 1941".

INSIDE_IsraelSpiesHaifaCafes4

تضمنت القائمة 70 مقهى في المدينة التي كانت صغيرة جداً حينذاك. وأوضحت الكاتبة أن جهاز المعلومات في الهاغاناه صنّف تلك المقاهي في ثلاث مجموعات، الأولى: مقاهٍ لتجمع نشطاء الماضي والحاضر؛ ثانياً: مقاهٍ يتجمع فيها نشطاء آخرون لكنهم أقل في مستواهم من الدرجة الأولى؛ وثالثاً: مقاهٍ لتجمع أشخاص سيتحولون إلى نشطاء بحال اندلاع أعمال عنف.

أقوال جاهزة

شارك غرداهتم اليهود، قبل إعلان قيام إسرائيل، بتصنيف المقاهي في مختلف المدن الفلسطينية إلى ثلاث مجموعات...

شارك غرديمكننا التعرف على مقاهي مدينة حيفا القديمة من خلال وثائق عصابات الهاغاناه في أربعينيات القرن الماضي

وجمعت الوثائق معلومات حول عدد من مقاهي مدينة حيفا وأصحابها وعناوينها بعد تصنيفها في المجموعة الأولى، وجاءت كالتالي:

مقهى "كوكب الصباح"

"مقهى "كوكب الصباح"، يقع في 28 شارع الملائكة، صاحبه مسلم، يُدعى قاسم جابر. المقهى مركز تجمع ثابت لعامة الجماهير، وملحق به بيت للبغاء. للمقهى مدخل سري خاص خلف المبنى، وتباع في المقهى المشروبات الروحية بعد حصول صاحبها على تصريح بذلك.

مقهى جورج

مقهى جورج الكائن في منزل عزيز الخياط. صاحب المقهى فضل جميل كعور، مسيحي، كان ضابطاً في شرطة حيفا حتى عام 1938، إلا أنه طرد من الشرطة بعد ثبوت إدانته بالانتماء إلى "إحدى العصابات الإجرامية"، إلا أنه يستغل علاقاته في تجارة السلاح، ولذلك عمل مسؤولاً في شركة "ستيل" (شركة معنية بالمعادن في حيفا)، ليمكنه ذلك من التواصل مع عملاء تجارة السلاح. تباع في المقهى المشروبات الروحية بعد حصول صاحبها على تصريح بذلك.

فندق "ويندزور"

فندق "ويندزور"، يقع في شارع الجبل، يملكه مستر بوتاجي، مسيحي، وهو الشقيق الأكبر للأخوة بوتاجي، ويمتلك أيضاً فندقاً في منطقة سيديروت هاكرمل بمدينة حيفا. في نهاية 1938، تحالف مع الحسينيين (عائلة الحسيني، أسرة عربية فلسطينية، تعد من أعرق وأغنى العائلات العربية في القدس، وشغل أبناؤها على مدى العصور مناصب قيادية سياسية ودينية) بعد أن تمرد عليهم في السابق.

يقيم بوتاجي علاقات وطيدة مع دول الجوار، ويمتلك متجراً مرخصاً للسلاح. أيد حركة التمرد الفلسطيني التي اندلعت عام 1938 عبر إمداد عناصرها بالمال الوفير والسلاح، ويساعد كل مَن يطلب المساعدة في التمرد، ويعرف بمعارضته العنيفة للصهيونية واليهودية.

مقهى في حي وادي الصليب

مقهى في 28 حي وادي الصليب، صاحبه فريد شعبان الحاج أحمد، مسلم، يبلغ من العمر 52 عاماً، وهو من حزب الحسينيين. في الأيام التي لا يسودها الهدوء، تدار في مقهاه اجتماعات النشطاء. لا تباع في المقهى المشروبات الروحية.

مقهى في شارع وادي الصليب

المقهى في منزل خاص يمتلكه عبدول أبو تلات. ينتمي إلى حزب الحسينيين، وهو مسيحي، يبلغ من العمر 45 عاماً تقريباً، يمتلك نفوذاً وسطوة على الشارع الذي يقيم فيه. لا تباع في المقهى مشروبات روحية.

مقهى في شارع بوابة الشرق

المقهى في منزل حسن الديك. صاحبه يدعى نايف جلايني، مسلم. يستغل المقهى في وعظ وتوجيه العرب. ولا تباع في المقهى المشروبات الروحية.

مقهى في شارع الأنبياء

المقهى في منزل أبو فيصل. صاحبه يدعى تانوس إلياس زاهر، مسيحي. يستغل المقهى في تهريب وترويج مخدر الحشيش والأفيون وكذلك السلاح، ورغم ذلك، لا تباع فيه المشروبات الروحية.

مقهى في شارع العراق

مقهى في 136 شارع العراق بمنزل المدعو حسن تنكاري. صاحب المقهى يدعى محمد الحاج خليل عبيدة. تقام في المقهى اجتماعات الحسينيين، ولا تباع فيه المشروبات الروحية.

مقهى في شارع جيرياني

المقهى بمنزل المجدلاني. صاحب المقهى هو المدعو نايف السفادي. يستغل المقهى في أوقات الأحداث كملتقى لتجمع وانطلاق النشطاء المسلحين. لا يبيع مشروبات روحية.

INSIDE_IsraelSpiesHaifaCafes3 مقهى في حيفا، عام 1933

أما النوع الثاني من مقاهي حيفا التي يتجمع فيها نشطاء آخرون، هم في مستواهم وتأثيرهم أقل من الدرجة الأولى، فرصدتهم الوثائق كالتالي:

مقهى ومطعم في سديروت

عصابات الهاغاناه الإسرائيلية كانت تتجسس على رواد المقاهي الفلسطينية للحصول على معلومات حول العرب… وثائق ترسم خريطة المقاهي في حيفا في أربعينيات القرن الماضي

يمتلكه المدعو جورج شوتس، وهو سويسري مسيحي. سبق أن اعتقلته الشرطة على خلفية اتهامه بالتجسس لصالح ألمانيا وإيطاليا، وهو متزوج يهودية مجرية تدعى روزيتا، لكنها اعتنقت المسيحية بعد زواجها، وتمتلك نفوذاً واسعاً في أوساط الشرطة. بمساعدتها جرى إطلاق سراح زوجها المعتقل. ويستغل المقهى في إدارة أنشطة مناوئة للصهيونية، يديرها بعض من قادة الحكومة الإنكليزية والعرب. يبيع المقهى المشروبات الروحية.

الكلوب الأرثوذكسي

هو نادٍ أرثوذكسي - مسيحي، كائن بمنزل السيدة نيوتون. مدير النادي يدعى ناصري رونتز، وهو عضو في فرع لجنة الجمعية المسيحية الإسلامية في حيفا.

مقهى سنترال

يقع بشارع السوق، وملحق به بيت للدعارة. صاحب المقهى يدعى كوستندي أيوب الظاهر. "يعد المقهى مركزاً لتجمع العامة والغوغاء، ولا يغلق أبوابه في ساعات الليل، ويبيع المشروبات الروحية بتصريح"، بحسب وصف الوثائق.

رويال بار

يقع مقهى رويال بار في 58 شارع الملائكة، وصاحبه مسيحي، يدعى جورج محفوظ. يعد المقهى مركزاً لتجمع أفراد الشرطة البريطانية، وفي كثير من الأحيان يصبح ملتقى لأفراد من الشرطة البريطانية ومسلمين ومسيحيين من جيل الشباب. يبيع المقهى مشروبات روحية.

مقهى فيكتوريا

يقع مقهى فيكتوريا في حي الحمرا، ويلحق به بيت للدعارة، أما صاحبه فيدعى ميري مجدلاني، وهو مسيحي، ويعد مركزاً للعامة من الناس، وتباع فيه المشروبات الروحية.

مقهى رام سام

يقع في 72 شارع يافا، ويمتلكه المدعو حنا دكلوش، وهو مسيحي كان ناشطاً في أحداث 1936 و1939، ويستغل المكان في لقاءات الشباب المسيحيين والمسلمين، ويبيع المشروبات الروحية.

مقهى السيدة فادية

يقع في شارع البياض، لصاحبته السيدة فادية، وهي أرملة المدعو فؤاد جادة، وهي من مؤيدي ومرتادي النادي النسائي الإسلامي المسيحي. يرتاد المقهى عدد كبير من أفراد الشرطة البريطانية وعدد آخر من النسوة المنتقبات، لذلك من الصعب تحديد هويتهن. يبيع المقهى المشروبات الروحية.

كوينز بار

يقع في 76 شارع يافا. صاحب المقهى موسى إلياس عبود، مسيحي، وهو عضو في الجمعية المسيحية الإسلامية، وتربطه علاقة وطيدة بالشرطة البريطانية، ومن حين لآخر تجرى في المقهى لقاءات.

مقهى إميل زكا

يقع في ضاحية سيكالي، وهو منزل خاص، صاحبه المدعو إميل زكا، مسيحي، كان ضابطاً في الشرطة، لكنه طرد منها، وهو شقيق مَن كان رئيساً لتحرير صحيفة "النفير" التي أغلقت بعد وفاة مالكها.

اعتاد إميل زكا العمل على فض مختلف النزاعات التي تنشب بين المسيحيين والمسلمين. ولا يبيع مشروبات روحية.

INSIDE_IsraelSpiesHaifaCafes2

أما ثالث أنواع مقاهي مدينة حيفا، بحسب تصنيف وثائق الهاغاناه، فهو مقاهٍ يتجمع فيها أشخاص كانوا نشطاء وقت الأحداث، و"سيقومون بدور مماثل حال اندلاع أعمال لخرق النظام".

ومن بعض ما سمته القائمة:

مقهى بانوراما

يقع على جبل الكرمل. صاحبته تدعى لويزا تلبوت، أدارت قبل ذلك مقهى الألماني "فيلهيلم بريتشيه"، الذي اعتقل إبان اندلاع الحرب، ويقال إن لويزا هي ابنة بريتشيه، لكن علاقتها بأحد الإنكليز أتاحت لها فرصة الاستمرار في إدارة المقهى.

تلتقي في المقهى مجموعات من الإنكليز، ومعظمهم من الشرطة، كما يرتاد المكان بعض العرب الذين ينتمون إلى الطبقتين المتوسطة والأرستقراطية. وتباع في المقهى المشروبات الروحية.

مقهى في منزل إلياس عيون

المقهى في 31 شارع ابن الطير أمام محطة الكرمل. يدعى صاحبه سامي أيوب باهوي وهو مسيحي. تدار في المقهى بين الوقت والآخر اجتماعات بين الشباب المسيحيين، ولا يبيع مشروبات روحية.

مقهى في منزل فاطمة عيراني

مقهى في 110 شارع العراق، وهو كائن في منزل فاطمة عيراني (عضو في الجمعية النسائية الإسلامية)، وصاحبه حسين محمد خرايبة الداده.

قيمة تاريخية؟

جمع جهاز الاستخبارات اليهودي المعلومات عن كل ما يجري في المقاهي من خلال عملاء عرب في المدينة، فالمقاهي بالنسبة للهاغاناه، بحسب التقرير، كانت موقعاً لا يقل أهمية وربما خطورة عن القاعدة العسكرية، أو مواقع إطلاق النار، لا سيما في ظل ما يدار فيها من لقاءات واجتماعات تنظيمية مناوئة للحركة الصهيونية واليهودية.

وتعد قائمة مقاهي حيفا في أربعينيات القرن الماضي من أهم وأندر الوثائق التي تترجم واقع الجيوب الثقافية في المدينة حينذاك.

INSIDE_IsraelSpiesHaifaCafes1

تنقل معدة التقرير العبري عن شمري سلومون، أحد مستخدمي أرشيف تاريخ الهاغاناه، قوله: "القائمة ثروة حقيقية للمؤرخين، والدوائر المعنية بالتاريخ الاجتماعي. ليس بالضرورة أن تكون المعلومات الواردة بخصوص أصحاب المقاهي ونشاطهم السياسي صحيحة، لا سيما أن جمع تلك المعلومات جرى في ظروف معينة، لكن المعلومات المتعلقة بالمقاهي ومقار وجودها في المدينة وأسماء أصحابها صحيحة تماماً، وتنطوي على قيمة تاريخية كبيرة".

ويوضح سلومون: "جمع المعلومات الواردة في القائمة عملاء ونشطاء عملوا حينئذ لصالح الشعبة العربية التابعة لجهاز الاستخبارات اليهودي، وتحمل قائمة المقاهي وما تتضمنه من معلومات توقيع معدها "بنيامين"، ويبدو أنه كان اسماً كودياً لكل مَن يعمل في جهاز الاستخبارات اليهودي التابع للهاغاناه في حيفا وفي أماكن أخرى".

وفي رد على سؤال لمعدة التقرير حول مدى سيطرة اليهود على الشارع العربي، قال سلومون: "عدد كبير من اليهود والعرب عملوا معاً في جهاز الاستخبارات اليهودي".

وقالت الكاتبة: "فهمت من حديث سلومون أن اليهود جندوا العرب للتعاون معهم من خلال طرق الابتزاز، مثلما كان واضحاً في إحدى الوثائق التي أكدت أن عميلاً عربياً يمر بظروف مادية صعبة، وعلى استعداد لفعل أي شيء مقابل الأموال، كما كان من صور الابتزاز الإشارة إلى حصول صاحب كل مقهى على تصريح ببيع المشروبات الروحية من عدمه، لاستخدام تلك المعلومة لاحقاً في ابتزازه".

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية وعضو في نقابة الصحافيين.

التعليقات

المقال التالي