تنافس بين أوروبا وأمريكا على إدارة أزمات الشرق الأوسط... لمن تكون الغلبة؟

تنافس بين أوروبا وأمريكا على إدارة أزمات الشرق الأوسط... لمن تكون الغلبة؟

رغم خروجها من قائمة اللاعبين المؤثرين في المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة، وبالأخص عقب ثورات الربيع العربي، وارتضائها الجلوس على مقاعد المشاهدين وترقب ما ستؤول إليه نتيجة المباراة، فإن أوروبا لعبت دوراً محورياً في المنطقة على مر التاريخ.

المستجدات الأخيرة التي فرضت نفسها على الساحة الإقليمية وردود الفعل الأوروبية حيالها والتي جاءت في بعضها تغريداً خارج السرب الأمريكي، دفعت الكثيرين إلى التساؤل حول إمكانية عودة دول أوروبا مجدداً إلى المشهد الشرق أوسطي كلاعب أساسي، وحول الآليات التي يمكن أن تعود من خلالها.

أوروبا والشرق الأوسط

تبوأت منطقة الشرق الأوسط مرتبة متقدمة في قائمة أولويات أوروبا على مدى عقود طويلة من الزمان، لما تمثله من قيمة محورية للقارة العجوز على شتى المستويات، ولا سيما المستويين السياسي والاقتصادي.

وفي المقابل، تعد دول أوروبا سوقاً استثمارياً مهماً لمختلف دول الشرق الأوسط، وتمثل دول الخليج رابع أكبر سوق صادرات للاتحاد الأوروبي بحجم وصل إلى أكثر من 111.6 مليار يورو في 2015، بينما بلغت قيمة الواردات الأوروبية من دول الخليج 44 مليار يورو، 70% منها تتمثل في النفط ومشتقاته.

أمريكا وأوروبا

برغم محاولات بلورة سياسة خارجية أوروبية مستقلة، فإن دول أوروبا لا تزال تعاني، بصورة كبيرة، من التبعية والانقياد للسياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما حيال ملفات الدول الإسلامية والشرق الأوسط، فهي تفتقر إلى القيادة في ظل تباين وجهات النظر بين دول الاتحاد. هذا ما يقوله أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة لرصيف22.

لكن هذا لا ينفي محاولات أوروبا العديدة للسعي نحو الاستقلالية في مواقفها عن الولايات المتحدة، وهو ما تجسد في عدد من الملفات، على رأسها الحرب الأمريكية ضد العراق، والاتفاق النووي الإيراني، حسبما أضاف نافعة.

وأتى الموقف الأوروبي من الأزمة القطرية الأخيرة والذي يناقض في جزء منه الموقف الأمريكي ليدفع إلى التساؤل حول إمكانية عودة أوروبا إلى منطقة الشرق الأوسط مجدداً كلاعب أساسي مستقل في قراراته وتوجهاته، خاصة في ظل توتر العلاقات بين الطرفين في الفترة الأخيرة جراء التصريحات المسيئة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد قادة وزعماء القارة وبعض تكتلاتها.

ويتضح تمايز الموقف الأوروبي مع الموقف الأمريكي في تباين مواقف الطرفين حول أبرز الملفات العالقة في المنطقة.

أقوال جاهزة

شارك غردأوروبا والشرق الأوسط: هل تستعيد القارة العجوز نفوذها في المنطقة مجدداً؟

شارك غردتصعيد أم تهدئة في قطر، مستقبل الأسد، الاتفاق النووي، ملف ​ليبيا... ملفات بارزة تختلف فيها أوروبا مع أمريكا

الأزمة القطرية

جاءت الأزمة القطرية الخليجية الأخيرة لتعيد تقديم أوروبا من جديد كطرف فعال في المشهد الإقليمي، خاصة أن الموقف الأوروبي بصفة عامة من تلك الأزمة جاء متناقضاً إلى حد كبير مع الموقف الأمريكي المنقسم بين دعم ترامب للفريق السعودي الإماراتي الساعي إلى فرض المزيد من العقوبات على قطر، وبين دعم الحل السلمي كما في موقف وزارتي الخارجية والدفاع.

أكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أكثر من تصريح استعداده للقيام بدور الوساطة بين قطر ودول الخليج، مشدداً على أهمية وضع حل لهذه الأزمة من خلال الحوار الدبلوماسي بين أطرافها، وقد أجرى عدة اتصالات بأمير قطر للتأكيد على هذا الموقف.

ولا يختلف الموقف الألماني أو موقف المفوضية الأوروبية عن نظيره الفرنسي، إلا في حزم دعوة الأول إلى حل الأزمة بدون تصعيد، وهو ما كشفه وزير الخارجية زيغمار غابرييل خلال حوار له مع صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" بقوله: "إن الأزمة بين قطر ودول عربية أخرى قد تقود إلى حرب"، مضيفاً: "لا تزال هناك فرصة لنزع فتيل التوتر"، وواصفاً خطوات المقاطعة التي اتخذتها بعض الدول ضد قطر بأنها "بالغة القسوة".

تفضيل أوروبا لخيار الحل الدبلوماسي بعيداً عن التصعيد يأتي في المقام الأول حفاظاً على مصالحها، وعلى رأسها إمدادات النفط والغاز، فأي توتر في المنطقة ربما يهدد هذا المورد الإستراتيجي المهم لأوروبا. هكذا فسّر الدكتور جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، موقف فرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية من الأزمة القطرية.

الموقف من إيران

رغم أن الموقف الأوروبي تجاه طهران مناقض تماماً للموقف الأمريكي الذي يلوّح بفسخ الاتفاق النووي، وتدشين تحالف سني إسرائيلي لتطويق النفوذ الإيراني في المنطقة، فإن الحديث عن صدام بين أوروبا وأمريكا جراء هذا التباين في الآراء مستبعد، بحسب نافعة.

وتُعدّ توجهات وزارات خارجية بعض الدول الأوروبية، على رأسها ألمانيا وفرنسا، تجاه إيران، الأقوى ضد واشنطن، إذ عبرت الحكومة الألمانية عن استعدادها للتعامل مع حكومة حسن روحاني، واصفةً إيران بـ"الطرف الفاعل الإقليمي المهم"، كما جاء على لسان المتحدث باسم بالحكومة الألمانية شتيفن زايبرت الذي أعلن تأييد بلاده للاتفاق النووي.

كذلك عبّرت الخارجية الفرنسية أكثر من مرة عن رغبتها في تطوير حوارها السياسي مع طهران، ما قد يشير إلى دور محوري شبه مستقل لأوروبا في المنطقة في هذا الملف على وجه الخصوص، وإن غلبت عليه لغة المصالح المشتركة، بحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

الملف الليبي

يعد الملف الليبي أحد أبرز الملفات التي تجسد قوة الدور الأوروبي ولا سيما الإيطالي في منطقة الشرق الأوسط. وإن تباينت مواقف بعد الدول الأوروبية حيال هذا الملف فهي تسير وفق براغماتية تخدم مصالح دول الاتحاد. هكذا برّر المحلل السياسي التونسي، صالح عطية، المتخصص في الشأن الليبي، تعدد السيناريوهات الأوروبية حيال الأزمة الليبية.

مسألتا وقف تدفق المهاجرين وضمان استمرار إمدادات النفط هما أبرز الملفات التي تتصدر أجندة أوروبا داخل ليبيا، ومن ثم تسعى الدول الأوروبية في المجمل إلى تحقيق مزيد من الاستقرار السياسي والأمني في شتى المناطق الليبية، بحسب عطية، وهو ما يفسر قلق الاتحاد الأوروبي من التقارب الروسي مع البرلمان التابع للجيش الذي يقوده خليفه حفتر في المنطقة الشرقية، خشية تكرار السيناريو السوري مرة أخرى.

وفي المقابل، يعاني الموقف الأمريكي حيال الأزمة الليبية من حالة تناقض تكشف التخبط الواضح في التعامل مع هذا الملف، فتدخل الأمريكيين كان له الأثر الأبرز في إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، وما ترتب عليه من تبني سياسة مؤيدة للحراك الشعبي أفضت إلى دعم حكومة الوفاق في المنطقة الغربية مطلع 2016.

إلا أنه في الوقت ذاته كانت واشنطن أحد الداعمين لجيش حفتر من خلال مشاركة السلاح الجوي الأمريكي في دعم تحركاته في المنطقة الشرقية، بحسب المحلل التونسي.

الأزمة السورية

المبالغة في تضخيم دلالات تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول أن "رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن سدة الحكم ليس أولوية، وأنه ليس عدواً لفرنسا" واعتبارها انقلاباً على السياسات التقليدية المتبعة في باريس، والتي كانت ترى في رحيل الأسد شرطاً لا يمكن التراجع عنه، حديث يفتقد إلى الموضوعية. هكذا قال نافعة مشيراً إلى أن ماكرون "ليس إيديولوجياً" ومن ثم لا يبنى مواقفه على فكر أو معتقد أو إيديولوجية سياسية.

الموقفان الفرنسي والألماني، فضلاً عن موقف المفوضية من الأزمة السورية، صارا تميلان إلى الدبلوماسية وعدم معارضة العمل مع موسكو وحلفاء النظام السوري وعلى رأسهم إيران.

ورغم أن الموقف الأوروبي يتباين أحياناً مع الموقف الأمريكي المتقلب تجاه مستقبل الأزمة السورية، ما بين الإبقاء على الأسد أو الإطاحة به، إلا أن المصلحة هي ما سيحدد بوصلة التوجهات، فالتطورات التي شهدتها الساحة السورية عقب التدخل الروسي وتكشف الأدوار التي كانت تقوم بها بعض القوى الإقليمية داخل سوريا أزاح الستار عن بعض الحقائق، ما دفع باريس وبرلين والمفوضية الأوروبية إلى إعادة النظر في مواقفها.

باتت مكافحة الإرهاب والتخلص من الفصائل المتطرفة التي تصدّر المقاتلين إلى أوروبا الهدف الأول أمام ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، فهذا الهدف مقدم على مصير الأسد، والتصدي لتمدد الإرهاب خارجياً هو الذي سيحدد مدى الاتفاق أو الاختلاف مع الموقف الأمريكي، كما يرى نافعة.

قزم سياسي ولكن...

دول الاتحاد الأوروبي، وإن نجحت في بناء كيان اقتصادي عملاق هو الأكبر في العالم، لكنها سياسياً ما زالت قريبة من "القزم السياسي" التابع لأمريكا، وبالتالي لا يمكن توقع بروز دور أوروبي في المنطقة العربية مغاير بصورة جذرية للدور الأمريكي، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري السابق.

ويشير بيومي إلى أن الأوروبيين متيقّنون من هذا جيداً، فحتى المشاكل الأوروبية كان العامل الحاسم في حلها هو الدور الأمريكي، كما هو الحال في حرب البلقان والخلاف اليوناني التركي، ومشكلة الأتراك واليونانيين.

وفي المقابل يرى نافعه أن الأمل في عودة الدور الأوروبي المنافس لأمريكا في المنطقة ليس مستحيلاً، إذ إن السياسة الخارجية الألمانية الأخيرة المناوئة لواشنطن في أكثر من موقف (سوريا - مصر - تونس - اليمن - إيران - الخليج - العراق) يمكنها أن تكون نواة لسياسات أوروبية جديدة في المنطقة شريطة توحيد المواقف وتعزيز الحضور الشرق أوسطي وفتح نوافذ جديدة على القوى ذات الثقل الدولي، وعلى رأسها روسيا والصين.

التعليقات

المقال التالي