سلطنة عمان وسياسة الحياد الإيجابي: خليجية متمايزة عن دول الخليج

سلطنة عمان وسياسة الحياد الإيجابي: خليجية متمايزة عن دول الخليج

بعد يومين من قطع دول خليجية وعربية علاقاتها مع قطر، قام الوزير العماني يوسف بن علوي بزيارة سريعة للكويت والتقى الأمير الكويتي الذي أعلن عن جهود يبذلها لتقريب وجهات النظر بغية الوصول إلى حلّ سريع.

كذلك زار وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مسقط والتقى يوسف بن علوي، في حين لم يصدر أي تعليق عن تدخل عماني لحل الأزمة الراهنة.

أثّرت الزيارات المكوكية للدبلوماسيين ووزراء الخارجية إلى الغرب والتعليقات الأوروبية والأمريكية حول قطع العلاقات مع قطر على مشاركة السلطنة في دور الوساطة بين أطراف النزاع، وإن كان لا يزال هناك احتمال وجود مفاوضات دبلوماسية في مسقط، تجري بشكل سريّ إلى حين موعد الإعلان عنها، كما جرى في مرات كثيرة سبقت.

سويسرا الشرق

يردد البعض بأنّ سلطنة عمان هي سويسرا الشرق ويعمد إلى القول إنّ مسقط تزاحم جنيف.

هذا الوصف ليس بسبب استحواذ السلطنة على بنوك عالمية وأرصدة أو احتياطات بالمليارات إنما لامتلاكها موقفها الحيادي الذي دأبت على انتهاجه وهو ما ميزها عن محيطها وامتدادها الخليجي.

الدبلوماسية العُمانية أضحت محطة واضحة للجميع، تعمل على مدّ الجسور بين الأطراف وتجمع ما بين التناقضات وترصّ صفوفها دائماً للبحث عن حلول على المستوى الإقليمي أو العالمي.

أقوال جاهزة

شارك غردبفضل سياستها الفريدة، تشكل عمان شريكاً إيجابياً ووسيطاً موثوقاً في أزمات المنطقة

شارك غردكيف تختلف سلطنة عمان عن دول الخليج في علاقاتها وسياساتها الدولية

عندما تلفظ اسم السلطنة بوجه أحدهم، إنْ امتلك معلومات بسيطة عن الدولة أو إنْ زارها من قبل، سيبادرك بالقول بأنها مختلفة، ليست كباقي دول الخليج. سيتم التطرق إلى الطبيعة الجميلة، والمواقع السياحية، وإلى شعبها، وخضار المدينة الجنوبية صلالة.

Bustan-palace

لا يحتاج المرء للكثير من الوقت في مسقط ليدرك بأن العمانيين شعب مضياف وهادىء، يميل للتواضع دائماً وبطبيعته يحبّ الجميع. ويبدو أنّ السياسة العمانية لا تختلف عن صفات شعبها، فهي هادئة ومحبّة للجميع.

Nakhalfarms

من النادر أن تتصدر عمان عناوين الصحافة العالمية، فهي لا تشابه جاراتها في السياسة، ومنذ سنة 1970، بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد، نجحت عمان بتحصين نفسها بعيداً عن التكتلات والمشاكل الإقليمية، ولم تشارك يوماً في عالم الأزمات والتسريبات والمواقف النارية.

خليجية متمايزة عن دول الخليج

يُعد التقارب العماني-الإيراني الموضوع الأكثر تعقيداً في الحديث عن السلوك السياسي للسلطنة التي تربطها علاقات ممتازة مع إيران بعكس معظم دول الخليج.

تعود العلاقة القوية إلى عهد الشاه عندما عمد إلى نشر قواته في محافظة ظفار بعد تمرد ماركسي ساهمت بدعمه دول أجنبية، وسعت السلطنة الى سحقه بالمساعدة الإيرانية.

إلّا أنّ هذا ليس السبب الوحيد للتقارب، فموقع عمان الجغرافي القريب من إيران عامل أساسي أيضاً. كما أنّ الدولتين تسيطران على معبر مضيق هرمز الذي يعد من أهم المعابر المائية في العالم، حيث يمرّ فيه أكثر من 40% من النفط الخام بالعالم.

الرابط الممتاز مع إيران لطالما أثار جدلاً واسعاً لدى دول الخليج، لكن في الوقت نفسه ساعد في أنْ تلعب عمان دور الوسيط في الملف النووي الإيراني الذي كان محطّ خلاف إيران مع الدول الغربية وأميركا بالدرجة الأولى.

منذ 2011 رعت السلطنة مفاوضات سرية بين أميركا وإيران التقى فيها المفاوضون الإيرانيون والأميركيون في مسقط برعاية مباشرة من السلطان قابوس أُعلن عن بعضها، لكن بقي الجزء الأكبر منها في طيّ الكتمان.

تمّ التوصل إلى الاتفاق النووي الشهير في جنيف بين دول 5+1 (أي مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا) والجمهورية الإسلامية الإيرانية في تشرين الثاني 2013، وقد بدا الدور العماني واضحاً في عملية الاتفاق.

وكنوع من الاعتراف بالجميل من قبل إيران، قام الرئيس روحاني بزيارة السلطنة في سنة 2014.

رفضت السلطنة الانضمام إلى التحالف العسكري بقيادة السعودية في حرب اليمن، وذهبت إلى أبعد من ذلك حيث طلبت من الولايات المتحدة حثّ السعودية فتح باب التفاوض، وهذا ما حصل بعد مدة.

وفي موقف مفاجئ، أعلنت السلطنة العمانية رفضها إنشاء تحالف خليجي وهددت بالانسحاب من دول مجلس التعاون الخليجي في حال تم تحويله إلى اتحاد.

ساهم موقف السلطنة من التحالف الخليجي وحرب اليمن بتعزيز الشكوك الخليجية حولها، وتعرضت لانتقاد في الصحافة الخليجية. إلّا أنّ السلطنة اعتبرت وقتها أن الموقف العماني هو تكملة لسياستها الخارجية التي عرفت بالحياد الدائم.

تاريخ من الحيادية

مبدأ الحياد وعدم التدخل ليس موضوعاً طارئاً على السياسة الخارجية العمانية، فلها باع طويل في هذا المضمار، والأمثلة كثيرة.

خلال حرب العراق وإيران سنة 1980، بقيت عمان على الحياد ورفضت استعمال أراضيها لقصف إيران. وبعد توقيع اتفاقية كامب-ديفيد بين إسرائيل وأنور السادات، كانت سلطنة عمان الدولة العربية الوحيدة التي لم تقطع علاقتها مع مصر، دون أن يؤثر ذلك على علاقتها بالدول العربية الأخرى.

ومع بدء تكشف ارتدادات الثورة السورية 2011 وبعد أن قامت معظم الدول العربية بقطع العلاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد، أبقت سلطنة عمان على العلاقات الجيدة مع النظام السوري واستقبلت وزير خارجيته وليد المعلم، ولكنها في نفس الوقت لم تتردد في استقبال المعارض خالد خوجة.

إلى جانب الدور الأبرز التي قامت به سلطنة عمان في السنوات الأخيرة والذي تمخض عنه الاتفاق النووي الإيراني–الغربي، ساهمت عمان بالتدخل الإيجابي في الكثير من قضايا المنطقة، ما بين سوريا واليمن وليبيا، فكانت طرفاً حيادياً لا شريك في المشكلة.

خلال الأزمة اليمنية حاولت عمان أقصى جهودها لتجنب التصعيد اللفظي، وواصلت في الوقت نفسه مسعاها لتحرير رهائن سعوديين من قبضة الحوثيين، وساهمت كذلك سنة 2015 بتحرير عدد من الرهائن الغربيين.

إنّ معرفة عمان الدقيقة بالساحة السياسية اليمنية وصلاتها بالقبائل– ومن بينها قبائل منخرطة في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب– يدفع الولايات المتحدة للإصغاء إليها، وقد يفسر ذلك قبول الولايات المتحدة بأن توقف ضربات الطائرات بدون طيار في اليمن، التي كانت تشنها من قواعدها في عمان.

في بداية سنة 2016، بدأت السلطنة بوساطة جدية لحل الأزمة الليبية وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين. وعلى مدى ثلاثة أسابيع استقبلت صلالة الأطراف الليبية وتم التوصل إلى مسودة دستور ليبي، وقالت الخارجية العمانية وقتها إنّ مجرد اجتماع الأطراف المتنازعة هو أمر إيجابي.

قليلة هي إطلالات الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية العمانية يوسف بن علوي، ولكنها دائماً إشارة للملفات التي تهتمّ بها السلطنة وتأكيد على نهجها الدبلوماسي.

ففي مقابلة مع قناة CNN الأمريكية سنة 2015، لخّص بن علوي سياسية بلاده الخارجية في قوله: "نحن لا ننحاز لهذا الجانب أو ذاك، بل نحاول أن ننقل لكلا الطرفين ما نعتقد أنه جيد لكليهما".

فارس الحلبي

مدون، كاتب ومختص بالحملات الإعلامية

التعليقات

المقال التالي