مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف... هل يتم إعلان وفاة الأزهر قريباً؟

مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف... هل يتم إعلان وفاة الأزهر قريباً؟

عقب التفجيرات الدامية التي طالت كنيستين بمدينتي طنطا والإسكندرية، تجددت الهجمات الإعلامية على الأزهر وشيخه أحمد الطيب، وترددت معها اتهامات للمؤسسة الدينية الرسمية في مصر، بدعم الإرهاب والتطرف، ورفض الاستجابة لرغبات مؤسسة الرئاسة في تجديد الخطاب الديني.

واعتبر إعلاميون موالون للنظام المصري أن إعلان الرئيس السيسي تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، مع الحديث عن إيكال مهمة تجديد الفكر الديني إليه، هو بمثابة إعلان وفاة الأزهر الذي تمثل مناهجه، برأي هؤلاء، منبع الأفكار التي يؤمن بها تنظيم داعش وتدفعه إلى ارتكاب جرائمه.

وتواكب ذلك مع عزم أحد نواب البرلمان المصري تقديم مشروع لتعديل قانون الأزهر، ما أثار الكثير من التساؤلات حول مصير ومستقبل أكبر مؤسسة ومرجعية دينية سنية في مصر والعالم الإسلامي.

فهل تعكس الهجمات الإعلامية التي تستهدف الأزهر صراعاً بينه وبين النظام الحاكم أم تعبر عن حقيقة سلبيات تكتنف أداء الأزهر؟ وهل ترتبط تلك الهجمات مع إجراءات رسمية متعددة لتهميش الأزهر وإحكام سيطرة السلطة عليه؟ وهل الأزهر قادر على الاستجابة لمتطلبات التحديث وتحديات العصر أم أنه لا يستطيع تجاوز الجمود؟

صراع الرئاسة والمشيخة ومخاوف من التهميش

"الصراع بين الأزهر والرئاسة مجرد دعاية كاذبة وشائعات غير صحيحة". بهذه الكلمات ينفي لرصيف22 الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء، وجود صراع بين الرئاسة والأزهر، مؤكداً عدم التعارض بين الأزهر والمجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، نافياً ما يشاع عن تهميش المجلس الجديد لدور الأزهر، ومؤكداً أن جميع مؤسسات الدولة تعمل على دفع الإرهاب ودحره، وأن الدين والدولة وجهان لعملة واحدة ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

كما تنفي لرصيف22 الدكتورة آمنة نصير، عضو مجلس النواب وأستاذ الفلسفة الإسلامية والعميد الأسبق لكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة الأزهر، وجود صراع بين الرئاسة والأزهر، مؤكدة أن مقولة الرئيس السيسي الشهيرة لشيخ الأزهر "تعبتني معاك يا مولانا" كانت مداعبة لطيفة ونوعاً من المزاح.

وبرأي نصير: "المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف لن يهمش دور الأزهر مطلقاً، لكن الأزهر عليه أن يصلح التعليم في معاهده الدينية ويقوم بغربلة مناهجه وتلك مسؤوليته منفرداً، أما المواجهة الشاملة مع الإرهاب فتحتاج لتكاتف جميع مؤسسات الدولة".

في المقابل، يقول الكاتب والمحلل السياسي أسامة الهتيمي لرصيف22 إنه رغم دور الأزهر وشيخه أحمد الطيب في عملية إزاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي عن الحكم إلا أنه سرعان ما بدأت تتوتر الأجواء في العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة التنفيذية، عقب البيان الذي أصدره الطيب وبرأ فيه نفسه والأزهر من أحداث ميداني رابعة والنهضة 2013، إضافة إلى العديد من الوقائع التي زادت هذا التوتر، ومنها موقف الأزهر من دعوة رفض الطلاق الشفوي التي أطلقها السيسي وعدم استجابته لدعوات تجديد الخطاب الديني ورفض فصل نحو 100 من أساتذة جامعة الأزهر ممن اتهمتهم الأجهزة الأمنية بأنهم من الإخوان المسلمين.

غير أن الهتيمي يرى أن المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب لا علاقة له بدور الأزهر، رافضاً ما يروجه الإعلام المصري من تهميش المجلس الجديد لدور الأزهر، مشيراً إلى أن الأزهر ليس هيئة أمنية مخولة مكافحة الإرهاب، بل دوره دعوي، لافتاً إلى أن بعض الإعلاميين يحاول القيام بهذا الربط التعسفي للإشارة إلى أن الأزهر انتهى، وأن هذا المجلس سيجور على الأزهر، وهذا غير صحيح، فلا يستطيع أحد أن يفرض على الأزهر شيئاً أو ينتقص من مهماته الدعوية.

ويؤكد الهتيمي: "استمرار الحرب بين السلطة التنفيذية والأزهر سيكون له تداعيات خطيرة تنال من النظام، لأن الأزاهرة لا يزالون هم الموجّه الرئيس للجماهير في المساجد والمحافل الدينية.

وتوقع الهتيمي أن تظل المعركة التي تستهدف الأزهر لفترة في محاولة لإضعافه، غير أن هذه الحرب لن يكون بمقدورها تهميش دوره، مذكراً بأنه لطالما تعرض الأزهر لمثل هذه المعارك، ومع ذلك بقي له دوره وتأثيره في مجريات المشهد السياسي.

فيما يتوقع الباحث في الشؤون الإسلامية حسين القاضي أن تكون الأيام المقبلة من أصعب الفترات التي يمر بها الأزهر في تاريخه.

وأوضح القاضي لرصيف22 أن الرئاسة استشعرت هدا الخطر الشديد في جمود الأزهر، ولذلك وجه الرئيس عدة انتقادات مباشرة وغير مباشرة للمشيخة دون أن يجد صدى، وكانت مظاهر التراخي الذي تعانيه المشيخة تتمثل في تأجيل إطلاق قناة الأزهر لموجهة فضائيات الإخوان، ووقف اختراق المشيخة من قبل الإخوان والسلفيين.

وكشف القاضي أن الرئاسة اتخذت عدة خطوات وحذرت المشيخة سراً وعلناً، ودعت الرئاسة مستشارها الديني الدكتور أسامة الأزهري الذي عهدت إليه مهمة مواجهة التيارات الإسلامية، لخطبة الجمعة بديلاً عن قيادات المشيخة، فما كان من المشيخة إلا أن دخلت في صراع مع الرئاسة، آخر فصوله القرار بمنع مستشار الرئيس من دخول جامعة الأزهر لإلقاء محاضرات للطلاب هناك.

وبرأي القاضي، فإن قرار تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب يمثل ضربة قاسمة وتهميشاً لمشيخة الأزهر المخترقة من تيارات الإسلام السياسي، وتكوين هذا المجلس يعني أن الرئاسة تجاوزت الاعتماد على المشيخة في قضية تجديد الخطاب الديني.

أقوال جاهزة

شارك غردخطوة حقيقية في تجديد الخطاب الديني وإنقاذ الأزهر أم مجرد حلقة أخرى في صراعة السلطة مع المؤسسة الدينية؟

ما وراء الهجمات الإعلامية

يصف واصل الهجمات الإعلامية المضادة للأزهر واتهامه بدعم الإرهاب ورفض تجديد الخطاب الديني، بأنها تنفذ أجندات خارجية للتقليل من دور الأزهر، وذلك لإشاعة الفوضى وإشعال الصراعات في مصر لتسير على نموذج العراق وسوريا وليبيا.

"الأزهر صمام أمان لمصر وللعالم كله ضد الإرهاب والفساد، وهو المؤسسة الدينية الوسطية التي تنشر الأمن والسلام بعيداً عن الغلو والتشدد، ومنهجه وسطي" يقول واصل، نافياً أية صلة للأزهر بالإرهاب، ومؤكداً أن الإرهاب اختراق خارجي، ومرجعاً تنامي الإرهاب إلى عدم الالتفات لدعوات الأزهر والأمية الدينية والثقافية.

وترجع الدكتورة نصير الهجمات الإعلامية على الأزهر إلى وجود خلافات حول الدور المأمول منه في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الإرهاب وتحديث مناهجه لتواكب متطلبات العصر، وتضيف" "الأزهر قلعة عتيدة وتاريخه جزء من تاريخ مصر، ولا نستطيع في غضبة هدمه أو إلغاءه، فالأزهر مرجعية دينية ولا تستطيع دولة أن تعيش دون مرجعية، وتاريخ الأزهر ودوره المرجعي لن يستطيع أحد تهميشهما أو التقليل منهما".

بينما يرى الهتيمي أن هناك بالفعل حالة من التوتر بين السلطة والأزهر ربما هي التي دفعت النظام السياسي إلى أن يستغل الأجواء الغاضبة إثر حادثتي تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية لتصفية الحسابات مع هذه المؤسسة، ومن ثم تحميلها جزءاً كبيراً من المسؤولية بذريعة أن الخطاب الديني يحتاج إلى تجديد على الرغم من أن الجميع يدرك جيداً الدور الذي يلعبه الأزهر في نشر الوسطية والاعتدال وأن المؤسسة برمتها لا تحظى بقبول الجماعات الجهادية.

فيما يقول القاضي أن مناهج الأزهر لا تدعو إلى العنف ولا التطرف، كما يقول غلاة العلمانيين، ولكن الأزهر لا يبذل أي جهود في مواجهة التطرف، لذا لم يجد الشباب مَن ينقذهم والمشيخة مشغولة عنهم.

تعديل قانون الأزهر... خيار السيطرة

تنفي نصير عزم البرلمان تعديل قانون الأزهر، مؤكدة أن الأزهر كفيل بإصلاح شأنه عندما تتوافر الإرادة، وفق مقتضيات ومستجدات العصر، ومشددة على أن التدخل في شؤون الأزهر وفرض أمور عليه يمثل خطأً كبيراً.

وأكدت نصير أن مشروع القانون المقدم من النائب محمد أبو حامد بشان الأزهر لن يناقشه البرلمان.

وبرأي الهتيمي، فإن مواقف الأزهر أثارت استياء النظام السياسي الذي ربما وصل إلى ذروته عندما قامت مجلة الأزهر منذ شهرين بتوزيع كتاب حول الطلاق الشفوي ما اعتبره الكثيرون من المراقبين رداً قوياً وصارماً على دعوة السيسي، الأمر الذي دفع النظام لأن يوعز لأحد البرلمانيين بطرح مشروع قانون جديد خاص بالأزهر ليكون بكل تأكيد محاولة تستهدف الحد من دور علماء الأزهر وهيئة كبار علمائه ومنح السلطة التنفيذية مساحة للتدخل في اختيار قياداته.

ويرى القاضي أن مشروع قانون أبو حامد يعبّر عن حالة الجمود التي أصابت المشيخة، وحالة التكاسل التي أصابت اللجنة الدينية في البرلمان مما جعل أبو حامد يتخطاهم ويقدم مشروع قانون، بعض مواده قابلة للمناقشة، و"بعضها أقرب للتخريف"، غير أن القاضي يصف هذا المشروع بأنه مجرد "هوجة إعلامية".

متطلبات التجديد

برأي المفتي الأسبق، فإن الفقه الديني في الأزهر متجدد بطبيعته، لكن كل قاعدة لها شواذ على حد قوله، معتبراً أن الأزهر يواكب العصر وتحدياته ومستجداته وتخضع مناهجه كل وقت للتجديد، وسيبقى له دائماً دور كبير لصالح الإسلام والسلام العالمي.

فيما ترى البرلمانية الأزهرية أن الأزهر لا يرفض مطالب التجديد والتحديث ولكنه يحتاج إلى وقت لغربلة وتنقية كثير من المناهج، وهذا التجديد برأيها يجب أن يراعي عدم القطيعة مع التراث والاستجابة لمستجدات العصر. وتوضح: "بعض النصوص التراثية ظهرت في ظروف تاريخية معيّنة ولم تعد تناسب العصر الحالي، لا يجب تعليم طلاب الأزهر كل كبيرة وصغيرة في كتب التراث وإنما انتقاء ما يتواكب مع مستجدات الحياة".

لكن نصير تشدد على ضرورة تجديد وتحديث مناهج الأزهر بحكمة شديدة، لأن أساتذة المؤسسة الدينية شبوا على هذه المناهج ومن الصعب عليهم تقبل تعديلها. وتتخوف من أن تدفع الضغوط المتواصلة على الأزهر إلى دخوله في طور العناد وهو أمر، برأيها، ليس في صالح المؤسسة الدينية ولا المجتمع.

وبرأي الهتيمي: "الأزهر يفرق بين مفهوم تجديد الخطاب الديني ونشر قيم التسامح والتعايش مع الآخر وبين التفريط في ثوابت لا يمكن أن يتنازل عنها وليست رهناً بتوجيهات سياسية"، مبيناً أن الحديث المتكرر عن مناهج الأزهر أصبح حديثاً غير مقبول لدى مشايخ الأزهر إذ يدركون أن رافعي هذه الدعوة لا يستهدفون سوى إنكار الكثير من ثوابت الدين وقيمه وغض الطرف عن التراث الذي هو جزء من تكوين وتثقيف طلاب الأزهر.

من جهته يعتبر القاضي أن التراث الذي يدرس في الأزهر يجب تنقيته ليتوافق مع العصر، ويرى أن مشيخة الأزهر تلفظ أنفاسها ولن يكون لها دور في المرحلة المقبلة لأن الزمن بدأ يتخطى الإمام ومجموعته المحيطة التي سببت له بالغ الإحراج. وبرأيه: "سيمثل تأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب أول خطوة حقيقية في تجديد الخطاب الديني وإنقاذ الأزهر من المشيخة حفاظاً على الأزهر والدولة".

كلمات مفتاحية
الأزهر مصر

التعليقات

المقال التالي