مشروع قانون للإطاحة بصاحب حكم بطلان التنازل عن "تيران وصنافير"؟

مشروع قانون للإطاحة بصاحب حكم بطلان التنازل عن "تيران وصنافير"؟

أثارت موافقة مجلس النواب المصري على مشروع القانون المقدم من النائب أحمد حلمي الشريف، لتعديل قانون السلطة القضائية، غضباً واسعاً في الأوساط القضائية والسياسية، واعتبره العديد من القضاة والحقوقيين تعدّياً تاريخياً وخطيراً، هو الأول من نوعه الذي يهدم مبدأ الفصل بين السلطات من جذوره.

"بالون اختبار"

بداية الأمر كانت في ديسمبر الماضي حينما تقدم النائب المصري أحمد الشريف بمقترح مشروع قانون لإجراء بعض التعديلات على قانون السلطة القضائية بما يتيح لرئيس الجمهورية اختيار رؤساء الهيئات القضائية من بين أقدم ثلاثة نواب يرشحهم المجلس الأعلى للهيئة القضائية.

وواجهت التعديلات المقترحة حينها هجوماً عنيفاً من قبل القضاة والأوساط السياسية والحقوقية، فالقانون يهدم مبدأ الأقدمية من ناحية، ومن ناحية أخرى يسمح لرئيس الجمهورية، بصفته رئيس السلطة التنفيذية، بالتدخل في شؤون السلطة القضائية، وهو ما ينسف المبدأ الدستوري الراسخ بالفصل بين السلطات.

كانت تلك التعديلات مجرد "بالون اختبار" لموقف القضاة. وبعد مواجهة كم هائل من الاعتراض والغضب، تم وضع مشروع القانون في "ثلاجة" مجلس النواب، ليظهر إلى النور منذ ثلاثة أيام بعد الرفض العلني لمجلس الدولة المصري لتلك التعديلات.

وجاء ذلك بعد يوم من إظهار نادي قضاة مصر لمقترح مشروع قانون ينوي تقديمه لمجلس النواب لتلافي تلك التعديلات الخلافية ويضمن استقلال السلطة القضائية في الوقت ذاته.

وأكد نادي القضاة في بيان "أن استقلال السلطة القضائية التي تقف على قدم المساواة مع السلطة التشريعية والتنفيذية، لا يجوز الانتقاص منه كلية عن طريق التشريع".

ورفضت في الوقت ذاته هيئة النيابة الإدارية التعديلات المقترحة، في خطاب رسمي موجه إلى مجلس النواب، فيما قال الدكتور علي عبد العال، رئيس المجلس، في تصريحات إعلامية إنه لم يتلقَّ رداً من الهيئات القضائية حول المشروع مما حداه على إقراره لأن رأي تلك الجهات هو استشاري وغير ملزم للبرلمان طبقا للدستور.

يقول مصدر قضائي رفيع المستوى بمجلس الدولة المصري إن الأوساط القضائية توقعت أن تكون تلك التعديلات عبارة عن "بالون اختبار" لقياس مدى ردود الفعل ومحاولة تهدئتها واحتوائها، لكننا فوجئنا بـ"الإجراءات العقابية" بدلاً من "الاحتواء"، فالتعديل الأخير رتّب على عدم ترشيح ثلاثة أسماء وإرسالها إلى رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة رئيس الهيئة القضائية الحالي بـ60 يوماً، بل منح رئيس الجمهورية حرية اختيار رئيس المجلس من بين أقدم سبعة نواب فيها وهو إجراء عقابي في جوهره ومضمونه.

ويضيف المصدر الذي تحفظ على نشر اسمه، أن الأقاويل تتداول بمجلس الدولة حول أن المستهدف من تلك التعديلات هو المستشار "يحيى الدكروري" أقدم النواب، الذي يفترض أن يتولى رئاسة المجلس وفقاً لقاعدة الأقدمية المطلقة، إلا أن التعديلات الحالية تتيح إمكانية الإطاحة به بسهولة كبيرة تحت غطاء قانوني.

ويؤكد المصدر أن سبب انتشار تلك الأحاديث حول استهداف "الدكروري" هو أنه صاحب حكم بطلان التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير" للمملكة العربية السعودية، وهو ما أوقع النظام المصري في حرج بالغ مع السعودية، وأدى تطور الأمر إلى إيقاف الأخيرة شحنة المواد البترولية المقدمة إلى مصر عبر شركة "أرامكو" السعودية، وأنذر ذلك بشقاق خطير مع المملكة بعد هذا الحكم الذي أزعج السلطات المصرية كثيراً، خاصة بعد تأييده نهائياً من المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة.

أقوال جاهزة

شارك غردتفصيل القوانين... أسلوب السلطة المفضل للإطاحة بالمعارضين

شارك غردالسلطة المصرية تسير نحو هدم مبدأ الفصل بين السلطات. مشروع تعديل قانون السلطة القضائية سابقة خطيرة بحسب حقوقيين

"غضب في أروقة القضاء"

المستشار عبد الله قنديل رئيس نادي النيابة الإدارية، يؤكد لرصيف22 أن على جميع أعضاء النيابة رفض مشروع القانون بتعديلاته الأخيرة لأنه يناقض الدستور بفجاجة فضلاً عن أنه يمس مساساً خطيراً باستقلال القضاء ويهدر مبدأ الفصل بين السلطات وهو أساس الحكم في الدولة.

وأشار إلى أن نصوص الدستور تؤكد على حق الهيئات القضائية في إبداء رأيها بشأن مشاريع القوانين التي تخص عملها، وهذا الحق فلسفته هي الحفاظ على السلم الاجتماعي للقضاة، إذ أن مبدأ الاختيار بحسب الأقدمية المطلقة يحول دون سعي بعض القضاة إلى محاولة إرضاء السلطة التنفيذية وإرضاء الجهات الأمنية التي تتدخل في قرارات التعيين من خلال التقارير التي ترفع للرئيس عن شخض القاضي المُعين، وغير ذلك يفتح الباب واسعاً للتداخل بين الأعمال القضائية والسياسية.

"كأنه أمرٌ دُبر بليلٍ"

من جانبه أكد المستشار أحمد الشافعي رئيس محكمة جنايات كفر الشيخ أن مضمون هذا القانون "يُعد تغولاً شديداً من جانب السلطة التشريعية على السلطة القضائية"، واعتبر أن عدم أخذ رأي الجهات القضائية في مشروع القانون والتعجل بإصداره يفتحان باب التساؤلات واسعاً حول الهدف منه في هذا التوقيت خاصة أنه يفتح جبهة صراع واسعة مع جموع القضاة المصريين.

وأبدى الشافعي انزعاجه الشديد من حالة "اللهث والمباغتة" لإصدار القانون "كأنه أمر دُبر بليلٍ"، بحسب تعبيره، لأن القانون قد وافقت عليه اللجنة التشريعية بمجلس النواب بسرعة شديدة في جلسة مسائية دون أي سابق إنذار أو اعتبار لرأى القضاة.

"تقليم أظافر القضاة"

يطرح الباحث الحقوقي مصطفى شعث رؤية أوسع حول التعديلات الأخيرة المثيرة للجدل، ويرى أنها واجهة لخلاف سياسي أكبر بين القيادة السياسية والمؤسسة القضائية، مستبعداً أن يكون الهدف من القانون هو استهداف أشخاص بعينهم، فهو يتجاوز هذا بكثير برأيه، ويتساءل "ماذا عن النيابة الإدارية ومجلس القضاء الأعلى وهيئة قضايا الدولة الذين تسري عليهم نفس التعديلات؟".

ويضيف الباحث بوحدة القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن القانون يمكن أن يوظف لتحجيم الصراع الدائر بين الدولة ومجلس الدولة، وتقليم الأظافر السياسية للأخير باعتباره المعرقل القضائي الأول والأخير لقراراتها التنفيذية.

ويشير في الوقت ذاته إلى أن الصراع الحالي يتميز بالعلنية كما يتبين من ردود أفعال القضاة، والرفض الشامل والمعلن للقانون، فالاعتراض لم يتم في مراسلات رسمية سرية لكنه يحدث بشكل علني، كما دعا مجلس الدولة إلى عقد جمعية عمومية طارئة له لإيصال رسالة للدولة بأن هناك حدوداً للخلاف ولا يجوز تعديها بحال من الأحوال.

ويلفت شعث النظر إلى أن تمرير القانون يعتبر رسالة أيضاً من القيادة السياسية، عن طريق الأعضاء الموالين لها في تحالف دعم مصر، للقضاة، بأن الدولة ستمضي قدماً في تقليص الامتيازات السياسية التي أتيحت لهم بعد 30 يونيو، وتحجيم دورهم السياسي، خاصة أن الجهات القضائية أصبحت هي المسيطر الحالي على النقاش العام، بعد تجفيف السياسة بشكل شبه كامل في البلاد.

ويوضح لرصيف22 أن كل الحملات الحكومية المنادية بالتقشف، والتي تعمل على تقليص ميزانيات المؤسسات والوزارات بالدولة لم تمس ميزانيات القضاء وأن مرتبات القضاة لم تتغير ولم تدخل حيز التقشف، وهو ما يزيد حاجة الدولة إلى إحكام قبضتها على القضاء حتى تستطيع احتواءه والسيطرة عليه بشكل أكبر.

"رفض برلماني"

النائب هيثم الحريري أوضح أن القانون تمت إحالته في عجلة شديدة إلى الجلسة العامة للبرلمان، وجرت الموافقة عليه، وأضاف أثناء جلسة انعقاد المجلس أن تلك التعديلات لم ترسل للقضاة من الأساس للتباحث حولها، بالرغم من إلزام الدستور، وهو ما عرضه للإحالة إلى لجنة القيم من قبل رئيس مجلس النواب.

فيما اعترض النائب علاء عبد المنعم على القانون، واصفاً إياه بـ"غير الدستوري" لأن البرلمان لم يراعِ توصيات الهيئات القضائية التي ألزم الدستور أخذ رأيها، مؤكداً أن أي طعن سيقدم ضد القانون أمام المحاكم الدستورية سيؤدي إلى بطلانه، لمخالفته نص المادة 185 من الدستور.

ووفقاً لمراقبين، لا يبتعد هذا كثيراً عن القانون الذي أصدره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في عام 2015 وخوّله الحق في إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، بعد أن كانوا محميين بالدستور، وهو ما تسبب في الإطاحة بهشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في الواقعة الشهيرة بتصريحات "حجم الفساد في مصر".

أحمد الجمل

صحافي مصري متخصص في الشأن القضائي ومهتم بالأدب وقضايا التجديد الديني، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان "موتٌ أرقُّ".

كلمات مفتاحية
السعودية مصر

التعليقات

المقال التالي