الأزهر والدولة المصرية... تاريخ يتفاوت ما بين التبعية والصدام

الأزهر والدولة المصرية... تاريخ يتفاوت ما بين التبعية والصدام

لا صوت الآن في مصر يعلو فوق صوت أصداء المعركة الدائرة ما بين الدولة ممثلةً في رئيسها وأجهزتها الرسمية من جهة، والأزهر ممثلاً في شيخه الأكبر وهيئة كبار العلماء من جهة أخرى.

العلاقة بين الدولة والأزهر مرت بالكثير من المنعطفات المهمة طوال تاريخ مصر الحديث، فبينما سعت السلطة دوماً إلى تحييد دور المؤسسة الدينية ووضعها تحت نطاق سيطرتها المطلقة، فإن العديد من رموز تلك المؤسسة أعلنوا مراراً تمسكهم باستقلالهم ورفضهم تبعية الدولة وهيمنتها.

كانت أهم النقاط التي أثارت الخلاف بين الجانبين تنحصر في مسألة كيفية اختيار وتعيين شيخ الأزهر، وقضية أراضي وأملاك الأوقاف الإسلامية، إذ أدعى كل منهما أحقيته في التصرف في ذلك المورد المالي الضخم الذي يضمن لصاحبه صلاحيات هائلة ونفوذاً كبيراً.

وقعت خلافات كثيرة بين الدولة والأزهر في تاريخ مصر الحديث والمعاصر، سنستعرض أبرزها بدءاً من زمن وصول الحملة الفرنسية إلى مصر إلى اللحظة الراهنة.

الحملة الفرنسية: بداية تدخل الأزهر في السياسة

التفت نابليون بونابرت، قائد الحملة الفرنسية على مصر مبكراً إلى مكانة الدين الإسلامي المهمة في بلاد المشرق، وإلى تأثير شيوخ الأزهر على المصريين، لذلك سعى إلى استمالتهم لصفه، فأسس "ديوان القاهرة" الذي عيّن فيه عدداً من كبار شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ عبد الله الشرقاوي.

من جانبهم، ارتضى كبار الأزاهرة التعاون مع المحتل الفرنسي بغية تخفيف وطأة الاحتلال، وساعدهم على ذلك إعلان نابليون عن احترامه للدين الإسلامي وما أشيع عن اعتناقه للإسلام وحضوره المتكرر لحفلات ومجالس الصوفية.

ومن المواقف التي حفظتها لنا المصادر التاريخية حول العلاقة بين الفرنسيين وشيوخ الأزهر في ذلك الوقت، أن شيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي قد تغيّر مزاجه عندما أراد نابليون أن يضع شارة الثورة الفرنسية فوق كتفه، في اجتماع له مع عدد من المشايخ، فقام الشيخ بنزع تلك الشارة وألقاها على الأرض وتلاسن مع المترجم الفرنسي. وتروي هذه الرواية مصادر عدة منها محمد جلال كشك في كتابه "ودخلت الخيل الأزهر".

أقوال جاهزة

شارك غردتعرّفوا على أبرز الخلافات التي وقعت بين الدولة والأزهر منذ زمن وصول الحملة الفرنسية على مصر إلى اليوم

لم تبق تلك العلاقة الهادئة أكثر من بضعة أشهر، إذ شارك العديد من علماء الأزهر في ثورة القاهرة الأولى التي اندلعت في 20 أكتوبر 1798، وقتل عدد كبير منهم بمدافع وبنادق الفرنسيين التي لم تفرق بين الأزهريين وبين غيرهم. كما اقتحم الفرنسيون الجامع الأزهر بخيولهم، واقتيد عدد من مشايخه إلى محاكمات عسكرية سريعة، وصدرت الأحكام بإعدام ستة منهم، فضربت أعناقهم ثم دُفنت جثامينهم في مكان غير معلوم.

ورغم فشل الثورة، فقد استمر الأزهر في معارضته للفرنسيين، فشارك شيوخه في ثورة القاهرة الثانية، كما قام أحد طلبته، وهو سليمان الحلبي بعد ذلك، باغتيال الجنرال جان باتيست كليبر خليفة بونابرت على مصر.

عصر محمد علي وخلفاؤه: تراجع دور الأزهر السياسي

كان لشيوخ الأزهر دور كبير في تنصيب محمد علي والياً على مصر، فعلماء الأزهر المنتشون بدورهم السياسي الكبير في زمن الحقبة الفرنسية، شاركوا بقوة في الثورة والاحتجاج على الوالي العثماني أحمد خورشيد باشا، وطالبوا الباب العالي بتعيين محمد علي بديلاً عنه.

ولكن بمجرد وصول الداهية الألباني محمد علي إلى كرسي الولاية، أزاح هؤلاء العلماء جانباً، حتى يخلو له حكم الأراضي المصرية، فعمل على ضربهم بعضهم ببعض، ونسج خيوط مؤامرة لنفي السيد عمر مكرم نقيب الأشراف الأزهري إلى دمياط، وجرده من ألقابه ومناصبه، ومن المؤسف أن عدداً من كبار العلماء قد اشتركوا في تلك المؤامرة مثل الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ محمد السادات.

ثم وجه محمد علي ضربته الكبرى للأزهر ونفوذه عندما وضع يده على أملاك الأوقاف، ووضع يده كذلك على كل الأراضي الزراعية في القطر المصري، وأصبح بذلك مالك كل شيء في مصر.

في عهد خلفاء محمد علي الأوائل، اعتاد رجالات الأزهر على مسايرة الحكام والتوافق معهم، خوفاً من أن يتم تجريدهم من البقية الباقية من نفوذهم الروحي في البلاد، ولكن ذلك لم يمنع من حدوث بعض الخلافات والمصادمات التي انتشرت وذاعت في كتابات المؤرخين.

ففي 1881، ظهر دور الأزهر على الساحة السياسية مرة أخرى، بعدما شارك العديد من علمائه وشيوخه في دعم وتأييد الثورة العرابية ضد الخديوي توفيق.

فرغم أن شيخ الأزهر وقتها، محمد العباسي المهدي، كان قد جاهر بمعاداته للنظام الدستوري الذي طالب أحمد عرابي بتطبيقه من جهة، وأعلن موالاته للسلطة الحاكمة دون النظر إلى مصالح الشعب المصري من جهة أخرى، إلا أن معظم طلبة العلم وعدداً من كبار المشايخ الأزهريين من أمثال محمد عبده، وأحمد عبد الغني، وعلي المليجي، ومحمود إبراهيم وقفوا في صف الجيش وعرابي.

وعندما تطور الموقف في يوليو 1882، بإصدار مرسوم من الخديوي يقضي بعزل عرابي من قيادة الجيش وعزل وكبار قادة الجيش الموالين له، اجتمعت الجمعية الوطنية في مؤتمر حاشد، وكان من بين الحاضرين شيخ الأزهر الجديد محمد الإنبابي ومفتي المذهب الحنفي محمد مهدي ونقيب الأشراف عبد الباقي البكري، وكوكبة من علماء الأزهر، واختتم اللقاء بفتوى العلماء حسن العدوى ومحمد عليش ومحمد أبو العلا الحلفاوي التي تضمنت عزل توفيق، وعدم شرعية ما يصدره من أوامر وإبطال سريانها في البلاد.

وقد ورد في تلك الفتوى ما نصه: "الخديوي توفيق قد مرق من الدين مروق السهم من الرمية لخيانته لدينه ووطنه وانحيازه لعدو بلاده".

وقد وقع على هذه الفتوى جمع كبير من كبار علماء الأزهر، وأدت إلى تماسك الأهالي خلف عرابي في ذلك الوقت العصيب.

في عهد الملك فؤاد حدثت بضعة صدامات بين الدولة وشيخ الأزهر محمد الجيزاوي، وذلك بسبب معارضة الأخير لنية الأول إعلان نفسه خليفة للمسلمين بعد الغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة العثمانية في إسطنبول، إذ رأى الجيزاوي أن مصر لا تصلح أن تكون مقراً للخلافة الإسلامية لكونها واقعة تحت الاحتلال الإنجليزي.

الشيخ الجيزاوي أيضاً كان له موقف سياسي شهير ومثير للجدل إبان أحداث ثورة 1919، وذلك عندما اشترك مع عدد من كبار العلماء ورموز المجتمع في التوقيع على بيان يدعو جموع الشعب المصري للهدوء والسكينة. ويذكر عبد الرحمن الرافعي في كتابه تاريخ مصر القومي أن ذلك البيان قد كُتب بناء على طلب من الجنرال اللنبي قائد قوات الاحتلال.

أحد الخلافات المشهورة الأخرى ما بين الدولة والأزهر، حدث عندما طلب الملك فاروق من شيخ الأزهر محمد المراغي، أن يستصدر فتوى تحرم زواج طليقته فريدة من أي شخص آخر، وهو الأمر الذي رفضه المراغي رفضاً قاطعاً، فقال لفاروق: "تزوجت أم لم تتزوج هي صاحبة الشأن في ذلك"، ما تسبب في غضب فاروق من الشيخ، حتى قيل إنه لم يتمالك نفسه، فألقى الشيخ بـ"طفاية سجائر" أصابت وجهه، ثم انتقل إلى المستشفى وتوفي بعد ذلك بعدة أيام.

العصر الجمهوري: الأزهر يفقد البقية الباقية من نفوذه

مع نجاح ثورة الضباط الأحرار عام 1952، عمل جمال عبد الناصر على تأميم جميع المصالح الإقطاعية لتكون خاضعة للدولة. وتماشياً مع ذلك الاتجاه قام الضباط الأحرار بإصدار مرسوم بقانون رقم 180 لعام 1952 ألغى الوقف الأهلي الذي كان تابعاً للأزهر حينذاك، ونقل الإشراف عليه إلى وزارة جديدة عرفت بوزارة الأوقاف.

وبعد فترة قصيرة، تم توجيه ضربة أخرى للأزهر بعد إلغاء المحاكم الشرعية عام 1955. وفي عام 1961، تم توجيه الضربة القاضية، عندما تم إصدار قانون تنظيم الأزهر، والذي بموجبه أضحى تعيين شيخ الأزهر ووكيليه ورئيس جامعة الأزهر وكبار قيادات مجمع البحوث الإسلامية حقاً مقصوراً على رئيس الجمهورية فقط دون مشاورة مع كبار العلماء والمشايخ كما كان الحال من قبل.

وفي عهد الرئيس أنور السادات، جرت مصادمات عنيفة بين الدولة وشيخ الأزهر الجديد عبد الحليم محمود. فعندما أصدر رئيس الجمهورية قراراً يجرد به شيخ الأزهر من البقية الباقية من سلطاته في 1974، من خلال إلغاء هيئة كبار العلماء التابعة لشيخ الأزهر، وجعل سلطة تعيين الأئمة في المساجد من حق وزير الأوقاف وليس شيخ الأزهر، أعلن عبد الحليم محمود رفضه للقرار وقدم استقالته وأصر عليها، وسانده في موقفه عدد كبير من العلماء والمشايخ، حتى اضطر رئيس الجمهورية في النهاية، لإعادة صياغة قراره، فجاء فيه: "شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية".

وتكررت الخلافات مرة أخرى بعد أن حاولت الدولة تمرير تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية، في ما يخص مسألتي الطلاق وتعدد الزوجات، إذ رفض شيخ الازهر تلك التعديلات وقال "لا قيودَ على الطلاق إلا من ضمير المسلم، ولا قيودَ على التعدد إلا من ضمير المسلم".

أما في فترة رئاسة الرئيس الأسبق حسني مبارك، والتي امتدت على مدار ثلاثين عاماً، فقد تراجع دور الأزهر السياسي بشكل ملحوظ، ولم تحدث خلافات مشهودة بين الدولة والمؤسسة الدينية، وربما كان الموقف الوحيد الذي شهد اعتراض شيخ الأزهر على الرئاسة، تمثل في الفتوى الذي أصدرها شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق في حرمة فوائد البنوك واعتبارها نوعاً من أنواع الربا والمال الحرام، وهو الأمر الذي أغضب الدولة وقتها، لما فيه من تعطيل لعجلة الاستثمار والنماء الاقتصادي.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
الأزهر مصر

التعليقات

المقال التالي