هنري لورنس: الصراعات في سوريا والعراق ستنتهي قريباً بعكس الصراع العربي الإسرائيلي

هنري لورنس: الصراعات في سوريا والعراق ستنتهي قريباً بعكس الصراع العربي الإسرائيلي

حلّ المستشرق والمؤرخ الفرنسي "هنري لورنس" Henry Laurens أستاذ كرسي التاريخ المعاصر للعالم العربي بالكوليج دي فرانس، ضيفاً على القاهرة لمناسبة صدور الجزء العاشر والأخير من موسوعته الضخمة "مسألة فلسطين" La Question de Palestine عن المركز القومي للترجمة، ونقلها إلى العربية "بشير السباعي".

على هامش زيارته، أجرينا معه هذا اللقاء:

  • منذ أن كتب "صامويل هنتنغتون" مقالته المعنونة بـ"صدام الحضارات"، تشهد المنطقة العربية سلسلة صراعات، انطلاقاً من غزو العراق، مروراً بالربيع العربي، وصولاً إلى تنظيم داعش الإرهابي. هل ثمة صلة بين تلك الأحداث؟

المشكلة الأساسية هي مشكلة الإرهاب، ورد فعل الولايات المتحدة الأمريكية على أحداث الحادي عشر من سبتمبر تمثل في غزو أفغانستان، وحرب العراق ومن ثم احتلالهما، بما يمثل خطأً إستراتيجياً مهولاً وكبيراً.

لم يكن غزو العراق وأفغانستان نزاعاً ثقافياً ولا صداماً حضارياً، بل كان فعلاً سياسياً. وعلى النقيض من ذلك، طرح الربيع العربي مطالب تهدف إلى توفير حقوق ووضع سياسي طبيعي، كدولة القانون، وحقوق الإنسان، والحماية والتأمين الاجتماعيين، وهي مطالب قريبة من معطيات الحياة الأوروبية وقريبة مما يتمتع به المواطن الأوروبي من امتيازات وحقوق.

  • منذ عشر سنوات، قلت إنك غير متفائل في ما يتعلق بإمكان التوصل في المدى القريب إلى حل لقضية الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة على المسار الفلسطيني. كيف ترى الصراع العربي الإسرائيلي اليوم؟ وهل هناك حل للقضية الفلسطينية ولو على المدى الطويل؟

قبل عشر سنوات، كنت متفائلاً أكثر إذ كانت هناك مفاوضات "جنيف" وكانت هناك خريطة الطريق، أي كانت هناك إمكانية لحل دبلوماسي. أما الآن، على أرض الواقع، لم يعد هذا الحل ممكناً، خاصة أن المستوطنات الإسرائيلية الحالية تجاوزت المحيط الذي رسمته أفكار بيل كلينتون عام 2000. لذا فإنني أكثر تشاؤماً بالنسبة للوضع الحالي.

إن عدد ضحايا هذا الصراع على مدى قرن يصل إلى نحو 24 ألف قتيل من الجانب الإسرائيلي، بينما من الجانب الفلسطيني، تقدر الأعداد بمئة ألف، وعشرات القتلى من الجانب العربي. وقد تعقد الوضع بسبب الحرب الأهلية اللبنانية، إذ وقف الفلسطينيون ضد المسيحيين.

9782213662718:Laurens T3 couv
إن نظام بشار الأسد قد قتل عدداً أكبر من الفلسطينيين في سوريا، ولذا هذا النزاع (الفلسطيني - الإسرائيلي) يعتبر على المستوى العالمي نزاعاً قليل الشأن وصغيراً، خاصة إذا ما قارناه بالصراعات في القارة الإفريقية، التي راح ضحيتها الملايين، ناهيك بصراعات أخرى في العالم، فلماذا يهتمون بهذا النزاع ويتركون صراعات أخرى؟

وفي الوقت نفسه، يحاولون عقد اتفاقات في ساحة البيت الأبيض، لتسوية نزاع مشبع بالتاريخ بالنسبة لليهود والمسلمين والمسيحيين. وحتى من وجهة نظر الأديان الثلاثة، لن يتم حسم هذا النزاع إلا في آخر الزمان.

من جانب آخر، لا يريد الغرب النظر إلى "مسألة فلسطين" دون النظر إلى التدمير الذي طال اليهود في أوروبا الشرقية أثناء الحرب العالمية الثانية. لكن العرب والمسلمين لا يستطيعون رؤية مسألة فلسطين بمعزل عن تاريخ الاستعمار الغربي لأوطانهم، ولذا، فسوف يستمر الصراع زمناً طويلاً أيضاً.

وعلى العكس من ذلك، فإن الصراعات في سوريا والعراق يمكن أن تشهد نهاية قريبة، لخلوها من الحمولة الثقيلة المشبع بها الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

ما أثر تصدر الإرهاب اليميني المتأسلم للمشهد العالمي على القضية الفلسطينية؟ مثلاً، إرهاب "داعش" مثّل عاملاً سلبياً بالنسبة للقضية الفلسطينية. إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو يزعم أن لا فرق بين تنظيم داعش وبين الفلسطينيين. ومثل هذه المماهاة تؤثر بالسلب الكبير جداً على القضية الفلسطينية، خاصة أن والعرب والمسلمين يجنحون أكثر نحو إضفاء صبغة دينية على هويتهم، التي تتقدم على الهوية الوطنية أو القومية.

Henry-Laurens2

  • لماذا يتهم الاستشراق بأنه خطاب هيمنة متجذر في الأهداف الاستعمارية؟

ربما كان هذا صحيحاً بالنسبة للقرن التاسع عشر، لكن في الوقت الحالي أو حتى قبل ذلك، يعتبر هذا الاتهام غير صحيح. وكمثال على ذلك، في العام 1935 كان هناك خمسون طالباً فرنسياً يدرسون اللغة العربية في الجامعات الفرنسية، لكننا اليوم نجد أن الطلاب الفرنسيين الذين يدرسون اللغة العربية وآدابها يناهزون الآلاف في الجامعات الفرنسية المختلفة. نحن اليوم بعيدون تماماً عن الوضع الاستعماري.

ليس بالضرورة أن يكون الاستعمار عسكرياً بالمعنى الكلاسيكي للقرن التاسع عشر، هنا نتحدث عن أنواع أخرى من الاستعمار، سواء كان ثقافياً متمثلاً في "العولمة" أو في الأدوات الاستعمارية الأخرى كصندوق النقد الدولي أو البنك الدولي.

ما من دولة تعيش في العالم بمفردها، وما من شعب يعيش وحده أيضاً، فهناك دوماً الحراك المستمر، سواء في تدفق الأفكار وانتشارها أو حركة النقود بين دول العالم المختلفة. ونحن دائماً نتأثر بالآخر كما أننا في الوقت ذاته نؤثر في الآخرين.

  • هل كان وعد بلفور حلاً غربياً للتخلص من عبء الوجود اليهودي في أوروبا؟

المسألة الفلسطينية تعود جذورها إلى نهاية القرن التاسع عشر مع ظهور الحركة الصهيونية، بينما وعد بلفور يمثل حلقة من هذه الحلقات. أما في ما يخص أوروبا وسعيها للتخلص من العبء اليهودي بوعد بلفور، فالقصة معقدة جداً، لأن الوجود اليهودي كان مشكلة من المشاكل الأوروبية المركزية، خاصة في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية.

  • لماذا تبدو علاقات الشرق بالغرب وكأنها سلسلة صراعات ممتدة، وهل وراء هذا التوتر السياسة والدين أم أن الشعوب نفسها على المستوى الإنساني أيضاً تتبادل الضغائن؟

لقد نشب بين الشعوب الغربية نفسها الكثير من الحروب، وهي أكثر حتى من الحروب التي قامت بينها وبين الشرق، والأمر كذلك بين الشعوب الشرقية نفسها التي نشبت بينها حروب وصراعات أكثر مما نشب بينها وبين الغرب. لكن كانت هناك أيضاً علاقات طبيعية بعيداً عن الصراعات والحروب بين الشرق والغرب كالتبادل التجاري والأفكار وانتقال الأشخاص. نحن الآن أمام مكتبة "جورج حنين" (مكان إجراء المقابلة)، وهو كاتب عربي كان يكتب باللغة الفرنسية، وقد نقل الكثير من الأفكار الشرقية إلى الثقافة الفرنسية.

  • كيف يقرأ "هنري لورنس" الآن العلاقات بين الشرق الأوسط والغرب من الناحية الجيوسياسية؟

الشرق الأوسط من المناطق القريبة من روسيا وأوروبا، وهناك العديد من التبادلات على جميع الأصعدة بين الشرق الأوسط والغرب.

  • كيف ترى اليوم حال المرأة العربية، وهل حققت المزيد من المكتسبات أم تعرضت حقوقها لانتكاسة، خاصة عند صعود التيارات الدينية المتأسلمة إلى صدارة الحكم؟

يعتمد هذا على الوضع القانوني للعائلة في كل بلد، والتبادل الثقافي أيضاً وأهميته، لذا لا نستطيع التحدث بصفة عامة عن وضع المرأة العربية لأن وضعها يختلف من بلد لآخر.

51zh-M-AoXL._SX332_BO1,204,203,200_
  • في كتابك "فرنسيون وعرب منذ قرنين"، أشرت إلى وجود روابط خاصة بين فرنسا والعالم العربي، فما هي هذه الروابط؟

منها على سبيل المثال لا الحصر، الروابط التاريخية، خاصة مع دول شمال أفريقيا، مثل تونس والمغرب والجزائر، كما أن العلاقات ممتدة ما بين فرنسا والدول العربية، سواء كانت على الصعيد الإنساني أو الاقتصادي أو الثقافي. هناك أيضاً ملايين الفرنسيين ممن ترجع أصولهم إلى شمال أفريقيا مثلاً، وهناك العديد من الزيجات بين فرنسيين وفرنسيين من أصول مغربية، وأيضاً العلاقات بين لبنان وفرنسا اللذين تربطهما علاقة وثيقة على الصعيدين الثقافي والإنساني، ولدينا تاريخ قديم مع مصر من النواحي السياسية والإنسانية.

  • قبل شهور قليلة، كان الكاتب "آلان غريش" في القاهرة وقال إن العرب والمسلمين يعيشون في عزلة بعيداً عن المجتمع الفرنسي، ولا ينخرطون فيه، وهو ما يمثل سبباً من أسباب اتجاههم للعنف، وغريش قامة يسارية معروفة. فما رأيك؟

ربما يكون ما ذكرته عن عزلة العرب والمسلمين عن المجتمعات الغربية، الفرنسية تحديداً، عاملاً. لكن هناك عوامل أخرى لظهور العنف بين العرب في أوروبا، منها الراديكالية أو التشدد الديني. بين الناس الذين كانوا يشنون هجمات إرهابية أشخاص كانوا في الأساس مجرمين جنائيين يحتسون الخمور ويدخنون الحشيش، وبالتالي، عندما يتحولون إلى ما يعرف بالالتزام يصبحون متشددين. وهذا لا ينفي أن هناك عرباً من أوساط ثرية في فرنسا، ومنهم من هم مهنيون.

ومن المؤكد أيضاً أن هناك الكثيرين بين العرب في أوروبا، وخاصة فرنسا، في حال من الفقر، لكن لا يمكن التعميم في ما يتعلق بالشعب كله أو المجتمع.

نضال ممدوح

صحافية مصرية شابة لها كتابات ومقالات في صحف مصرية وعربية

التعليقات

المقال التالي