هل تتحكّم جغرافيا دولتنا بمصيرنا؟

هل تتحكّم جغرافيا دولتنا بمصيرنا؟

يقول المفكر الكبير جمال حمدان في كتابه شخصية مصر "إن الجغرافيا تاريخ متحرك والتاريخ جغرافيا ساكنة". والحقيقة أن الباحث في تاريخ الدول قديماً وحديثاً، سيتأكد من الدور المهم الذي تلعبه الجغرافيا في تحديد أقدار ومصائر تلك الدول.

في هذا المقال نتطرق لعدد من السمات الجغرافية لبعض الدول العربية، لنرى كيف لعبت تلك السمات والخصائص دوراً كبيراً في تحديد وتشكيل تاريخها القديم والمعاصر.

مصر: عندما تخلق الجغرافيا الاستبداد

nile

لعبت الجغرافيا دوراً مهماً في حركة التاريخ والسياسة في القطر المصري منذ فجر التاريخ. مصر التي تركزت حواضرها الرئيسة على جانبي فرعي النيل، عرفت نوعاً معيناً من الاستقرار والهدوء، الذي من الممكن أن نسميه "استقراراً جغرافياً".

فمع ظهور المجتمع البشري في مصر، وجد المصريون أنفسهم منتظمين على شكل تجمعات بشرية كبيرة العدد، وكان من الطبيعي أن تقيم تلك التجمعات بجوار النيل، وذلك للاستفادة من المياه العذبة من جهة ولاستزراع الأراضي الزراعية الخصبة الممتدة على طول النهر من جنوب البلاد إلى شمالها من جهة أخرى.

النيل الذي عُرف عنه استقرار منسوبه وهدوء جريانه وانتظام مواعيد فيضانه، أصبح مع مرور الوقت وسيلة اتصال مهمة ما بين المناطق المختلفة على تخومه، مما أسفر في النهاية عن ظهور سريع للكيان السياسي "الدولة".

وكما ساعدت الجغرافيا في خلق الدولة المصرية في فترة تاريخية مبكرة، فقد ساعدت كذلك على منحها الفرصة المناسبة للتطور والحماية من القبائل البدوية الرعوية المنتشرة في الشرق والغرب، ذلك لأن الصحراء مثلت عائقاً جغرافياً صعب الاختراق أمام أي محتل يفكر في الوصول إلى عمق الدولة المصرية.

وربما كانت أهم السلبيات التي تسببت بها جغرافية الأراضي المصرية، هي أنها، وبطريقة غير مباشرة، قد أعطت الدولة سلطة مطلقة، فتم تأليه الحاكم في العصور التاريخية القديمة، واعتاد المصريون أن يعدّوه شخصية مقدسة لا تخطئ، وهو ما أدى بالتبعية لظهور أشكال متباينة من الاستبداد السياسي وقمع الحريات عبر مئات الأعوام.

والسبب في ذلك هو أن الدولة، ممثلة في الحاكم، هي الوحيدة التي كانت تملك القدرة على تنظيم مواعيد الري وعلى إقامة الجسور والترع والمصارف وتوزيع قطع الأراضي الزراعية على الفلاحين. وأدى هذا إلى تحكمها في المصدر الاقتصادي الأول لدى الشعب بشكل مطلق.

ولعل من أهم الأدلة على ذلك أن معظم السلالات الحاكمة التي تولت السلطة في مصر جعلت من نفسها المالك الوحيد للنيل والأراضي المصرية، واعتبرت أن الفلاحين الذين يمثلون النسبة الأكبر من الشعب لا يزيدون على أن يكونوا أقناناً مجبورين على الخدمة في بعض الأحيان أو عمالاً مأجورين  في أحيان أخرى.

العراق: عندما تتسبب الجغرافيا بلامركزية الدولة

منحت الجغرافيا بلاد الرافدين ميزة وسلبت منها في الوقت نفسه مزايا أخرى على قدر كبير من الأهمية. فمع وجود نهري دجلة والفرات في العراق، أقيمت حياة زراعية سمحت بظهور الحضارة والعمران في فترة متزامنة مع ظهور حضارة وادي النيل. ولكن ظهور الحضارة لم تنتج عنه دولة مركزية قوية كما حدث في الحالة المصرية، والسبب في ذلك أن نهري دجلة والفرات لم ينجحا في خلق التواصل ما بين العراقيين القدامى، وفيما بينهم.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف غيّرت الجغرافيا من مصائر الدول العربية عبر تاريخها؟ وكيف غيّرت في شخصية مجتمعاتها؟

شارك غردكيف أنتجت الجغرافيا السورية حالة فكرية فسيفسائية فريدة؟ وهل لذلك علاقة بما يجري الآن في سوريا؟

فسرعة جريان النهرين وعدم استقرارهما وخطورة التنقل في مياههما، جعلت منهما فواصل طبيعية ما بين المراكز الحضارية المهمة، ومن هنا عرف العراق نموذج دولة المدينة الذي تقوم فيه كل مدينة قوية بفرض سيطرتها على القرى والأراضي المحيطة بها، إلى أن تصل إلى درجة من القوة تتيح لها فرصة التوسع على عموم أراضي العراق، ومن هنا فقد كان تاريخ العراق القديم عبارة عن سلسلة متتابعة لسيطرة عدد من المدن، مثل سومر وأكد وبابل وأشور.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن وقوع العراق ما بين الجارتين الفارسية والتركية، قد جعل منه مطمعاً للسلطة السياسية الطامحة للتوسع في عصور قوة أي منهما.

ولعل نظرة واحدة سريعة على تاريخ العراق الحديث والمعاصر، ستكشف مدى ارتباط المصير العراقي بالقرارات السياسية الصادرة من العواصم القديمة تبريز وإسطنبول أو العواصم الحالية طهران وأنقرة.

سوريا ولبنان: التوجه البحري وفسيفسائية الفكر

Byblos

سوريا التي تبلغ مساحتها حوالي 185 ألف كيلومتراً مربعاً، ولبنان الذي تبلغ مساحته نحو 10 آلاف كيلومتر مربع وجدا نفسيهما منذ القدم محصورين ما بين مصر والعراق، اللتين كانتا قوتين كبيرتين تبادلتا السيطرة على منطقة الشرق الأدنى لمئات الأعوام.

وكان من الطبيعي، بعد أن فقد السوريون واللبنانيون أي آمال توسعية في المنطقة، أن يولوا وجوههم غرباً ناحية سواحل البحر المتوسط.

فإذا كانت مصر هبة النيل، فإننا يمكن أن ندعي بكل ثقة أن لبنان وسوريا كانا هبتي البحر المتوسط.

فالفينيقيون، وهم سكان سوريا ولبنان القدامى، بعد أن عرفوا أن مصيرهم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبحر، اتخذوا منه ميداناً للتجارة والتواصل مع العديد من الشعوب الواقعة على سواحله، وعُرفوا بإمكاناتهم البحرية الفائقة في صناعة السفن العظيمة، تلك التي ساعدتهم أشجار الأرز المنتشرة في أراضيهم في توفير أخشابها ومواد صناعتها الأولية.

نفوذ الفينيقيين البحري امتد ليصل إلى السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. ففي القرن التاسع قبل الميلاد تمكنوا من تأسيس مستعمرة مهمة لهم على الشاطئ الإفريقي، تلك التي عرفت بقرطاجة.

من أهم الآثار الجانبية لتوجه سوريا ولبنان المتوسطي، انفتاحهما أمام عدد كبير ومتنوع من الثقافات والمعتقدات الدينية، حتى باتا في عصر الإسكندر المقدوني وخلفائه من المراكز العظمى التي أوكل إليها نشر الثقافة الهيلينستية التي حاولت أن تمزج ما بين ثقافات الشرق والغرب في العالم القديم.

نظرة واحدة على الواقع الفكري والديني السوري واللبناني المعاصر سوف تثبت أن سمة التنوع والتعدد ما تزال حاضرة وبقوة، فالدولتان تشهدان تنوعاً دينياً مميزاً يتشارك فيه الدين الإسلامي بفرقه السنية والعلوية والإسماعيلية مع الديانة المسيحية بمختلف طوائفها وفرقها، مما شكل حالة فسيفسائية فريدة في الشرق الأوسط.

قطر: إشكالية المساحة والنفط

دولة قطر هي أحد أهم النماذج التي تبيّن كيف أن صغر مساحة الدولة وتعاظم إمكانيتها المادية من الممكن أن يتسببا بتغيير مسار دفتها السياسية.

دولة قطر التي لا تتعدى مساحتها 11.5 ألف كيلومتر مربع، والتي نالت استقلالها السياسي عام 1971، وجدت نفسها واقعة ما بين قوتين إقليميتين عظيمتين تتفوقان عليها من ناحية المساحة والإمكانيات البشرية بما لا يقاس.

فقطر التي ينظر لها الكثيرون، على كونها ليست أكثر من نتوء جغرافي بارز في جسد المملكة العربية السعودية المتضخم الذي يشمل معظم مساحة شبه الجزيرة العربية، لقيت نفسها محصورة بالمملكة التي تزيد مساحتها عن مليوني كيلومتر مربع من جهة، وبإيران التي تتعدى مساحة أراضيها المليون ونصف المليون كيلومتر مربع.

قد لا تمثل الحالة الجغرافية القطرية مثالاً شاذاً إذا ما تمت مقارنتها بالكثير من الأمثلة المتشابهة في مختلف قارات العالم، ولكن الاختلاف الذي تمثله الحالة القطرية، يتمثل بشكل واضح في توافر كميات ضخمة من الاحتياطي النفطي في أراضيها، وهو الأمر الذي نتجت منه بالتبعية اتاحة إمكانات مادية هائلة أعطت الفرصة لتنامي الطموحات السياسية لزعمائها.

وتمثل هذا الطموح في محاولة المشاركة في لعب أدوار كبيرة على الساحة الإقليمية، وظهر ذلك بشكل جلي في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي في الميادين السياسية لكل من مصر وسوريا واليمن والعراق.

هناك ظاهرة أخرى مهمة، وهي أن قطر أصبحت لا تتعامل بالشكل النمطي الذي تتعامل به الدول المجاورة على الصعيد السياسي، فقد ركزت اهتمامها على تكوين علاقة مع الأحزاب والقادة وليس مع المؤسسات والأنظمة الحاكمة.

ومن الشواهد المؤيدة لذلك الرأي، علاقة قطر القوية بالإخوان المسلمين في مصر وحركة حماس في فلسطين، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تركيا، رغم ضعف علاقتها مع تلك الدول.

المغرب: عندما تحملك الجغرافيا عبء المواجهة

الموقع المتطرف والبعيد عن مراكز وحواضر الإسلام الكبرى في الحجاز والعراق والشام من جهة، والمتاخم لشبه الجزيرة الأيبيرية من جهة أخرى، جعل المغرب مطالباً دائماً بتقديم يد المساعدة والعون للمسلمين في الأندلس منذ أن فتحها المسلمون عام 711 حتى خرجوا منها بعد ما يقرب من ثمانمئة عام.

كما أن الطبيعة الصحراوية القاسية التي فرضت نفسها على مساحات واسعة من الأراضي المغربية، نتج منها، بشكل غير مباشر، تكوّن عصبية قبلية قوية ساعدت في تشكيل الشخصية المقاتلة للمغربي.

بناء على هذين المركبين (تطرف الموقع وصحراوية الأرض)، اعتاد المغاربة أن ينظروا لبلادهم على كونها معقل الإسلام الحصين، واعتقدوا أنهم المدافعون عن الإيمان القويم الذي يهدده النصارى الإسبان، فتدفقت جيوش المغرب في عصور كل من المرابطين والموحدين والمرينيين غرباً، واستنفدت تلك الجهة إمكانياتهم العسكرية والمادية عبر القرون.

التوجه الأندلسي لم ينته بسقوط الأندلس في يد القشتاليين عام 1492، ذلك أن المغرب فتح ذراعيه أمام الموريسكيين الفارين بدينهم وحياتهم من أرض الفردوس المفقود، وتلقى المغاربة صدمة التوسع الاستعماري الإسباني، ذلك الذي، وإن كان قد انتهى عام 1956، خلف وراءه عدداً من المدن التي لا تزال حتى اللحظة الراهنة تابعة للسيادة الإسبانية، مثل مدينتي سبتة ومليلة الواقعتين على ساحل البحر المتوسط.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي