ما هو مصير الاتفاق النووي بعد تصعيد ترامب ضدّ إيران؟

ما هو مصير الاتفاق النووي بعد تصعيد ترامب ضدّ إيران؟

تتوالى بسرعة التداعيات الإقليمية على منطقة الشرق الأوسط إثر فوز دونالد ترامب. بين دول المنطقة، كانت إيران قد تصدرت قائمة المترقبين لتبعات وصوله إلى البيت الأبيض، فقد تتباين مواقف من عيّنهم في إدارته بشأن الملف السوري أو العلاقة مع روسيا على سبيل المثال، لكنهم يجتمعون على عداء إيران.

في اليومين الماضيين، شهدت وتيرة التصريحات والإجراءات الأميركية ضد إيران تصعيداً غير مسبوق في عهد ترامب. ومعها، بات سؤال المرحلة من دون منازع: ما هو مصير الاتفاق النووي بين إيران والدول الستة؟

شد الحبال

في يوم تنصيب ترامب، في العشرين من شهر يناير الماضي، كان قد مرّ حوالي عام على دخول الاتفاق حيّز التنفيذ. حينها اعتُبر نجاحاً للدبلوماسية الدولية وبديلاً حتمياً عن حرب مباشرة في منطقة مشتعلة.

لكن ترامب لم يشارك الإدارة السابقة توجهها، فقد بدأ حملته الانتخابية بسيل دعائي ضد الاتفاق "الكارثي" الذي أقدم عليه سلفه، ومهّد لفوزه بخطاب يعد بإصلاح كل ما أفسده باراك أوباما، وعلى رأس اللائحة تلك "الصفقة السيئة" التي وعد بقدرته على تعديلها عند الوصول إلى البيت الأبيض.

"إيران تلعب بالنار، والإيرانيون لا يقدّرون كم كان أوباما طيباً معهم، أما أنا فلست مثله"، غرّد ترامب عبر منصته المفضلة بالأمس. وقبل هذا التصريح، كانت الحدة قد فرضت نفسها على الأجواء منذ مطلع الأسبوع، تزامناً مع تجربة إيران لصاروخ بالستي. ثم ارتفعت لتأخذ شكل العقوبات والتهديد العسكري.

كانت إيران بين لائحة الدول السبعة التي مُنع حاملو جنسيتها من دخول الولايات المتحدة، وقد أدى ذلك لتعميق التوتر بين الطرفين، إذ بادلت طهران ترامب بمنع مقابل لمواطنيه. رفدت واشنطن التصعيد بفرض عقوبات شملت 25 شخصاً وكياناً إيرانياً، عبر تجميد أصولهم ومنعهم من إجراء صفقات مع شركات أمريكية.

خرجت إيران، التي بدت متروية بداية أمام تصريحات ترامب العدائية، عن هدوئها، وهددت بالردّ بالمثل والشكل المناسب على أي خطوة، لا سيما وأن العقوبات لا مشروعة، والتجربة الصاروخية لا تناقض روحية الاتفاق النووي.

أقوال جاهزة

شارك غردما مصير الاتفاق النووي بحسب السيناريوهات؟ وهل يمكن أن تتجه الأمور إلى حرب مباشرة بين إيران وأمريكا؟

انتقلت اللعبة إلى شدّ حبال واضح بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي أكد أن بلاده "لن تشن أبداً الحرب... لكن لا تخيفها التهديدات"، وبين مايكل فلين الذي قال إن بلاده لن تتسامح أبداً مع الأعمال الاستفزازية التي "تهدد مصالحنا". واستحضر الروح الترامبية في قوله إن المجتمع الدولي تسامح جداً مع سلوك إيران السيء ولكن زمن غضّ الطرف قد ولّى.

هكذا بدت الأمور أبعد من صاروخ بالستي أو من مدمرة على باب المندب، بل كـ"اختبار صاروخي" لموقف ترامب من الاتفاق النووي، وعما إذا كان ينشد حجة لتفكيكه.

ترامب غير المتوقّع

يناقش الكاتب فيليب غوردون في مقاله "ما الخطأ في تهديد مايكل فلين لإيران؟ الكثير" الذي نشرته "نيويورك تايمز" هذه المسألة.

يقول، من بين مجموعة النقاط التي عالجها، إن المشكلة تكمن في التحذيرات غير المحددة التي يطلقها فلين بطريقة دراماتيكية وعامة، فـ"هو يضع نفسه وبلاده في موقع الانسحاب المحرج أو المواجهة الخطرة".

بحسب غوردون، لا يبدو أن لإدارة ترامب خيارات واسعة للرد بفعالية على إيران كما ادعت، كما يستبعد أن يجد دعماً دولياً لتفعيل المزيد من العقوبات، لا سيما وأن تجربة الصاروخ البالستي ليست ضمن الاتفاق النووي.

على الجانب الإيراني، تقترب الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في التاسع عشر من مايو المقبل، وبينما  يزداد الجو المتشدد قوة في إيران، وبوجود العديد من المعارضين للاتفاق النووي والحالمين بمواجهة أمريكية، من غير المحتمل أن تتراجع إيران أمام تحذير أو ضربة عسكرية رمزية، بحسب غوردون الذي عمل منسقاً للبيت الأبيض في الشرق الأوسط بين عامي 2013 و2015.

في خضّم هذا الوضع المشحون نعود إلى السؤال المفصلي: ما مصير الاتفاق النووي بحسب السيناريوهات المطروحة؟ وهل يمكن أن تتجه الأمور إلى حرب مباشرة؟

يقول المحلل الإيراني القريب من أوساط روحاني، نادر جوني، "يُعدّ ترامب غير متوقعاً بالنسبة للأمريكيين وكذلك بالنسبة للأوروبيين، وأيضاً بالنسبة لنا". طبيعي أن تكون تحركات ترامب غير متوقعة، في ظلّ السياق الذي بدأه منذ الحملة الانتخابية. لكن هناك ما يشبه الإجماع بين المراقبين والمحللين المعنيين على أن الاتفاق النووي باقٍ.

السيناريوهات المحتملة

يتعرّض الاتفاق لضغوط إعلامية شتى، يرافقها ضغط أمريكي على إيران في اليمن وفي ساحات أخرى، لكن على المستوى السياسي يبدو إلغاء الاتفاق أكثر تعقيداً من اتهامات متبادلة على خط واشنطن - طهران.

كثيرة كانت العوامل، والدوافع، التي أدت لتنفيذ الاتفاق النووي، وظروف سريانه تعد أكبر من أن تنحصر بشكل ثنائي بين الأمريكيين والإيرانيين. هناك القوى الدولية التي لن تسمح بتعطيل الاتفاق أقله لجهة تطوير الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية التي بدأت بعد رفع العقوبات، وأعقبها استئناف إيران العلاقات التجارية الدولية.

هكذا، يرى البعض أن ترامب يتهرّب من تفكيك الاتفاق لكنه يستغل الفرص للقضاء عليه "بشكل غير مباشر"، مذكرين بتصريحه في أغسطس الماضي عندما قال سيكون من الصعب تمزيق الاتفاق، لكن "سأخنقه بقوة، بحيث لن يكون لديه فرصة".

ويصبّ في الإطار ما قاله النائب الجمهوري بول راين الذي أكد على بقاء الاتفاق، بموازاة التضييق على إيران وتحركاتها المستفزة.

عليه، يدرس ترامب الضغط في اتجاه مناقشة بنود الاتفاق أكثر من إلغائه، فبرأيه كان أوباما متساهلاً في هذا الشأن. بحسب مصادر نقلت عنها مجلة "نيوزيوك"، يصعب على ترامب الحصول على إجماع القوى الدولية الأخرى لمناقشة الاتفاق، لكنه يطمح بالحصول على تعديل يتيح مراقبة المنشآت العسكرية.

ينشد كذلك تمديد عمل بعض القيود التي وضعت بتاريخ صلاحية لعشر سنوات على سبيل المثال، فضلاً عن الضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل الالتزام بمتابعة التخصيب ورفع تقارير أكثر دقة بشأنه.

ما كتبه سعيد كمالي دهقان في "الغارديان" يصبّ في الفكرة نفسها، وهو أن ترامب يستغل "الإيرانوفوبيا" لصرف النظر عن الأمور الأخرى التي تشغله في الداخل الأمريكي وعلى جبهات خارجية عدة. ولكن ذلك يؤدي، بحسب دهقان، خدمة كبيرة للإيرانيين الذين واجهوا صعوبة في إقناع مواطنيهم بنظرية "أمريكا الشيطان الأكبر". فأتى ترامب ليتولى المهمة عنهم.

وفي مقابل سيناريو إعادة مناقشة بنود الاتفاق، طرحت مجلة "ذا ديبلومات" سيناريوهين آخرين أحدهما يتعلّق بالتضييق على إيران لحدّ إجبارها على خرق الاتفاق، وبالتالي لومها على ذلك، أما السيناريو الآخر، فهو المتابعة في تطبيق الاتفاق، في ظلّ محاولات الإدارة الأمريكية التضييق على فوائد إيران منه.

في المحصلة، يبدو الاتفاق باق ظاهرياً بإجماع أطرافه، أما عملياً فبدأت مرحلة الشدّ والجذب فيه، وللطرفين ساحات حرب بالوكالة كثيرة يمكنهما الاستفادة منها لضرب أحدهما الآخر. أما ترامب فمستمر بـ"تطهير" الولايات المتحدة من التركة الأوبامية، مع الأخذ بالاعتبار مصالحه التي تتلاقى حتى مع إيران، وثمة أمثلة سابقة تثبت هذه المقولة.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي