لماذا يؤيد بعض العرب حظر ترمب؟

لماذا يؤيد بعض العرب حظر ترمب؟

وقع الرئيس ترمب قراره التنفيذي بحظر دخول مواطني سبع دول عربية وإسلامية ما لم يكونوا مواطنين، فاحتجزت سلطات الهجرة عشرات منهم ممن وصلوا وقتها إلى مطار جون كنيدي في نيويورك.

اشتعلت المظاهرات، وهرع محامون متبرعون إلى المطار وإلى ساحات القضاء في مسعى محموم لوقف ترحيل العوائل والطلبة والشيوخ والأطفال الذين احتجزوا. وانطلق الإعلام الأمريكي والعالمي يرصد ما يحدث، ويستضيف المعلقين الذين كانوا يتحدثون في شبه إجماع ضد القرار.

وفي ركن بعيد في وسائل الاعلام اليمينية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت أصوات عربية متفرقة تؤيد القرار وتعتبره نصراً وخطوة أولى في سياسة حازمة جديدة ستجتث الإرهاب من عروقه.

لماذا يتخذ بعض العرب هذا الموقف من الحظر الذي فرضه ترمب على الدول السبع؟ ولماذا يتجاهلون مشاعر المرارة التي أصابت العرب من هذا القرار وتخوفهم من توسيعه إلى دول أخرى، ناهيك عن مؤشراته المقلقة في إبراز العقلية اليمينية الجديدة التي تجلس في البيت الأبيض.

البعض من هؤلاء الناشطين أو المثقفين العرب يقول، وهم على حق في هذا، إن أمراض العالم العربي والإسلامي ناتجة إلى حد كبير من مشاكل داخلية تعاني منها مجتمعاتنا أدت إلى انتشار التطرف الإسلامي. وإن السبب هو عدم وجود رغبة في مس التراث وتنقيحه، واستخدام الدين والطائفية كسلاح سياسي في الحروب الإسلامية بالوكالة في العالم العربي.

هذه النظرة صحيحة إلى حد كبير وتستحق نقاشاً جاداً إن كنا فعلاً نرغب في إصلاح جذري في بلادنا. لكن المشكلة هنا أن هذا المنطلق الصحيح تعرج به الفكر إلى مسالك مسدودة النهايات حين ربط هؤلاء الناشطون بين فكرة الإصلاح ومواجهة داعش بأقصى قوة ممكنة وبين اعتماد سياسة العقاب ضد المسلمين لتقصيرهم في مواجهة التطرف في بلادهم.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا يؤيد بعض العرب الحظر الذي فرضه ترامب على سبع دولة ذات غالبية مسلمة، بل ويدافعون عنه بشراسة..

شارك غردبعض العرب يحتضنون اليمين الأمريكي المتمثل بترامب كمخلص لهم من التطرف وداعش...

هنا افترقت المسالك وظهر عوار التفكير عند بعض العرب الذين احتضنوا اليمين الأمريكي كمخلص لهم من داعش في مقابل اليسار أو الديمقراطيين الضعفاء الذين لم يفعلوا شيئاً حسب رأيهم، بل وأحاطوا أنفسهم بمستشارين مقربين من الجماعات الإسلامية في العالم العربي.

ضعف أوباما وتردده يقابله حزم ترمب وقوته. وهكذا فعل القائد القوي المنتظر الذي جاء ليقلع الإرهاب الاسلامي من جذوره فمنع الطلبة واللاجئين وكبار السن والعوائل من العودة إلى حياتهم الطبيعية، وألغى ما يقرب من 100 ألف تأشيرة دخول صالحة بدون أي مبرر أمني طارئ وبدون أي إنذار أو طلب من أجهزة الأمن في الولايات المتحدة. بل وحوّل حتى المحاربين لداعش بالفكر والسلاح إلى مشبوهين لمجرد انتمائهم لتلك الدول.

إنه لقصور في النظر أن نعتقد أن غلق الحدود وحده يمكن أن يجلب الأمن لأي بلد

ورغم ترديد البعض ان هذا المنع مؤقت إلى حين إعادة النظر في سياسة منح التأشيرات واللجوء، فإن إغفال مدلولات هذه السياسة خطأ وخطر. فقد قال جولياني أحد أقرب مستشاري ترامب إن الرئيس طلب منه وضع حظر على دخول المسلمين غير أنه أراده بصيغة قانونية. كما أن التقارير الصحفية التي تحدثت مؤخراً عن عزم إدارة ترامب على جعل عمل برنامج مكافحة الإرهاب قاصراً على الإسلام ينذر بأيام صعبة للجالية العربية والمسلمة في أمريكا. والاعتقاد بأن الأمور ستعود طبيعية بعد 120 يوماً هو تفاءل ليس في محله.

إن قصور الرؤية عن الآثار بعيدة المدى لهذه المقاربة هو ما أوقع هؤلاء الناشطين في هذا الخطأ. فهناك فرق بين محاولة الإصلاح وتنقية التراث ومقاومة وباء التكفير الذي يجتاح بلادنا، والتعامل مع المجتمعات المسلمة وكأنها مسؤولة أو أنها مشاريع إرهاب صامتة.

إن النجاح في المواجهة مع الفكر التكفيري وانقاذ بلادنا منه لا يأتي بعقلية العقوبة الجماعية بل باتباع سياسة المواجهة الحكيمة التي ترى مكامن الخطر وتواجهها. أما المسلم المهان فهو مشروع ضحية بيد الفكر المتطرف الذي يبني قاعدته على أساس الكراهية، وكلما نمت وانتشرت هذه البضاعة الفاسدة أصبح سوقه أكثر رواجاً.

وإذا نظرنا إلى الطروحات السابقة لبعض هؤلاء المثقفين المؤيدين لترمب لفهمنا منطلقاتهم لاتخاذ هكذا مواقف. فالدكتور توفيق حميد الطبيب والناشط المصري الذي دافع عن قرار الحظر بقوة كان قد كتب سابقاً عن الجماعات الإسلامية معتبراً أن الحجاب هو "إرهاب سلبي".

أما الدكتور زهدي جاسر، وهو طبيب سوري، فهو كاتب في موقع Brietbart اليميني الذي كان يشرف على تحريره ستيف بانون أحد أهم مستشاري الرئيس ترمب الآن وهو يطالب الآن بفحص للأيديولوجية ويعتبر أن ما تقوم به كل أجهزة الأمن الأمريكية من تحر غير كافِ.

هذه نماذج لبعض الناشطين الذين خرجوا على شاشات التلفزيون ليبرروا قرار الحظر. وهم في هذا يبدون  متسقين مع طروحات اليمين التي تبنوها بشكل واضح في كتاباتهم ومحاضراتهم.

المسلم المهان فهو مشروع ضحية بيد الفكر المتطرف الذي يبني قاعدته على أساس الكراهية

إن رفض الاعتراف بأن لدينا مشاكل جدية يجب مراجعتها في موروثنا الديني لهو خطأ جسيم وخداع للنفس. كما أن محاولة مقاربة المشاكل في الشرق الأوسط عن طريق تبني نظرة اليمين الذي يرى في كل المسلمين على اختلاف مشاربهم وأفكارهم ومذاهبهم مشاريع إرهاب هو خطأ أكبر بل وربما أخطر. فسياسة الاستعداء لن تفتح القلوب والعقول والآذان للاستماع إلى صوت العقل. حين يسيطر الغضب والمهانة، ويكون هناك متربص ينتظر عارضاً الدواء للكرامة النازفة، ستكون فرص محاربة الإرهاب أضعف بكثير.

إنه لقصور في النظر أن نعتقد أن غلق الحدود وحده يمكن أن يجلب الأمن لأي بلد. فلو كانت قرارات الرئيس ترمب سارية منذ سنوات طويلة لما أمكن منع هجمات بوسطن أو سان برناردينو أو أورلاندو أو تكساس.

إن الأمن أمر لا جدال فيه للجميع. ولا أحد يود أن يرى أي هجمات إرهابية تقع وخصوصاً على يد مسلمين لأننا جميعاً كنا وما نزال ندفع الثمن منذ هجمات سبتمبر المشؤمة. ولكن الحرب الجديدة هي أيضاً حرب عقول وتكنولوجيا، ولا سبيل لإيقاف الفكر المتطرف الذي يعبر الحدود عن طريق الأثير إلى شاشات الكومبيوتر والهواتف إلا بخلق مناعة ذاتية. وهذه المناعة لا تتأتى عن طريق اعتبار الكل مشبوهين حتى تتم تبرئتهم.

إن حجز طفل في الخامسة من عمره، أو زوجين إيرانيين في الثمانينات من عمرهما، أو ترحيل طبيبة سودانية شابة متفوقة رغم توسلات المحامين لن يبني إلا كراهية وهي ما تعتاش عليه داعش وأمثالها.

كما أن انسلاخ هؤلاء المفكرين العرب عن جمهورهم سواء كان لكراهية لأوضاع بلادهم تحولت إلى رفض ويأس من الإصلاح، أو تلبية لدوافع أيديولوجية محضة، فإنها بكل بساطة تحيلهم إلى أصوات محلية لا يتجاوز تأثيرها قاعات الندوات التي سيدعون إليها في الولايات المتحدة. ولن يكون هناك صدى إلا لأصواتهم وهي ترتطم بجدران القاعات المليئة بجمهورهم الأمريكي المحلي. أما عبر الحدود فلن يستمع إليهم أحد بعد أن تحالفوا مع يمين لا يكن وداً ولا احتراماً ولا فهماً للعالم العربي.

نعم، عالمنا العربي مضطرب ومريض ولكنه لا يزال يحوي شباباً واعداً يمكن له أن يكون سنداً للفكر المتحضر إن هو عومل بإنسانية، لا كمشبوه ملاحق ومرفوض في أرجاء الأرض.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي