"عسكرة المياه" في المنطقة العربية... كيف استُخدِمت في الصراعات العسكرية؟

"عسكرة المياه" في المنطقة العربية... كيف استُخدِمت في الصراعات العسكرية؟

في آخر معارك "عسكرة المياه" في المنطقة العربية، تمكنت قوات النظام السوري وحلفاؤها من السيطرة على بلدة عين الفيجة في وادي بردى، بعد نحو 40 يوماً من المعارك المتواصلة.

هكذا فرض النظام السوري سيطرته على منشأة نبع الفيجة التي تغذي العاصمة السورية دمشق وسكانها الملايين الخمسة بجزء كبير من حاجتها إلى المياه.

وكانت المنطقة تحت سيطرة فصائل عسكرية معارضة للنظام. وقد هددت الأخيرة بتفجير النبع وقطعت المياه عن دمشق ما أدى إلى معاناة سكانها خلال الفترة الماضية من انقطاع المياه، فاندلعت معركة وادي بردى، بحسب النظام. أما بحسب المعارضة، فإن النظام هو من افتتح المعركة واستهدف مضخات مياه النبع ما أدى إلى مشكلة المياه.

وكانت نهاية الأزمة مع التوصل إلى اتفاق يقضي بخروج عناصر المعارضة السورية المسلحة وعائلاتهم من منطقة وادي بردى إلى إدلب.

ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الطرفين في كامل قرى الوادي، لتدخل بعد ذلك قوات النظام عين الفيجة وترفع علمها على منشأة نبع عين الفيجة تمهيداً لدخول ورشات الصيانة لإعادة ضخ المياه للعاصمة دمشق.

تاريخ طويل

على مدار سنوات طويلة كانت منطقة الشرق الأوسط مسرحاً للكثير من العمليات العسكرية، وفيها تم استخدام كل ما هو متاح ليكون سلاحاً في المعركة، ومن بينها المياه، وهو ما أطلق عليه ماركوس كينغ اسم "عسكرة المياه" Weaponizing Water.

وتعتبر فكرة "عسكرة المياه" قديمة، ويعود تاريخها إلى ما قبل الميلاد، إذ ">قام الآشوريون بتسميم المياه الواصلة إلى أعدائهم بفطر الأرغوت السام، كما تمت عسكرة المياه في الحرب الصينية اليابانية وخلال الحرب العالمية الثانية.

وتعتبر غزوة بدر أول واقعة لعسكرة المياه في التاريخ الإسلامي، لأنها أول غزوة في الإسلام وفيها تم استخدام المياه كسلاح حرب.

أقوال جاهزة

شارك غردعندما تتحول المياه إلى سلاح في المعركة... نماذج من العالم العربي

شارك غردمن تسميم المياه بالأمراض إلى تجفيف منابعها، كيف استخدم هذا العنصر الحيوي في المعارك والحروب؟

وفي المنطقة العربية، وقع العديد من حالات عسكرة المياه، سواء في صراع الدول العربية مع القوى الأجنبية المحتلة أو في الصراعات الداخلية.

المستعمر الفرنسي هدد السوريين

عندما ثار السوريون ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925، هددهم الجيش الفرنسي أنه في حالة عدم دفع التعويضات والغرامات التي فرضتها القيادة الفرنسية عليهم، ستُقطع مياه الفيجة عن المناهل كي يموت السكان عطشاً.

إسرائيل وعسكرة المياه في النكبة

بحسب "هيئة أراضي فلسطين"، وهي هيئة أكاديمية بريطانية مستقلة غير هادفة للربح، في تقرير لها عن الحرب البيولوجية، فإن إسرائيل استخدمت فكرة عسكرة المياه في حرب سنة 1948، من خلال حقنها فيروس التيفوئيد في قناة المياه الواصلة إلى عكا، من أجل تسميم السكان وإصابتهم بالأمراض وإجبارهم على مغادرتها.

وأوضحت أن ملفات الصليب الأحمر كشفت أنه عقب سقوط حيفا في 22/4/1948، تدفق آلاف الفلسطينيين إلى عكا التي كانت تحت الحماية البريطانية، وكانت مياه الشرب تصل إلى المدينة من قناة تأتي من القرى الشمالية قرب كابري التي تبعد 10 كم عن عكا، وتعترض طريق هذه القناة إلى عكا مستعمرات صهيونية، وقامت العصابات الصهيونية في نقطة ما عند القناة بحقن المياه بجرثومة التيفوئيد، وسرعان ما انتشرت حمى التيفوئيد بين الأهالي والجنود البريطانيين.

وتشير الهيئة إلى تقرير الصليب الأحمر رقم "G59/1/GC, G3/82" الذي قرر أن الوباء محمول بالمياه، ولفتت إلى أن تسميم المياه أسفر عن انخفاض عدد سكان عكا من 25 ألفاً إلى 8 آلاف.

محاولة تسميم الجيش المصري وسكان غزة

وأشارت الهيئة إلى واقعة أخرى للعسكرة الإسرائيلية لمياه الشرب، إذ قالت إن الجيش المصري اعتقل يهوديين، دافيد مزراحي ودافيد هورين، كانا يحملان جراثيم الملاريا ويحاولان إلقاءها في آبار المياه في غزة من أجل تسميم الجيش المصري والأهالي، واعترفا خلال التحقيقات أنهما ضمن فريق مكون من 20 شخصاً، موكل إليه تنفيذ هذه المهمة.

وعام 2015، هدد أفيغدور ليبرمان الذي يشغل حالياً منصب وزير الدفاع في إسرائيل بتدمير السد العالي في أسوان إذا ما نشبت أي مواجهة عسكرية بين مصر وإسرائيل، وقالت صحيفة "كلكليست" العبرية إن مصر زادت التدابير الأمنية حول السد بما قيمته 9 ملايين دولار بعد هذه التصريحات.

تجفيف الأهوار

ولم تتم عسكرة المياه في الصراعات العربية مع دول الجوار، بل لجأ الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى استخدام سلاح الماء في تجفيف الأهوار.

والأهوار هي منطقة بحيرات ومستنقعات في جنوب العراق، تقع ضمن المثلث ما بين مدن الناصرية والعمارة والبصرة. وفي عام 1985 نجحت القوات الإيرانية في الدخول إلى الأهوار بشكل سريع، مما تسبب في إحراج للجيش العراقي، ما دفع الرئيس العراقي صدام حسين إلى التفكير في تجفيف الأهوار لضمان سرعة التصدي للقوات الإيرانية، من خلال منع مياه نهري دجلة والفرات من أن تصب في الأهوار.

إسرائيل استخدمت فكرة عسكرة المياه عبر حقن فيروس التيفوئيد في قناة المياه الواصلة إلى عكا، لتسميم السكان

وبعد انطلاق الشرارة الأولى للانتفاضة ضد صدام حسين عام 1991، وتركز المعارضة في الأهوار، جنوبي العراق، وجد الجيش العراقي صعوبة في ملاحقة أعضاء المعارضة الذين اختبأوا فيها، بسبب صعوبة وصول القوات العسكرية إلى هناك، لكن بعد جهود طويلة تمكن من إخماد المعارضة واعتقال عدد كبير من المعارضين الموجودين هناك، بينما فر البعض الآخر إلى إيران، وبعدها قرر نظام صدام حسين تجفيف منطقة الأهوار لإحكام السيطرة النهائية عليها.

وجاءت خطة التجفيف من خلال شق قناة أُطلق عليها اسم "أم المعارك"، بحسب ما ذكر مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط، وهي قناة تلتف حول الأهوار الأصلية في الناصرية. وقد تم تحويل المياه من نهر الفرات في قناة أخرى تصب وسط الصحراء، كما جرى شق قناة نهر العز في العمارة، وتمتد من الأهوار الوسطى حتى مدخل مدينة القرنة في البصرة. وقد شفط هذا النهر الكبير مياه أهوار الشطانية والصيكل والصحين، وهذه الأهوار هي المغذية الرئيسة لهور الحمّار وهور السناف.

ويشير المركز إلى أن الطائرات العراقية قامت برش مادة سائلة ساهمت في موت النباتات، كما طلب صدام حسين في تلك الفترة من سوريا وتركيا تقليل كمية المياه من نهري دجلة والفرات إلى العراق، وبذلك يتوسع التصحر، ويتمكن من ملاحقة بقية الفارين.

وقد أدت السياسات التي اتخذها الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، إلى خسائر كبيرة في أرواح السكان الذي كانوا يعيشون في الأهوار، كما أدت إلى تغيير البنية السكانية والثقافية للمنطقة التي ناوأت الحكم.

داعش وعسكرة المياه

منذ أن دخل تنظيم "داعش" إلى العراق وسوريا، أدرك الأهمية الاستراتيجية للمياه واستخدامها كسلاح في معركته على الأرض، خاصة في العراق، ولذلك لم يتوان عن الاستحواذ والسيطرة على مصادر المياه ضمن استراتيجياته كورقة تزداد أهميتها كلما سيطر على مناطق أكثر اتساعاً.

فبعد سيطرة التنظيم على مدينة الرمادي، أغلق فتحات سدين على نهر الفرات، أحدهما في الرمادي، عاصمة الأنبار، وسد النعيمية في الفلوجة، وهو ما أدى إلى غرق الأراضي خلف السد وتقليل مستويات المياه في محافظات جنوب العراق، التي يمر بها نهر الفرات.

وخلال عام 2014، تمكن التنظيم من احتلال معظم السدود الإستراتيجية المهمة مثل سد الرمادي، وسد الفلوجة، وسد ناظم الورار، والروافد العليا لنهري دجلة والفرات الذي يضم أكبر خزان للمياه في بحيرة الأسد، وذلك بعد سيطرته على 95% من المناطق التي يمر عبرها الفرات.

وفي مايو 2015، سيطر التنظيم على سد الرمادي وأغلق بواباته، وقطع المياه عن بلدة روز، بمحافظة ديالي، ذات الأغلبية الشيعية، ومدينة قراقوش، ذات الأغلبية المسيحية، وتمكن التنظيم من السيطرة على سد الفلوجة والموصل وسامراء وفرض سيادته على إمدادات المياه في محافظة بابل وكربلاء والنجف والقادسية.

يقول الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، توبياس فون لوسوف، إنه عندما تحكم داعش في السدود على نهر الفرات قرب الفلوجة، استخدمها في الدفاع عن نفسه والهجوم على خصومه. ففي البداية أوقفت مليشيات التنظيم تدفق المياه لطرد القوات العراقية، وبعدها أطلق المياه ما تسبب بأضرار كبيرة وأرغم 60 ألفاً على النزوح.

وأشار الباحث الألماني إلى طريقة أخرى لعسكرة المياه من قبل تنظيم داعش، ففي ديسمبر من عام 2014 قام التنظيم الإرهابي جنوب تكريت بخلط المياه الصالحة للاستعمال بالنفط الخام.

ونقلت شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية عن مسؤولين في الأمم المتحدة قولهم إن نحو نصف مليون لم يستطيعوا الوصول إلى المياه الجارية خلال عمليات القتال في الموصل العراقية. ونقلت عن عضو مجلس بلدية الموصل، حازم الجبوري، قوله إن داعش قطع المياه عن العديد من الأحياء، وأوضح أن التنظيم يحرم الناس من المياه الصالحة للشرب في شرق الموصل، ويريد إجبارهم على التراجع معه من أجل استخدامهم كدروع بشرية.

وفي ليبيا، لم تختلف تكتيكات داعش عن نظيرتها في العراق وسوريا، فعندما دخل التنظيم إلى سرت الليبية، هرع إلى السيطرة على منظومة ضخ وتشغيل المياه التابعة لجهاز استثمار مياه النهر الصناعي.

وخلال عملية تحرير سرت، بحثت القوات المناهضة لداعش فكرة قطع المياه عن المناطق التي يتحصن بها مقاتلو التنظيم، بحسب ما ذكرت قناة "روسيا اليوم".

استغلال مياه الشرب في اليمن

وفي اليمن تتبادل قوات التحالف العربي بقيادة السعودية مع الحوثيين اتهامات باستهداف البنية التحتية لمياه الشرب خلال العمليات العسكرية، فقد كشف تقرير صادر عن منظمتي "عين" و"تحالف رصد" المعنيتين بحقوق الإنسان، أن قوات الحوثيين قامت من بين ما فعلته بانتهاك حقوق الانسان، باستهداف وتدمير مياه الشرب في محافظة البيضاء.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، فإن الاشتباكات بسبب المياه في اليمن صارت تقتل من الناس في السنوات القليلة الماضية، أكثر مما قتلت الاضطرابات التي تعصف بالبلاد منذ أربع سنوات وبلغت ذروتها بين عامي 2011 و2012.

واتهم موقع "تي تي يو" الفرنسي، التحالف العربي بقيادة السعودية، باستهداف ممنهج لمصادر تغذية المياه الصالحة للشرب في حربه على اليمن.

عرفة البنداري

كاتب مصري مختص في الشؤون الإسرائيلية وحاصل دبلوم دراسات عليا في الأدب الإسرائيلي.

التعليقات

المقال التالي