ترامب يحتفي بنفسه ويعلن يوم تنصيبه "يوماً قومياً للإخلاص الوطني"

ترامب يحتفي بنفسه ويعلن يوم تنصيبه "يوماً قومياً للإخلاص الوطني"

أصبح بإمكان الولايات المتحدة أن تتعايش مع حصولها على "رئيس عربي". تصلح العبارة التالية كردّة فعل أوليّة على نبأ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم تنصيبه في العشرين من يناير "عيداً قومياً للإخلاص الوطني".

بحسب الوثيقة التي نشرها مكتب التوثيق الفدرالي (مكتب تابع للحكومة لإدارة الأرشيف الوطني)، أعلن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة هذا اليوم من أجل "تعزيز روابطنا مع بعضنا ومع بلدنا - وتجديد واجبات الحكومة تجاه الشعب". وأضاف "نحن شعب واحد، يجمعنا مصير واحد وهدف مشترك... وعندما تفتح قلبك للوطنية، ليس هناك مجال للتحيز".

في السياق الأمريكي العام، بدا القرار لافتاً لجهة المناسبة نفسها كما لجهة الاسم "الإخلاص" الذي يستبعد ضمنياً من لم يوال الرئيس، لكنه لم يخالف السياق الترامبي، فبدا متوائماً مع الصورة التي قدّم بها ترامب نفسه منذ الحملة الانتخابية.

في هذا السياق، بدا ترامب كمن أراد أن يحتفي بـ"المخلصين" له الذين أوصلوه للحكم، في خضّم حملته ضدّ مؤسسات إعلامية تزوّر الحقائق وشعب مُضلّل وخصوم سياسيين خرّبوا البلاد كما وصفهم مراراً.

في إطار آخر، وبحسب مقال لمركز "أتلانتيك"، لم يكن ترامب وحيداً بين الرؤساء في اللجوء إلى إجراء مماثل، لكن "اللغة التي استخدمها" هي ما أحدث الفارق. على سبيل المثال، أعلن الرئيس السابق باراك أوباما في العام 2009 يوم تنصيبه "يوماً قومياً للتجديد والمصالحة"، داعياً جميع المواطنين إلى "خدمة بعضهم البعض وكذلك الهدف المشترك من أجل إعادة صياغة البلاد تماشياً مع القرن الجديد". كما كان يعلن 11 سبتمبر من كل عام "يوماً وطنياً".

لكن كلمة "الإخلاص الوطني" فيها كثير من الغموض والتنميق. يستبعد "أتلانتيك" أن يغرّد ترامب الكلمات نفسها التي تضمنها خطابه، الذي تشير تقارير إلى أن ستيف بانون والمستشار ستيفن ميلر قد كتباه، رغم إصرار الإدارة على أن الرئيس كتبه شخصياً.

ويرى المركز أن كلام ترامب الداعي للوحدة يتعارض مع شخصيته، فهو شخص فردي، تركّز خطاباته وكتاباته على قدرات الشخص الواحد - في الغالب هو نفسه - لإنجاز الأمور. وعندما يتكلّم عن أمريكا ككل، فهي تأتي في الإطار نفسه لـ"حركته"، التي تعكس صورته بالضرورة.

من جهة أخرى، يشير تقرير نشره موقع "سي أن بي سي" إلى أن الرؤساء في العادة يعلنون الأيام بشكل مسبق، بحيث يمكن التحضير لها ولفعاليات إحيائها. خالف ترامب، كالعادة، السائد وأعلن (في 23 يناير) يوماً وطنياً كان قد مضى أساساً (في 20 يناير).

ويوضح التقرير أن الرؤساء وبحسب القوانين يمكنهم لمرة واحدة أن يعلنوا يوم عطلة عبر أمر تنفيذي، بينما تترك مسؤولية تحديد هذا الأمر في العادة للكونغرس. في العام 2004، أصدر جورج بوش على سبيل المثال أمراً تنفيذياً يعلن وفاة رونالد ريغان يوماً وطنياً، في حين لم يتحول يوم 11 أيلول الذي أعلنه أوباما إلى عطلة رسمية كون الرئيس لم يستخدم الأمر التنفيذي.

وكانت مجلة "التايم" قد استعرضت مناسبات سابقة كان فيها الرؤساء قد أعلنوا فترات لتعزيز الوطنية، كما فعل جيمي كارتر في العام 1981، الذي أعلن أسبوعاً للفخر القومي. وفي العام 1982، أعلن الرئيس رونالد ريغان الأسبوع نفسه من فبراير مناسبة خاصة "للنظر في هذا المفهوم الذي أُسيء فهمه واستخدامه في بعض المرات". وقد دعا ريغان المدارس لتخصيص هذا الأسبوع لمقاربة الموضوع مع الطلاب.

ولكن تعزيز الفخر الوطني يمكن أن يتحول سريعاً إلى موضوع جدلي. في تلك الفترة، اعترضت بعض المدارس على اتباع القرار بسبب إشكالية عرضه وإمكانية تحوله إلى موضوع للانقسام.

في السياق نفسه، قد يمكن التغاضي عن فكرة يوم الإخلاص الوطني، لكن اختيار ترامب يوم تنصيبه لذلك، يناقض كل ما قاله عن الوحدة وتعزيز الروابط بين الأميركيين، فلهذا الربط بين اليوم والمناسبة أثر سلبي، إذ لا يمكن أن يكون سوى سبباً إضافياً في تعميق الشرخ بين الأميركيين. هؤلاء أنفسهم الذين استقبلوا ترامب بمخاوف عديدة وتظاهرات عنيفة، بينما بدأوا يشتكون من ازدياد الحوادث العنصرية والخوف من التضييق على الخصوم في السياسة وعلى كل من هو "غريب".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي