4 شهادات عن اختراق الأمن للأحزاب المصرية

لطالما ارتبط لقب "المخبر" في قاموس الأحزاب السياسية المصرية بسيرة الأشخاص التقليديين الذين يزرعهم الجهاز الأمني داخل مقار الأحزاب، بهدف التجسس على اجتماعاتها ومراقبة أعضائها، ليتطور هذا المصطلح مع الوقت إلى الشخص "الأمنجي"، ذاك الذي نجح الأمن في تجنيده ليصبح إحدى أوراقه الرابحة في تفكيك الحزب أو وضعه تحت السيطرة.

هذه العلاقة ظلت ممتدة إلى ما بعد ثورة 25 يناير، وزادت شراستها بأساليب جديدة بعد 30 يونيو.

لسنوات كثيرة خلت، استخدم الأمن تكتيك تفكيك الأحزاب السياسية بشق صفها وشطرها إلى جبهات متصارعة تفضي في النهاية إلى تجميد الحزب قضائياً وتعليق عمله أو السيطرة عليه لصالح أحد رجالاته، ليضمن عدم خروجه عن خط السلطة، مطبقاً سياسة "فرّق تسد".

هذه الطريقة اتبعها الأمن مع أحزاب عريقة مثل التجمع القومي والعمل الإسلامي والغد الليبرالي قبل ثورة 25 يناير، وأعاد اكتشافها مرة أخرى في الأيام الأخيرة مع حزب المصريين الأحرار، أحد أكبر الأحزاب الليبرالية التي تأسست عقب ثورة 25 يناير، إذ دفعت الخلافات إلى الإطاحة بالمؤسس رجل الأعمال نجيب ساويرس، المعروف بليبراليته الشديدة وانتقاده للحكومة المصرية، الأمر الذي وصفه الرجل بأنه عملية تأميم لحزبه.

المصريون الأحرار

"جميع الشواهد تؤكد أن رئيس الحزب عصام خليل تخلص من ساويرس بتعليمات أمنية لإبعاده عن الحياة السياسية تماماً وتغيير بوصلة الحزب من الدفاع عن الليبرالية ومبادئ 25 يناير التي تأسس عليها الحزب إلى دعم أجهزة الدولة" قال أحمد عبد ربه، عضو الهيئة العليا للحزب.

وربطت تقارير بين الإطاحة بساويرس وعدم رضاه عن مواقف كتلته البرلمانية تجاه سياسات الحكومة، خصوصاً أنه أنفق عشرات الملايين من الدولارات على الانتخابات النيابية ليصبح الكتلة الأولى في مجلس النواب بـ65 نائباً.

وأوضح عبد ربه لرصيف22 أن مواقف "خليل" بالاستقلال بإدارة الحزب عن مجلس الأمناء واتخاذ مواقف متراجعة في دعم قضايا الحريات والانحياز الدائم لمواقف الحكومة بهذه الطريقة، أثارت الشكوك بالرجل حول صلته بالأجهزة الأمنية، خصوصاً أنه يحظى بدعم من العميد السابق علاء عابد، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب ولجنة حقوق الإنسان، والذي تربطه علاقة جيدة بأجهزة الأمن.

حديث عبد ربه يدعمه حديث آخر للنائب عماد جاد، الذي انسحب من الحزب بعد خلاف مع عصام خليل وعلاء عابد، إذ قال إن "خليل" لا يملك رصيداً في الحياة السياسية، فهو بدأ مع تاريخ إنشاء الحزب في 2011، وقراراته نابعة من أجهزة أمنية تحركه لتفريغ الحزب من رموزه البارزة، وهو مهد لذلك بحصر تجديد العضوية السنوية للموالين فقط.

أقوال جاهزة

شارك غردزرع المخبرين وصناعة الموالين وسيلة أجهزة الأمن التاريخية لتفكيك الأحزاب المصرية

شارك غردالعقلية الأمنية في مصر تعتبر أن الناشطين سواء في الأحزاب أو المجتمع المدني جميعهم عملاء حتى إثبات العكس

مسار المصريين الأحرار لا يزال معلقاً، فساويرس يرى أنه تم الغدر به بعملية تأميم واضحة تدخلت فيها أجهزة الدولة، ويسعى لخوض جولة أخرى في ساحة المحاكم من أجل استرداد إمبراطورتيه التي أسسها بعد ثورة 25 يناير.

تتشابه تجارب الأحزاب التي نشأت بعد ثورة 25 يناير في تفاصيل تكوينها من مزيج النخبة والشباب، كما تبدو محاولات اختراقها من قبل الأمن متشابهة إلى حد كبير، غير أن الأجهزة الأمنية تضع في اعتبارها أهمية متابعة نشاط الأحزاب المعارضة وكوادرها ذات التأثير الإعلامي والاجتماعي.

المصري الديمقراطي

في 1 إبريل 2016، كان الدكتور محمد أبو الغار، الرئيس السابق للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أحد الأحزاب اليسارية التي تأسست بعد ثورة 25 يناير أيضاً، يتحدث من على منصة مسرح الهوسابير بوسط البلد، خلال مؤتمر تسليم قيادة الحزب لفريد زهران، وأقر بشكل صريح باختراق حزبه من قبل أجهزة الأمن، كحال الأحزاب التي لا يحبها الأمن لأنها تسبب لهم صداعاً كبيراً، بحسب تعبيره.

وعن شكل اختراق الأمن لحزبه، قال أبو الغار لرصيف22 باقتضاب: "الاختراق موجود لكنه محدود"، متابعاً: "الأمن يضغط على رجال الأعمال لعدم تمويل أنشطة المصري الديمقراطي المعارضة".

هذه وسيلة أخرى يلجأ إليها الأمن لتضييق الخناق على أحزاب المعارضة في مصر، لا سيما أنها جميعاً تعاني من ضعف مصادر التمويل في السنوات الأخيرة.

"العقلية الأمنية في مصر تتعامل على أساس أن الناشطين في المجال العام سواء في الأحزاب أو المجتمع المدني جميعهم عملاء حتى إثبات العكس"، قال أحمد فوزي، القيادي بالحزب المصري الديمقراطي، لافتاً إلى أن هذه المعتقدات راسخة لدى أجهزة الأمن المصرية منذ حقبة الستينيات، وتضخمت بشكل كبير في السنوات الأخيرة بعد ثورة 25 يناير، التي كانت بمثابة الكابوس بالنسبة للشرطة.

يقسّم فوزي شكل الاختراق الأمني في الأحزاب إلى نوعين، أحدهما تقليدي عن طريق زرع المخبرين الذين يدونون تفاصيل الاجتماعات ورصد أنشطة الحزب بما فيها حضور المؤتمرات وتسجيل الأشخاص الذين يترددون على الحزب، والنوع الثاني مهمته الرئيسية هو تولّي مناصب قيادية في الحزب، بهدف التأثير على قرارته ووضعه تحت سيطرة الدولة دائماً، وهو الأخطر على الأحزاب نظراً لتأثيره على مسار الحزب.

وروى فوزي: "في الفترة الأولى من تأسيس الحزب بين عامي 2011-2012 ظهر أشخاص يتصدرون الصفوف للزج بالحزب في مواقف مزايدة في اعتصامات ما بعد 25 يناير في معارك مع المجلس العسكري ومعارضة حكم الجيش، بعد ذلك هؤلاء اتهمونا بالخيانة لمعارضة النظام".

وأشار إلى الشخصيات التي لعبت أدواراً مزدوجة في الأحزاب خلال فترة اتسمت بالمواجهات العنيفة بين الأمن والمتظاهرين عقب استفتاء 19 مارس، مروراً بالاعتصامات المستمرة حتى أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء في نهاية العام الأول من الثورة المصرية، لافتاً إلى أن تلك النوعية كانت تدفع الحزب أيضاً لعدم خوض الانتخابات البرلمانية بدافع ثوري والتمسك بدماء شهداء محمد محمود بهدف تفريغ الساحة البرلمانية من المعارضين، "لكننا فزنا بـ19 مقعداً بسبب رغبتنا في التواجد"، أضاف.

اختلف التكتيك المتبع بعد 30 يونيو نوعاً ما، فبدلاً من تبني نغمة الحماسة الثورية أصبح دور هؤلاء الأشخاص هو إحباط أي محاولة لظهور خطاب معارض لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وشرح فوزي ذلك بقوله: "الأمن استخدم شخصيات جديدة ذات طابع ليبرالي حديث نوعاً ما، ساهمت بخطابها في تنفير المؤسسين من الحزب ودفعنا ثمنه بالانقسام بين تيار ليبرالي وآخر يساري، ما أدى إلى تهميش دور الحزب بأنه حزب لا يعارض ولا يحكم".

حزب الدستور

يبقى حزب الدستور، الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي في أبريل 2012 شاهداً على جميع وسائل الأجهزة الأمنية لاختراق الأحزاب، إذ ساهم تنوّع توجهات مؤسّسيه في تسهيل عمل الأجهزة الأمنية، كما يشرح خالد داود، العضو المؤسس في حزب الدستور والمتحدث الإعلامي السابق باسمه.

"الأمن عاد بشكل كبير بعد 30 يونيو ليراقب الأحزاب العصية على السلطة، وذلك من خلال تصعيد أشخاص معروفة علاقتهم بأجهزة الدولة سعياً إلى تغيير هوية الحزب من خط الثورة إلى دعم السلطة، بدعوى أن الخطاب المعارض لم يعد صالحاً"، قال داود لرصيف22 متذكراً عمل المجموعة التي أحدثت انقساماً بين فريق مؤيد للمشير عبد الفتاح السيسي ومنافسه حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية الماضية، إذ كانت تدفع إلى دعم الأول، لكن جاء قرار الأغلبية بدعم صباحي الذي خسر الانتخابات الثانية على التوالي.

وفي شكل آخر للتدخلات الأمنية في حزب الدستور، روى داود: "الأمن استخدم سياسة التهديد والترغيب في منع شباب الحزب مع شباب المصري الديمقراطي من السفر للحصول على دورات تدريبية في السويد وتشيكيا بعد 30 يونيو، إذ تحفظ الأمن الوطني على جوازات سفرهم من أجل الضغط عليهم للعمل لصالح أجهزة الدولة بدافع الانتماء للوطن وعدم المشاركة في أنشطة سياسية معارضة للنظام الحاكم، ووضعهم تحت ضغط مستمر بالحبس".

وبحسب داود، فإن المجموعة المحسوبة على أجهزة الدولة نجحت في تعطيل مسار الحزب الديمقراطي إلى حد كبير، فالحزب الذي عوّل عليه شركاء ميدان التحرير لقيادة الحكومة فشل في إجراء الانتخابات على مناصبه الداخلية منذ أكثر من عام بسبب الانقسامات.

وفقاً للشهادات التي جمعها رصيف22 من قيادات بعض الأحزاب المدنية، فإنهم على دراية جيدة بوجود المخبرين بينهم طوال الوقت، وهو ما أكسبهم خبرة التعامل مع تلك النوعية سواء بتهميش دورهم أو استخدامهم كوسطاء لإرسال رسائل إلى الأمن، بعضها للتضليل وأخرى للتأكيد على مضمون معين.

التحالف الشعبي الاشتراكي

لكن بعض الأحزاب قد تتخذ مواقف أكثر صرامة مع الأعضاء الذين يثبت تجنيدهم لصالح الأمن، كما يوضح مدحت الزاهد، القائم بأعمال رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، حينما أصدر قراراً بفصل عضوين من المستوى القاعدي أثبتت الشواهد تبعيتهما لأجهزة الأمن من خلال تسريب أخبار داخلية عن الحزب في العام 2014.

وقال الزاهد لرصيف22: "الحزب تعرض لمحاولات اختراق عديدة منذ تأسيسه عقب ثورة يناير، لكننا وضعنا آليات لمتابعة نشاط الأعضاء وأصبح من السهل فرز الأمنجية كما حدث في فصل العضوين".

وأشار الزاهد إلى أن الأحزاب البراغماتية أكثر عرضة للاختراق الأمني من الأحزاب المعارضة الفقيرة، لأن أعضاءها لا يدينون لها بالولاء، لافتاً إلى أن الفيصل في عملية الاختراق هو تمكين الأمن من الصعود إلى رأس الحزب.

الأجهزة الأمنية، من جانبها، لا تنفي اختراقها الأحزاب، فلا يزال أرشيف الصحافة المصرية محتفظاً بشهادة زكي بدر، وزير الداخلية الأسبق 1986 - 1990، عن مراقبته للأحزاب المعارضة، وإقراره بزرع أجهزة تنصت داخل منازل زعماء المعارضة، وأن أمن الدولة يحضر اجتماعات الأحزاب سواء المغلقة أو المفتوحة.

ومن الوقائع الشهيرة في الحياة الحزبية المصرية التي شهدت تدخل الأمن أيضاً، حينما دب الانقسام بين قيادات حزب الغد، الذي أسسه المعارض الليبرالي أيمن نور، في عام 2004، قبل ترشحه للانتخابات الرئاسية أمام الرئيس الأسبق حسني مبارك، حينها تدخل الأمن لاتهام نور بتزوير توكيلات تأسيس الحزب، للتخلص من نشاطه المعارض ضد الحزب الحاكم.

وظل الحزب الليبرالي أسيراً للانقسامات إلى أن انقسم بين أيمن نور وموسى مصطفى موسى، لينزع الحزب من سياقه المعارض إلى حزب آخر من دكاكين السلطة، بحسب وصف السياسيين المصريين.

التعليقات

المقال التالي