تمييز منتجات ومقاضاة وقوائم سوداء... قرارات أوروبية عاقبت إسرائيل

تمييز منتجات ومقاضاة وقوائم سوداء... قرارات أوروبية عاقبت إسرائيل

تصاعدت حدة الضغوط الدولية على إسرائيل في الفترة الأخيرة، في محاولات لكبح جماح انتهاكاتها الاستيطانية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

وبرزت عدة دول أوروبية على خط المواجهة، بفرضها بضع عقوبات على تل أبيب، رداً على تقاعسها في ملف إحياء عملية السلام المتعثرة عمداً.

إدانة استيطان وقائمة سوداء

في 23 ديسمبر الماضي، تبنى مجلس الأمن للمرة الأولى القرار 2334 لمطالبة إسرائيل بالوقف الفوري والكامل للاستيطان في الضفة الغربية وشرقي القدس من أجل حماية التكوين الديموغرافي للأراضي المحتلة.

القرار الذي تبنته مصر ثم سحبته، أحيته أربع دول هى نيوزيلندا والسنغال وفنزويلا وماليزيا، وحظي بموافقة 14 دولة من أصل 15، بعد امتناع الولايات المتحدة عن التصويت. كان منها دول أوروبية: فرنسا، وبريطانيا، وروسيا، وإسبانيا، وأوكرانيا، ونيوزيلندا. واعتبر إنشاء أي مستوطنة في الأراضي المحتلة بمثابة انتهاك صارخ للقانون الدولي.

وأبدى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ترحيبه بالقرار، واصفاً إياه بأنه خطوة مهمة، داعياً القادة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وسار على نهجه وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي أكد أن بناء المستوطنات يعوق فرص السلام، ويهدد مبدأ حل الدولتين.

وبينما رحب الفلسطينيون بالقرار الذي اعتبروه تعزيزاً لعزلة تل أبيب عن المجتمع الدولي، أعلنت إسرائيل عدم التزامها به، واصفةً الدول التي اتخذته بأنها "عصابة". وذهبت إلى أبعد من ذلك، متهمة إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالتواطؤ مع خصومه من خلف الكواليس.

وجاء التصويت تماشياً مع قرارات أوروبية للضغط على إسرائيل، منها الاعتراف بدولة فلسطين، فضلاً عن رفع محكمة العدل الأوروبية اسم حركة "حماس" من قوائم الإرهاب.

لم تكتف تل أبيب بذلك، بل استدعت جميع سفراء الدول أعضاء مجلس الأمن، ما عدا سفيري فنزويلا وماليزيا، لعدم وجود علاقات ديبلوماسية مشتركة، وسفير الولايات المتحدة لامتناع بلاده عن التصويت.

وألغى نتنياهو زيارة لوزير الخارجية السنغالي إلى إسرائيل، كانت مقررة في يناير الحالي، وأوقف جميع برامج المساعدات إلى داكار، بينما ألغى زيارات سفيرها وسفير نيوزيلندا غير المقيمين.

كما أعلنت إسرائيل تخفيض 6 ملايين دولار من تمويلها للأمم المتحدة في العام الجاري، مؤكدةً على لسان سفيرها داني دانون، أن لا حاجة لها لتموّل هيئات تعمل ضدها، بحسب تعبيره.

أقوال جاهزة

شارك غردإسرائيل مهددة بالانعزال دولياً، لإصرارها على التوسع الاستيطاني، وخسائرها بالميليارات

شارك غردحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDS ترعب إسرائيل... إليكم بعض إنجازاتها

وفي نوفمبر 2014، وضع الاتحاد الأوروبي قائمة سوداء بالأسماء غير المرغوب في دخولها أراضيه، وضمت مقيمين في مستوطنات مبنية في الضفة الغربية، على خلفية توصية من قناصل دول الاتحاد في القدس المحتلة ورام الله. كان ذلك بسبب تزايد أعمال عنف المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين في المنطقة “C”، لإرغامهم على ترك أراضيهم.

وأكدت لجنة الخبراء الأوروبية تزايد جرائم المستوطنين يوماً بعد آخر بشكل منهجي في ظل تهرّب من العقاب، وإغلاق سلطات الاحتلال نحو 90% من ملفات الاعتداءات في هذا السياق.

تمييز منتجات المستوطنات

بعد أيام من قرار مجلس الأمن، أصبحت فرنسا أول دولة تطبق قرار الاتحاد الأوروبي، الصادر عام 2015، والقاضي بوضع ملصقات تحدد مصدر المنتجات المصنعة في المستوطنات في شرقي القدس، والضفة الغربية والجولان، تختلف عن مثيلتها المكتوب عليها "صنع في إسرائيل". وهو ما ظهر في وسم "صنع في مستوطنات" داخل محل في إحدى ضواحي باريس، بحسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، الأسبوع الماضي.

وبموجب القرار الذي كانت فرنسا، فضلاً عن بلجيكا، والسويد، وإيرلندا، ولوكسمبرغ، ومالطا، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذه، لن تستطيع منتجات المستوطنات الاستفادة من امتيازات الاتفاق الجمركي بين إسرائيل والاتحاد.

ولم يمر قرار المتاجر الفرنسية مرور الكرام، فدعت السفارة الإسرائيلية بباريس المنظمات اليهودية في فرنسا، للمطالبة بإزالة هذه الإشارات، التي اعتبرتها رداً على رفض تل أبيب المشاركة في المؤتمر الدولي للسلام في باريس.

بينما تحدث وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت لإذاعة "أوروبا 1"، مشدداً على أن زيادة حجم المستوطنات يبعد أفق إقامة دولة فلسطينية، ويسير بها إلى طريق مسدود.

ووصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية القرار الفرنسي، الذى تراه بمثابة دعوة لمقاطعتها، بأنه "دعم للتطرف"، بينما وصف بنيامين نتنياهو الاتحاد الأوروبي بالازدواجية والنفاق ومعاداة السامية، مهدداً بأن الأمر ربما تكون له انعكاسات سلبية على العلاقات بين الجانبين، اللذين تمثل هذه المنتجات نسبة 1% من حجم التبادل التجارى بينهما.

قائمة العقوبات ضمت أيضاً، حسب ما نشر موقع "والا" العبري في منتصف 2014، منع الاتحاد الأوروبي استيراد الدواجن والبيض من المستوطنات، التي تشكل منتجاتها 5% من حجم المنتجات الإسرائيلية. وذلك عملاً بالمبادىء التوجيهية التي تنص على استثناء الأراضي المحتلة من أي اتفاق مع تل أبيب.

عقوبات اقتصادية

أوقف الاتحاد الأوروبي عام 2014 جميع أشكال التعاون مع الشركات التي ترتبط بمشاريع البناء الاستيطاني، وسط تهديدات بتعديل اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل.

وذكرت صحيفة "هاآرتس" في تقرير لها، في نوفمبر 2014، أن الاتحاد أعد سلسلة من العقوبات ضد تل أبيب، تضمنت فرض عقوبات على الشركات العاملة في المستوطنات، وقطع العلاقات مع المستوطنات والشخصيات الداعية لها، وأي شخصية ترفض علانية مشروع حل الدولتين، رداً على "استمرارها في اتخاذ تدابير تحمل تحدياً لإقامة دولة فلسطينية".

فضلاً عن ذلك، سحب صندوق التقاعد الحكومي النرويجي استثماراته من الشركات الإسرائيلية، المرتبطة بالبناء في المستوطنات، وفرض الصندوق السيادي النرويجي، وهو الصندوق السيادي الأضخم عالمياً، الحظر على التعامل مع الشركات الإسرائيلية.

وأوقفت شركة الاستثمار الهولندية PGGM تعاملاتها المالية مع البنوك الإسرائيلية، وتراجعت شركة المياه الحكومية في البلاد عن التعامل مع شركة إسرائيلية.

وقاطع بنك "دنسكا بانك" الأكبر في الدنمارك، و"نوردا" الأكبر في الدول الاسكندنافية، بنكي "مزراحي طفحوت" و"ليئومي"، بسبب أنشطتهما في دعم المستوطنات. وفي السياق نفسه، فرض البنك الأكبر في ألمانيا "دويتشه بنك" مقاطعة تجارية على بنك "هبوعليم" للسبب نفسه.

وقدّرت صحيفة "معاريف" حجم الخسائر من حملة المقاطعة بنحو 23.3 مليار دولار أميركي، في عامي 2013 و2014، فضلاً عن وقف 40% من الصادرات الإسرائيلية إلى أوروبا، وفقدان 36,500 فرصة عمل.

وأكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية حينذاك لـ"يديعوت أحرونوت"، عجز حكومته عن مواجهة حملة المقاطعة المتصاعدة، مشيراً إلى عدم وجود سلطة للعمل الدبلوماسي على معاملات الشركات التجارية، متخوفاً من تزايد حكم الضغط الاقتصادي على تل أبيب، مع استمرار البناء في المستوطنات.

وقال سفير الاتحاد الأوروبي لدى تل أبيب، لارسن فابورغ آندرسون، إن إسرائيل مهددة بالانعزال دولياً، لإصرارها على التوسع الاستيطاني، مؤكداً ثقته في تشكيل المستوطنات عقبة في ملف التسوية.

ومع تخوفهم من وصول بلادهم إلى مصير جنوب أفريقيا، إبان فترة الفصل العنصري، أكد مسؤولون إسرائيليون سعيهم إلى تسويق منتجاتهم في دول أخرى بخلاف أوروبا، لتخفيف الضغط على اقتصاداتهم.

دعاوى وتلويح بالمقاضاة

في مناسبة أخرى، حذرت مديرة قسم المنظمات الأوروبية في الخارجية الإسرائيلية، أفيفيت بار إيلان، من تفكير الاتحاد الأوروبي في تقديم دعاوى تعويض ضد تل أبيب، لمواصلتها هدم المنازل الفلسطينية، التي يمول الاتحاد بناءها ضمن مساعداته الإنسانية. وهذا ما انتقده سفير الاتحاد الأوروبي لارس فابورغ خلال اجتماع في الكنيست، قائلاً إن الاتحاد يساعد الفلسطينيين، في حين لا تقوم إسرائيل بواجباتها تجاههم.

وكشف بيان رؤساء بعثات دول الاتحاد في القدس ورام الله، عن حجم هذه المأساة، حين أشار إلى هدم نحو 866 منشأة، مولتها أوروبا منذ بداية 2016، ما جعل 1221 فلسطينياً بلا مأوى، ضمن 5704 فلسطينيين تأثرت أوضاعهم من هذه الممارسات.

وبخلاف التهديدات الأوروبية بالمقاضاة، فتحت المحكمة الوطنية الإسبانية تحقيقاً في مايو 2009 بشأن ارتكاب إسرائيل "جرائم ضد الإنسانية" في قطاع غزة عام 2002، حين قصفت طائرة من طراز "إف 16"، منزل القائد العام لكتائب عز الدين القسام حينذاك، صلاح شحادة، ما أدى إلى مقتله وزوجته و8 من أولاده، فضلاً عن آخرين معظمهم أطفال.

واتهمت المحكمة السلطات الإسرائيلية بعدم اتخاذ التدابير اللازمة لتحديد المسؤولية الجنائية في القضية. وهو القرار الذي اعتبره وزير البنى التحتية سابقاً بنيامين بن أليعازر، مثيراً للسخرية، ينحاز إلى جانب "المنظمات الإرهابية"، حسب زعمه.

علماً أن المحكمة نفسها أصدرت في نهاية 2015 مذكرة اعتقال بحق بنيامين نتنياهو و6 من مسؤولي حكومته حينذاك هم، إيهود باراك، وأفيغدور ليبرمان وموشيه يعالون، وإيلي شاي، وبيني بيغن، فضلاً عن الأدميرال مارون إليعازر، على خلفية الهجوم على أسطول الحرية عام 2010، الذي أسفر عن مقتل 10 نشطاء، ووقف وصول مساعدات إنسانية إلى غزة، في القضية المعروفة باسم "مافي مرمرة".

وأمر القاضي الإسباني خوزيه دي لا ماتا الشرطة والحرس المدني الإسباني، بإعلامه في حال وصول المسؤولين الإسرائيليين للتحقيق معهم، ورفع قضية ضدهم. وهو القرار الذى اعتبره المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، إيمانويل نحشون، عملاً استفزازياً، مؤكداً عمل حكومته على إلغائه.

المقاطعة الأكاديمية

لم تقتصر العقوبات الأوروبية على المجالين السياسي والاقتصادي فقط، بل امتدت إلى حظر التعاون مع إسرائيل في مجالات البحث العلمي والثقافة، ووقف تمويل هذه الأبحاث. ووقع 400 أكاديمي بريطاني على وثيقة لمقاطعة المؤسسات التعليمية الإسرائيلية، من جامعات وأكاديميات ومراكز علمية، كما وقع 700 فنان بريطاني على وثيقة مقاطعة أخرى.

وكان لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات المعروفة باسم BDS، التي بدأت في منتصف 2005، دور كبير في زيادة العزلة الإسرائيلية دولياً.

وأسفرت هذه الجهود عن تصويت رابطة الأساتذة الجامعيين في بريطانيا، على مقاطعة جامعتي حيفا وبار إيلان، لمشاركتهما في احتلال الأراضي الفلسطينية، وصوّت اتحاد الجامعات والكليات البريطاني في مؤتمره السنوي الأول عام 2007، لمصلحة مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية.

كما منعت بلجيكا إقامة معرض تل أبيب للكتاب، بضغوط من الصحافيين والمثقفين المناهضين للاحتلال، وأعلن 1400 أكاديمي إسباني مقاطعتهم الاحتلال، بينما منعت حكومة مدريد جامعة إسرائيلية من المشاركة في المسابقة الدولية للهندسة المعمارية، لوجودها في مستوطنة "آرئيل".

وكان لهذه الحملة صدى مخيف داخل الأوساط الإسرائيلية، فنقلت الإذاعة الإسرائيلية عن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، تحذيره من تصاعد نشاط BDS، واصفاً إياها بأنها "خطر كبير"، ودعا نتنياهو إلى "تجنيد يهود العالم" للمساهمة في وقف نشاط الحركة.

ومع تحرك اللوبي الصهيوني، وعلى رأسه الملياردير الأميركي شلدون ألدلسون، لتحجيم نشاط الحركة، بحملات لتبييض وجه "تل أبيب"، وملاحقة الناشطين المناهضين للاحتلال، سنّ الكنيست قانوناً يعاقب فلسطينيي الداخل بالحبس والتعويض في حال مطالبتهم بالمقاطعة.

لكن ذلك لم يمنع رئيس لجنة رؤساء الجامعات الإسرائيلية، بيرتس لافي، من التخوف على مستقبل تل أبيب نفسها جراء هذه الحملة.

كلمات مفتاحية
اسرائيل العالم

التعليقات

المقال التالي