أسبرطة في الخليج: الإمارات قوّة إقليميّة تتبلور

أسبرطة في الخليج: الإمارات قوّة إقليميّة تتبلور

اعتبرت دراسة لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أن دولة الإمارات العربية المتحدة من أهم اللاعبين على الساحة العربية، سواء في المجال الاقتصادي أو العسكري. ورأت أن الإمارات استفادت كثيراً من مواردها الهائلة، وعلاقتها بالولايات المتحدة، وسياستها البراغماتية تجاه الكثير من القضايا الإقليمية والدولية.

وخلصت الدراسة المنشورة في 28 ديسبمر 2016 وأعدها الدكتور يوئيل جوزنيسكي* وحملت عنوان "أسبرطة في الخليج: الإمارات كقوة إقليمية تتبلور" إلى أن الإمارات سوف تواصل استخدام مواردها الاقتصادية الهائلة وقوتها العسكرية بهدف التأثير على الاتجاه الذي يمضي فيه الفضاء العربي، وأن الجميع بات يخطب ود هذه الدولة الصغيرة التي ربما تسعى إلى دخول النادي النووي، بما في ذلك إسرائيل التي يدرك قادتها أن الإمارات هي اللاعب الأكثر أهمية في إطار الجهود لتعزيز العلاقات مع المجال العربي السني.

وهنا نص الدراسة:

غيّرت الاضطرابات التي شهدها الشرق الأوسط سلوك عدد من دول الخليج العربي وعززت من ثقلها السياسي، مع ضعف المراكز السياسية والعسكرية العربية التقليدية. الإمارات العربية المتحدة مثال بارز على ذلك، إذ رسّخت نفسها كلاعب أساسي في عملية إعادة تشكيل المنطقة. فبعد أن تصدت لتهديدات داخلية، أخذت الفيدرالية (التي تشمل إمارة أبو ظبي ودبي وعجمان والفجيرة ورأس الخيمة والشارقة وأم القيوين) على عاتقها تولي زمام المبادرة في التصدي لعدد من التحديات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي جلبها "الربيع العربي" معه.

عجّل انسحاب القوات البريطانية من "شرق السويس"، عام 1971، في إنشاء الإمارات على قاعدة سياسة "الساحل المتصالح". والآن، بعد 45 عاماً على ذلك، تركز الدولة صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، وصاحبة الجيش الأفضل تدريباً وتجهيزاً من بين جيوش العرب على تحييد التهديدات الإقليمية واستعراض القوة بعيداً عن حدودها.

تحتل العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة وكونها جزءاً من "مجلس التعاون الخليجي" موقعين رئيسيين في مفهوم الإمارات الأمني. لكن منذ اندلاع الاضطرابات الإقليمية، تستخدم جيشها بشكل متزايد. يرتبط تأكيد الذات الذي يميز سياستها الخارجية بشكل وثيق بشكوكها حيال مستقل الالتزام الأمريكي بأمنها، وكذلك بمخاوفها من تزايد قوة إيران والإسلام الراديكالي وتأثيرهما على استقرارها الداخلي. "لا يمكن أن ننعم بالاستقرار في الداخل والنيران تستعر من حولنا"، قال وزير خارجية الإمارات عام 2014.

"أسبرطة الصغيرة"

كجزء من هذا التوجه، دشنت الإمارات ميناءً بحرياً وميناءً جوياً في إريتريا على ساحل البحر الأحمر، لتصبح بذلك الدولة العربية الوحيدة التي تحتفظ بقاعدة عسكرية خارج أراضيها. وتفيد التقارير بأنها أقامت قاعدة عسكرية جديدة شرق ليبيا.

وبرغم أن جيشها صغير (قوامه نحو 50.000 جندي) فإنه مزود بأفضل الأسلحة الغربية ولديه تجربة عملياتية واسعة في أفغانستان والصومال والبوسنة. وقد لعبت قواتها دوراً حاسماً في قمع الانتفاضة الشيعية بالبحرين عام 2011 وشارك سلاحها الجوي في حملة إسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا.

ويساهم جيشها (الذي يضمّ أيضاً مرتزقة) بقوة في المعارك الجوية والبرية والبحرية المتواصلة ضد الحوثيين في اليمن، وهي الشريك العربي الأكثر فاعلية في التحالف ضد "الدولة الإسلامية" (هذا بشكل موازٍ لدعمها جماعات من المتمردين الساعين إلى إسقاط نظام الأسد).

بالإضافة إلى ذلك، أغار الطيران الإماراتي عدة مرات على أهداف في ليبيا، انطلاقاً من قواعد مصرية. وبجانب المساعدات المالية التي تمنحها لنظام السيسي، تسمح الإمارات لمصر باستخدام معدات عسكرية من إنتاجها، بما في ذلك طائرات متطورة بدون طيار، في شبه جزيرة سيناء.

أقوال جاهزة

شارك غردالجميع بات يخطب ود الإمارات، هذه الدولة الصغيرة التي تتحول إلى قوة إقليمية وربما تسعى إلى دخول النادي النووي

شارك غرددراسة إسرائيلية تصف الإمارات بـ"أسبرطة" وتعتبرها من أهم اللاعبين على الساحة العربية في المجالين الاقتصادي والعسكري

على عكس جيرانها العرب الذين يشترون أنظمة تسلح تظل غالباً بلا استخدام، تشتري الإمارات فقط ما تحتاجه وتحقق أفضل استفادة من هذه المشتريات حتى لازمتها تسمية "أسبرطة الصغيرة". يتمتع جيشها، وبالأخص سلاحها الجوي، بسمعة ممتازة ويحظى بثناء الغرب. فضلاً عن أنه، ومن خلال سماحها لسلاح الجو والبحرية الأميركيين بالعمل من أراضيها (نحو 5000 جندي أميركي ينتشرون على أرضها) ومن خلال مشتريات السلاح الضخمة، تسعى الإمارات إلى ردع إيران، وبشكل لا يقل عن ذلك تسعى إلى التقرب من واشنطن. كانت الإمارات هي الأولى التي تشتري نظام الدفاع الصاروخي المتطور "ثاد"، فيما تسعى الآن للحصول على المقاتلة إف-35.

النسبة بين تعداد سكانها البسيط (هناك نحو مليون مواطن من إجمالي 9 ملايين مقيم تقريباً) وبين الاحتياط النفطي الهائل (100 مليار برميل نفط مؤكد تقريباً)، يجعلها واحدة من الدول الغنية في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد.

هذه الثروة ساعدت ولي العهد، الحاكم الفعلي محمد بن زايد، على شراء الهدوء الداخلي. صحيح أن موجة الاحتجاجات الإقليمية أدت في عام 2011 إلى صحوة معينة في الأوساط الفكرية والشبابية بالإمارات. لكن تلك الاحتجاجات التي عبّرت عن نفسها في الأساس على شبكات التواصل الاجتماعي، جرى شلها منذ ذلك الوقت واستمرت الإمارات، فقمعت أي اضطرابات ممكنة، لا سيما تلك المحسوبة على الإخوان المسلمين.

بجانب القمع، وخوفاً من اندلاع احتجاجات في ضوء تراجع أسعار النفط في العامين الماضيين، جرى توزيع منح سخية على المواطنين، وخُصصت مساحة أكبر من مؤسسات الدولة للنساء والشباب.

العلاقات مع إيران

للتوترات بين الإمارات وإيران خلفية تاريخية سابقة للثورة الإسلامية في إيران، وتفاقمت في السنوات الأخيرة بسبب دعم إيران للحوثيين باليمن ونظام الأسد في سوريا. بالنسبة للإمارات، فإن إيران هي التهديد الرئيسي للاستقرار الإقليمي، ولا يتردد مسؤولوها في انتقاد الجمهورية الإسلامية لتدخلها المتواصل في الشؤون العربية.

وفي الوقت نفسه تحرص الإمارات على الحفاظ على علاقات تجارية طبيعية مع إيران، وتسعى إلى استغلال رفع العقوبات عن الأخيرة لزيادة حجم التبادل التجاري بين الدولتين.

وكونها ثاني أهم شريك تجاري لإيران، بعد الصين، اتخذت الإمارات موقفاً أكثر براغماتية من جيرانها تجاه إيران. وقد نبعت هذه السياسة من الخوف من أذى إيراني وعكست في الوقت نفسه مواقف مختلفة داخل الإمارات حيال إيران (تتخذ الإمارة الأهم أبو ظبي الموقف الأكثر تشدداً).

ورغم حجم التجارة الكبير مع إيران، تخيّم مسألة الجزر الثلاث على العلاقات بين الدولتين. احتلت إيران مع إخراج القوات البريطانية من الخليج ثلاث جزر إستراتيجية بالقرب من مضيق هرمز: أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى.

847410232_Path

في عام 1992 استولت إيران على أبو موسى، وطردت سلاح حرس الحدود، وانتهكت اتفاقية السيادة المشتركة بين الدولتين. في السنوات الأخيرة عمّقت إيران سيطرتها على الجزر، ولا تعترف بصلتها التاريخية للإمارات، وتدّعي أن ملكيتها لها غير قابلة للنقاش.

العلاقات مع السعودية

منذ بداية الاضطرابات في الشرق الأوسط، توطدت علاقات الإمارات بالسعودية، إذ تتعاونان في عدة ساحات. وساهمت العلاقات الشخصية بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، ولي ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، في توطيد العلاقات. كما ساهم تصور التهديد المشترك في ذلك التقارب.

كانت العلاقات بين الأسرتين الحاكمتين في الدولتين، آل نهيان وآل سعود، سيئة قبل وقت طويل من استقلال الإمارات، وكانت التوترات متكررة على خلفية الصراعات الحدودية، وكذلك الخلافات حول دور الريادة في الفضاء العربي وداخل "مجلس التعاون الخليجي".

لم يتلاشَ الارتياب المتبادل كليةً، رغم التهديدات المشتركة، وهو ما تجلى في الموقف المختلف لكل من أبو ظبي والرياض تجاه الإخوان ونظام السيسي في مصر. فأبو ظبي هي أقوى دعامة اقتصادية لمصر، وربما كانت لها يد أيضاً في وصول السيسي إلى الحكم.

التطور النووي

في نهاية 2017، إن لم يكن هناك تأخير، سيتم ربط المفاعل النووي الأول (من بين أربعة يجري بناؤها حالياً) بشبكة الكهرباء، وتكون الإمارات بذلك أول دولة عربية لديها برنامج نووي مستدام. ورغم أن لديها احتياطاً نفطياً من الأكبر عالمياً، تعتزم الإمارات تنويع مزيج الطاقة لديها، وهو يعتمد بشكل شبه كامل على الوقود الأحفوري.

إلى جانب الاستثمار في تطوير الطاقة الشمسية، أطلقت الإمارات خطة طموحة لتوليد الكهرباء باستخدام محطات الطاقة النووية، وتدور التقديرات أنه مع نهاية بنائها، سوف تضيف 5.6 جيجاوات إلى شبكة الكهرباء. وسوف يمنح نضوج المشروع النووي الإمارات هيبة كبيرة ويعزز من مكانتها الإقليمية تجاه إيران وجيرانها العرب.

تطرح الإمارات ذرائع قوية حول حاجتها للبرنامج النووي: الطلب المتزايد على الطاقة، الحد من الاعتماد على الوقود الملوث، وإطلاق المزيد من النفط للتصدير. صحيح أن الإمارات لا تمثل تهديداً، على المدى المنظور، في ما يتعلق بالانتشار النووي، لكن في المستقبل البعيد قد يكون لبرنامجها النووي مساهمة ردعية معينة، وقد تطرح علامات استفهام لدى خصومها حول إمكانية اشتمال برنامجها على أبعاد عسكرية.

تصاعدت أخيراً شكوك معينة حول استمرار الإمارات في التزامها بحظر تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، عقب توقيع الاتفاق النووي مع إيران وتصريحات أدلى بها مسؤولون إماراتيون حول هذه المسألة.

سوف تواصل الدولة استخدام مواردها الاقتصادية الهائلة وقوتها العسكرية بهدف التأثير على الاتجاه الذي يمضي فيه الفضاء العربي. أبدت الإمارات في الماضي ضبط نفس في إدارة العلاقات الخارجية، ووقفت في ظل الآخرين، لكنها الآن هي القوة المحركة للكثير من التغيرات الإقليمية ولاعب محوري في العديد من الساحات، ليس أقل من السعودية بل أحياناً أكثر منها.

الآن يدرك الكثيرون في العالم العربي وخارجه قدرتها على التأثير على مجرى التطورات الإقليمية ويسعون إلى استقطابها. أيضاً في القدس يدركون أنهم في إطار الجهود لتعزيز العلاقات مع المجال العربي السني، فإن الإمارات هي الهدف الأكثر أهمية.

*الدكتور يوئيل جوزنيسكي باحث في معهد أبحاث الأمن القومي، وباحث زائر في معهد هوفر، جامعة ستانفورد ومعهد إسرائيل.

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية وعضو في نقابة الصحافيين.

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي