أساليب الإغاثة تعوّد السوريين على الكسل

أساليب الإغاثة تعوّد السوريين على الكسل

أصبح عدد اللاجئين السوريين هو الأكبر بين كل مجموعات اللاجئين في العالم بسبب صراع واحد. وتحوّلت الأزمة الإنسانية السورية إلى الأزمة الأكبر على مستوى العالم منذ الحرب العالمية الثانية.

أشكال مختلفة للأزمة السورية

وككل الأزمات الإنسانية، لم تأخذ الأزمة السورية شكلاً واحداً ولا انتشرت في بقعة واحدة. فتوزّع السوريون المحتاجون إلى المساعدة في مناطق عديدة، بعضها يصعب الوصول إليها داخل سوريا، وأخرى يمكن الوصول إليها لكنها تتعرّض للقصف بشكل مستمر. هذا بالإضافة إلى نحو أربعة ملايين سوري توزّعوا في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر وشمال أفريقيا، ومئات الآلاف الذين اختاروا الانتقال إلى دول أخرى.

ولمواجهة هذه الأزمة غير المسبوقة في حجمها ونطاقها، تشكّلت منذ الأيام الأولى للأزمة السورية مبادرات ومشاريع، أخذ بعضها الطابع الفردي أو غير المؤسساتي، إلى جانب المبادرات التي تولتها المنظمات الإغاثية الاحترافية ووكالات الأمم المتحدة.

إطفاء الحريق

تركّزت السياسات الإنسانية في سوريا منذ بداية الأزمة على توفير الاحتياجات الأساسية، وخاصة الطعام والدواء والمأوى والتدفئة، إذ عملت مئات المنظمات إلى جانب المؤسسات الدولية على توفير السلل الغذائية والبطانيات للفئات المستهدفة داخل سورية، ودعم بناء المشافي والمستوصفات فيها، وتجهيزها بما يلزم من معدات ومركبات وتخصيص أجورٍ للكوادر العاملة فيها.

أقوال جاهزة

شارك غردالاتّكال على المساعدات وغياب فرص العمل عوّد السوريين على الكسل، ومنظمات الإغاثة هي المسؤولة الأولى

وعملت المنظمات الدولية، بتمويل من الحكومات المانحة، على تقديم هذه الخدمات بشكل منتظم للاجئين في مخيمات اللجوء في تركيا والأردن وكردستان العراق، وبشكل غير منتظم في لبنان حيث لا تتوفر مخيمات رسمية.

وإلى جانب الخدمات الحياتية الأساسية السابقة، بدأ التعليم مع نهاية عام 2012 يأخذ حصة متزايدة من المساعدات الإنسانية، حيث قامت منظمات إغاثية سورية ودولية بترميم مدارسٍ وبناء أخرى، ودعم المشاريع التعليمية، بما في ذلك وضع المناهج وطباعة الكتب ودفع أجور الطواقم التعليمية.

عندما تصبح الإغاثة نمط حياة

تتصف الإغاثة بأنها عمل مؤقت يتعامل مع حالة مؤقتة ناتجة عن ظروف استثنائية، ويمكن أن تكون هذه الظروف ناجمة عن صراعات مسلحة أو ظروف طبيعية، تدفع أشخاصاً عاديين ليكونوا في أوضاع غير عادية، يحتاجون فيها إلى مساعدة طارئة ومؤقتة.

لكن بعض الأزمات الإنسانية تتجاوز حالتها المؤقتة، وتتحوّل إلى حالة طويلة المدى، ومعها يتحوّل العمل الإغاثي من حالته الأصلية المحددة إلى نمط حياة طويل الأمد، وهو ما يمكن أن نُسمّيه بـ"الإغاثة المزمنة".

وتشكل حالة اللجوء الفلسطيني واحدة من أبرز حالات هذا التحوّل غير المعتاد في العمل الإغاثي. إذ تستمر أعمال الإغاثة التي تُقدّمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) منذ قرابة سبعة عقود. والأونروا هي وكالة الأمم المتحدة الوحيدة التي تُعنى بفئة محددة من الناس من بلد واحد، على خلاف بقية كل الوكالات.

وأدّت الإغاثة المزمنة كل هذه السنوات إلى ولادة أكثر من جيل في داخل المخيمات التي تحوّلت إلى مناطق سكن دائمة، واعتمد معظم سكانها على المعونات الإغاثية طوال حياتهم، وولد الكثير من اللاجئين في داخل المخيمات ودفنوا فيها.

وبالإضافة إلى النموذج الفلسطيني، هنالك العديد من نماذج الإغاثة المشابهة في باكستان والسودان وكينيا.

ورغم حداثة الأزمة الإنسانية السورية مقارنة بالأزمة الفلسطينية أو حتى الأفغانية، فإن مرور عدّة سنوات عليها يسمح بدقّ ناقوس الخطر من جهة، ويعطي مجالاً للتدخّل المبكّر من جهة أخرى.

تغيّرات سلوكية سلبية بسبب المساعدات

وتُظهر المراقبة الحثيثة للمجتمعات السورية المستفيدة من المساعدات، أنها بدأت تُعاني من الإشكاليات التي تُعاني منها المجتمعات المستقبِلة للإغاثة المزمنة، حيث فقد الأفراد الذين كانوا يُصنّفون أعضاء فاعلين في سوق العمل قبل الأزمة قدرتهم وأحياناً رغبتهم أيضاً في العمل.

وتُظهر مشاهدات العاملين في المنظمات الإغاثية السورية أن الكثير من الفئات المستهدفة داخل سوريا وخارجها بدأت بإظهار تغيّراتٍ سلبيةٍ في سلوكها تجاه المساعدات.

ففي عام 2011 كان العاملون في الإغاثة هم من يُلاحق المحتاجين، وكان متلقّو المساعدات يرفضون تصويرهم أثناء تسلمها. أما في عام 2015 فأصبح كثيرون يعرضون استعدادهم للتصوير مع المساعدات، واستعدادهم لإحضار أفراد آخرين من عائلاتهم وأصدقائهم للتصوير أيضاً، إنْ كان ذلك يمكن أن يُساعد في حصولهم على مساعدات أكثر.

كما زاد بشكل كبير عدد الحالات التي تطلب مساعدات ويتّضح أنها لا تستحق المساعدة، أو أنها تحصل في الوقت نفسه على مساعدات من جهة أخرى.

كذلك تظهر الوقائع أن عشرات الآلاف من السوريين في مخيمات اللجوء وفي داخل سوريا لم يُمارسوا أي عمل منذ سنوات، ويعيشوا على المساعدات الإنسانية التي تصلهم، مما أفقدهم القدرة على العمل، بل أفقدهم أخلاقيات العمل، فلم يعودوا قادرين على تحمل ساعات طويلة -مثل معظم من هم في سوق العمل في كل العالم- أو حتى على الاستيقاظ الباكر في الصباح.

إنّ الكثيرين من هؤلاء لا يملكون فرصاً لممارسة العمل أو على الأقل للمحافظة على سلوكيات العمل ولو في إطار شكلي، فالمؤسسات الإغاثية توفّر لهم احتياجاتهم المعيشية ولكنّ معظمها لا يقدّم أيّ دعم لبرامج تنموية أو مشاريع صغيرة يمكن لهذه الفئات العودة إلى سوق العمل من خلالها.

لماذا لا تجد التنمية مَن يدعمها؟

تتنوّع الأسباب التي تقف خلف توجّه المؤسسات الإغاثية والإنسانية بأنواعها إلى الدعم الإغاثي المباشر دون العمل التنموي. فالأخير يحتاج إلى سلسلة من الشروط القانونية والسياسية والأمنية التي تسمح للممول بالوصول إلى المناطق التي تُنفّذ فيها المشاريع، وتسمح بمقاضاة المتعاقدين، وتحمي أطراف العقد وموضوعه.

كما ينبغي أن يضمن الممول أن المشروع الذي سيقوم بدعمه لن يتعرّض للنهب أو التدمير أو القصف، بشكل عشوائي أو متعمّد، وهي شروط لا تتوفر في معظم المناطق داخل سورية.

كذلك فإن العمل الإغاثي المباشر هو عمل سهل وميسّر مقارنة مع العمل التنموي. فهو لا يتطلّب دراسات جدوى اقتصادية، ولا مهارات في إعداد المشاريع وتقييمها ودراستها، وتحليل العوائد، وتقييم التقارير المالية والأدبية، ولا يستلزم علاقة طويلة المدى مع المستفيد، إذ تنتهي العلاقة فيه بين المؤسسة الإغاثية والفئة المستهدفة بعد تسليمهم المساعدات مباشرة.

ويتناسب هذا التفضيل بصورة بالغة مع رغبات معظم المؤسسات الإغاثية، وخاصة السورية منها، إذ لا تملك هذه المؤسسات في معظمها موظفين محترفين يمكن أن يتولوا إدارة مثل هذه المشاريع. كما أنها تنسجم مع رغبات مَن يقدمون الدعم لهذه المؤسسات والذين يُفضّلون برامج إطعام المحتاجين وإيوائهم ومنحهم البطانيات، ولو كانت هذه البرامج ليوم واحد.

تفضيل العائدية المباشرة للدعم

ورغم الاختلاف الكبير بين دوافع المانحين الدوليين والمانحين الأفراد، فهم يتفقون على تفضيل العائدية المباشرة للدعم. فبرامج التدريب أو المنح الصغيرة قد لا تعطي تأثيرها الدعائي إلا بعد فترات طويلة، وقد لا يمكن قياسها أصلاً، عدا أن نطاقها محدود مقارنة مع الدعم الإغاثي. فبالمبلغ نفسه الذي يكفي لدعم مشروع صغير جداً يمكن توزيع 500 سلة غذائية، وبالتأكيد فإنّ الأخير يظهر وكأنه الخيار الأفضل لاستثمار المال.

وإلى جانب العوامل السابقة، تظهر العوامل السياسية، إذ إن مشاريع التنمية، وخاصة المتوسطة والكبيرة منها، تحمل أبعاداً ترتبط بالموقف من الأطراف المختلفة، ومن الحل السياسي للأزمة. وفي دول اللجوء ترتبط مشاريع التنمية برغبات الدول المستضيفة، والتي تنظر بعين الريبة عادة إلى مشاريع التنمية، باعتبارها مدخلاً لتوطين اللاجئين فيها.

إنقاذ المحتاج بوقف الإغاثة

تُعدّ إغاثة المحتاج من أنبل الأعمال التي حثّت عليها كل الأديان والثقافات، وهي قيمة ينبغي تعزيزها بشكل مستمر، على المستويين العام والخاص.

لكن هذه الإغاثة ينبغي ألا تخرج عن نطاقها المؤقت الذي وُجدت فيه، وألا تتحوّل إلى نمط حياة يجني على المتلّقين لها، ويحوّلهم إلى أشخاص معتمدين على الإعالة، بعد أن كانوا مساهمين في العملية الاقتصادية.

ولا تقتصر جناية الإغاثة الطويلة المدى على الحياة الاقتصادية للمتلقّين لها، بل تتعدّاها إلى سلوكهم الاجتماعي والنفسي، وإلى قدرتهم على الاندماج لاحقاً في المجتمع، وقدرتهم على تنشئة أسرهم بشكل سليم، وإلى نظرتهم لأنفسهم وللآخرين.

وبرغم كل المعوقات التي تقف أمام تنفيذ مشاريع تنموية للفئات السورية المحتاجة، فإنّ المؤسسات الإغاثية يمكن أن تقوم بخطوات أكبر نحو تنفيذ مشاريع جزئية بسيطة، وأن تُحضّر المتلقّين لليوم الذي ستتوقف فيه المعونات عنهم، وهو يوم سيأتي عاجلاً أو آجلاً، ويمكن أن يكون كارثياً عليهم إن لم يستعدوا له بشكل مسبق وممنهج.

التعليقات

المقال التالي