تونس تطلق الموجة الثانية من الربيع العربي

تونس تطلق الموجة الثانية من الربيع العربي

يمكن اعتبار أن ما تشهده تونس حالياً هو الموجة الثانية من الربيع العربي. فالبلد الذي انطلقت منه شرارة الربيع العربي يصرّ على أن يسبق باقي الشعوب في تحديد ملامح التاريخ العربي المعاصر.

لكن شكل الموجة الثانية يختلف تماماً عن شكل الموجة الأولى. لن تنطلق تحرّكات شعبية تواكبها ظروف تؤدي إلى تغيير في نظام الحكم، لأن الظروف التي كانت سائدة قبل خمس سنوات اختلفت تماماً. فمع انهيار تجربة الإسلام السياسي الإخواني، لم يعد من وجود لقوى سياسية منظمة يمكن المراهنة عليها من أجل أن تقود مسيرة التغيير، ومع انفلاش ظاهرة الإسلام الجهادي لم يعد من الممكن تحدّي مؤسسات الجيش حتى النهاية، والقوى الأمنية السيئة الصيت صارت تجمعها بالفئات الشعبية مطالب زيادة الأجور...

الموجة الثانية ستكون حقيقية أكثر وستطال أكثر ممّا طالته الموجة الأولى التي علقت عند سقف شكل النظام الظاهر، أي رأسه. الموجة الثانية ستواجه ما يصطلح على تسميته بـ"الدولة العميقة"، ولهذا لا يمكن أن ننتظر انتصارات واضحة. كل تغيير قد يأتي سيكون إلى حد بعيد لامرئياً ما دامت الدولة الحقيقية، الدولة العميقة، غير مشخّصة بشكلٍ كافٍ. سنكون أمام معارك حادّة ولكن حول قضايا جزئية.

أقوال جاهزة

شارك غردالموجة الثانية من الربيع العربي ستشمل أكثر ممّا شملته الموجة الأولى التي وقفت عند إسقاط رأس النظام

شارك غردالبلد الذي انطلقت منه شرارة الربيع العربي يصرّ على أن يسبق باقي الشعوب في تحديد ملامح التاريخ العربي المعاصر

بدأ الربيع العربي مع نوعين من المطالب: الحرية والعدالة الاجتماعية. وبالتأكيد لم يتحقق أيّ منهما. ولكن ما تحقق هو خلخلة المقايضة السابقة التي قامت على استغناء الشعب عن حريته مقابل بعض التنفيعات والخدمات. صار الشعب طامحاً إلى أكثر من ذلك، ولم يعد يريد التخلّي عن حريته، خاصةً أن أحد أشكال القمع التي اختبرها خلال السنوات الخمس الماضية هو القمع بسبب المطالبة بتحسين مستوى عيشه.

من ناحية ثانية، اختلف شكل الشقّ الآخر من المقايضة بين السلطة وبين الشعب وهو الذي كان يحدّ من الحرية مقابل تأمين الأمن. انفلاش ظاهرة الإسلام الجهادي سحب من السلطة المركزية احتكار أدوات العنف والقمع وحوّلها، بشكل أو بآخر، إلى أدوات اجتماعية أيضاً. وصارت عملية استعادة الأمن المفقود مسألة اجتماعية بامتياز تحتاج إلى إشراك الشعب فيها بشكل فعّال. وإن كانت السلطات العربية لم تتوصّل إلى هذه القناعة بعد، ولكن المقايضة السابقة تخلخلت أيضاً لأن السلطة لم تعد قادرة على عطاء الأمن ما يعني أن الشعب لن يتخلّى عن حريته من أجل "أمن مفقود".

رضا اليحياوي، الشاب التونسي الذي أطلق موته الموجة الجديدة من الاحتجاجات الشعبية في تونس، قُتل بصعقة كهرباء بعد تسلّقه عمود كهرباء أمام مقر محافظة القصرين احتجاجاً على سحب اسمه من قائمة توظيف. هو وبقية المحتجين كانوا يعترضون على ما اعتبروه "تلاعباً" بقوائم التوظيف بسبب الفساد والمحسوبيات.

خلال خمسة سنوات بعد الثورة، استطاع خطاب المجتمع المدني الذي يتحدث عن مكافحة الفساد والشفافية والمحاسبة أن يصل إلى كل الفئات الشعبية. الأمر لم يكن كذلك خلال الموجة الأولى من الربيع العربي، وهذا يعني أن الموجة الجديدة ستكون قادرة على بلورة مطالبها بشكل أفضل من مطالب العام 2011 الشديدة العمومية.

ولكن الخطاب نفسه، أي خطاب المجتمع المدني وجمعيّاته، يمعن في تبسيط الأزمات ويصوّر للناس أن تردي أوضاعهم الاقتصادية هو فقط نتيجة سوء السياسات الاقتصادية العامة وأن أحوالهم يمكن أن تتحسّن بمجرّد قرار. ويأتي هذا الخطاب التعميمي في مقابل خطاب السلطة التعميمي الذي يقول للناس إن أيّ تحسين لظروف حياتهم يحتاج إلى وقت طويل دون أن تصدر عنها أيّة خطط تنموية تختلف عمّا كانت تتبنّاه الأنظمة السابقة.

خلال الاحتجاجات، حدثت أعمال شغب وتعديات واعتداءات على مراكز شرطة، وهذا الأمر حدث مثله في احتجاجات أواخر 2010 وبدايات 2011. ولكن الآن، صارت هذه الأعمال تخيف الناس والقوى السياسية والاجتماعية لأنهم يخشون من استغلال الإسلاميين المتطرفين للفوضى. مستوى انتشار توجّس التونسيين من هذا الأمر كان لافتاً جداً في الأيام الماضية، ولهم الحق في الخوف إذ تكفي نظرة سريعة على جوارهم الليبي، كي لا نذهب أبعد، لتفهّم مخاوفهم.

ولكن هنا ينبغي وضع نوع من مؤشرات جديدة تسمح لنا بتبرير المخاوف أو بعدم تبريرها وذلك كي لا يتحوّل الخوف المستشري بلا سبب إلى نوع من ممارسة المجتمع رقابة على ذاته في خدمة السلطة، وإلى نوع من رفض لكل حركة احتجاجية ضد السلطة. فالكلام عن "مندسين" هو كلام عام يمكن استخدامه في أي وقت من الأوقات لقتل كل حركة تقول "لا".

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي