داعش صناعة أمريكية فاخرة؟

داعش صناعة أمريكية فاخرة؟

هل عندك شك أن داعش صنيعة أمريكية؟ لو سألت هذا السؤال لعربي في بغداد أو دمشق أو القاهرة أو غيرها من العواصم العربية، فسيأتيك الرد في غالبية الحالات بالنفي. معظم العرب يرون داعش كياناً غريباً دخل بيئتهم على حين غرة، لينفذ مهمات قد يبدو بعضها واضحاً، وبعضها الآخر مجهولاً ستبيّنه الأيام المقبلة.

وقد رصدت صحيفة نيويورك تايمز انتشار هذه القناعة في صفوف العراقيين، في مقال لها نشرته بعنوان "في العراق الشكوك عميقة في أن داعش هي فعلاً صنيعة السي آي إيه". في هذا المقال يورد المحرر ديفيد كيركباتريك، وهو خبير في شؤون الشرق الأوسط، كيف لاحظ ترسخ هذه القناعة لدى العراقيين، بدءاً من المواطن العادي وصولاً إلى مستويات عليا في الحكومة العراقية. وهذا المقال عيّنة لما يمكن أن نسمعه من تفسيرات لظهور داعش عند بقية العرب.

أقوال جاهزة

شارك غرد هل عندك شك أن داعش صنيعة أمريكية؟ لو سألت هذا السؤال لعربي، فسيأتيك الرد في غالبية الحالات بالنفي

شارك غردداعش هو الابن الشرعي للفشل الاستراتيجي للسياسات الأمريكية في المنطقة

وإذا ما نحّينا جانباً الميل العربي الدائم لنظرية المؤامرة في تفسير وتبسيط ما يحدث في عالمنا العربي من أزمات وحروب، فإننا لا نزال نواجه أسئلة محيرة تحتاج إلى إجابة. فهذا التفجر للبركان الداعشي في منطقتنا عسكرياً وأيديولوجياً، وقد وصلت حممه القاتلة إلى قلب أوروبا، لا يزال يحتاج لتفسير أبعد من كونه مجرد هوس ديني طائفي استثمر ظروف الحرب في العراق وسوريا.

إن متابعة هادئة لجذور هذا التنظيم قد توصلنا إلى صورة أوضح وأدق من أي تبسيط مخل بالحقيقة. فالجهاد الإسلامي كفعل منظم وواجب ديني، تجمد منذ قرون بحكم عوامل عدة، منها نشوء دول عربية على أساس قومي وطني. ولهذا لم يعلُ صوت الإسلام السياسي إلا بعد نكسة حزيران 1967. ومن ثم اكتسب المد الديني زخماً أقوى بعد ثورة الخميني في إيران، وإرساء أول نموذج ثوري إسلامي في العالم الإسلامي وعلى حدود العالم العربي. أما التكريس الحقيقي لفكرة الجهاد، فقد جاء على يد الأمريكيين الذين وجدوا في الدين حليفاً طبيعياً ضد الاتحاد السوفياتي الكافر الذي غزا أفغانستان.

من هنا بدأ الحشد الديني برعاية دول إقليمية صورت القتال في أفغانستان على أنه غزوة مباركة، جعلت الشباب المسلم يشعر وكأنه ذاهب ليقاتل في غزوة بدر الكبرى. إلا أن المشكلة أن هذه الغزوة كانت تحت راية السي آي إيه، وبتمويل من أثرياء عرب وحكومات خليجية، ظنت حينذاك أنها تدفع خطر الشيوعية عن المنطقة. وفات الجميع أنه يمكن لقعقعة السلاح أن تهدأ، ولكن نار الجهاد المقدس التي أوقدتها فتاوى وعاظ السلاطين، قد تتحول إلى لهب حارق يبحث عن عدو جديد لله ورسوله ليحاربه، وبالفعل وجد ضالته في الغرب المشرك بعد أن سقط الاتحاد السوفياتي الكافر. وهكذا ظهرت القاعدة بقيادة حليف أمريكا السابق أسامة بن لادن. انقلبت الموازين وأصبح حليف الأمس عدو اليوم.

وكانت هذه هي كارثة الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، التي لم تدرك جيداً خطورة العبث بالأفكار الدينية، وأن الاستغلال التكتيكي لها قصر نظر سياسي، لأن شحن الشباب بفكرة الجهاد في سبيل الله، لا يمكنه أن ينتهي بزوال السبب السياسي. خصوصاً أن المنطقة العربية تعاني من تصحر أيديولوجي، وليس أمام الشباب سوى الفكر الديني ليثبتوا هويتهم، ويبنوا مشروعهم المستقبلي الخاص، حتى ولو كان معبّداً بالدماء.

جاء غزو الكويت وما تلاه من حضور للقوات الأمريكية في الخليج، ليزيد من حدة المواجهات. ففي التسعينات شاهدنا هجمات عدة على مصالح أمريكية مثل السفارة الأمريكية في نيروبي، وبعدها على المدمرة كول، وصولاً إلى هجمات سبتمبر، التي غيرت من نطاق المواجهة بشكل درامي. جاءت الكارثة الكبرى في غزو العراق الفوضوي، وما تلاه من فراغ أمني وسياسي وعسكري، جعل العراق قبلة لكل معتنقي الفكر الجهادي. وبدعم من أطراف سنية عربية في المنطقة، بدأ الفصل الجديد في استعمال سلاح الحرب الطائفية ضد النظام الجديد في العراق. واستعرت المواجهة بين ميليشيات شيعية مدعومة من إيران وتنظيمات جهادية سنية، اعتمدت على متطوعين عرب وبقايا النظام البعثي الذي وجد نفسه ملقى على قارعة الطريق بعد الغزو. وهنا ظهر تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي، وهو الأب الشرعي لداعش.

كان الزرقاوي يتبع مرجعية أسامة بن لادن، ولكن بعد مقتله في غارة أمريكية، ووصول أبو بكر البغدادي إلى قيادة التنظيم، انشق التنظيم عن قيادة الظواهري وأصبح، بعد أن انتقل إلى سوريا، أحد أشد التنظيمات شراسة ودموية في الحرب السورية، معلناً نفسه دولة العراق والشام الإسلامية. وقد ساعده في النمو فيض الأموال التي كانت تأتي من مانحين في دول الخليج، والحدود المفتوحة على مصراعيها من جانب تركيا للمقاتلين العرب والأجانب، من شيشان وأفغان وغيرهم، لينضموا إلى القوة المتنامية لداعش. وبعد أن استولى التنظيم على حقول نفط سورية، وفي ما بعد عراقية بعد سقوط الموصل، أصبح بإمكانه أن يوفر لنفسه تمويلاً ضخماً يقدر بـ500 مليون دولار سنوياً. تأتي هذه الأموال من بيع النفط إلى سماسرة محليين يبيعونه لدول مجاورة في المنطقة، إضافة إلى ما يجنيه التنظيم من رسوم جمركية وضرائب، وبيع الآثار وأموال الفدية لمن يخطفهم التنظيم.

السؤال الملح الآن: أين كان الأمريكان حين كان تنظيم داعش ينمو ويزداد وحشيةً وقضماً للأراضي والأرواح؟ لماذا لم تضغط الولايات المتحدة على حلفائها الذين ساندوا المسلحين المتطرفين كما قال نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن؟

قد يبدو غريباً للقارئ العربي أن يعرف أن للولايات المتحدة حدوداً في الضغط على حلفائها في المنطقة. وفي ظل إدارة أوباما، التي عاشت منذ اليوم الأول لها في البيت الأبيض في ظل كابوس أفغانستان والعراق والرغبة في الانسحاب من الشرق الأوسط، فإن هذا النفوذ تراجع أكثر. وبدت رغبة القوى السنية المسكونة بهوس التمدد الإيراني في ضرب حلفاء إيران بأي شكل أقوى من أن تُكبح. ولهذا وافقت أمريكا أو لنقل غضت النظر عن شحنات الأسلحة والأموال والحدود المفتوحة، التي بنت كيان داعش الجديد، بعد أن تلقى ضربات موجعة في العراق أجبرته على الرحيل إلى سوريا.

مقالات أخرى

"الرقة تذبح بصمت": داعش يرجعها للقرون الوسطى

من مجاهدين في سبيل "الراب" إلى مجاهدين في سبيل "الربّ"

وبما أن إدارة أوباما تفتقد لتصور استراتيجي واضح للتعامل مع الوضع السوري فهي لم تكن في وضع من يسمح باقتراح بديل لدعم المعارضة المقاتلة ضد الأسد، حتى وإن كانت مدرجة لديها على قوائم الإرهاب. لقد حاولت الإدارة الأمريكية أن تدعم "المعارضة المعتدلة" بالمال والسلاح والتدريب، لكن برنامجها لم يكن سوى فشل ذريع. قامت المخابرات الأمريكية بالتعاون مع المخابرات البريطانية بشحن كميات كبيرة من السلاح إلى الجيش السوري الحر من ليبيا، لتقع كميات كبيرة من هذه الأسلحة في ما بعد في أيدي المتشددين الإسلاميين. وكما أوضح الرئيس بوتين في حديث لاحق، فإن القتال في سوريا أصبح قتال مرتزقة يقاتلون مع من يدفع أكثر ويبيعون السلاح لأعلى سعر.

 داعش صناعة أمريكية - فوائد ومضار صناعة داعش

إن داعش هو الابن الشرعي للفشل الاستراتيجي للسياسات الأمريكية في المنطقة، والصراع الطائفي والتحجر الديني الذي يعاني منه العرب. ولو أن المخطط الأمريكي تعلم من دروس الأمس واستطاع أن يكبح جماح الحرب الطائفية بالوكالة، لما تفجرت بحور الدم في المنطقة بل حتى في قلب أوروبا. وها نحن نرى تبعات تلك الأخطاء تتمثل في تنامي خطر الإرهاب العالمي، الذي وصل إلى عواصم الغرب بسبب ما تصدره لنا حرب سوريا من قنابل بشرية وسموم أيديولوجية، قد تستنزف من طاقة الغرب والشرق الكثير قبل أن يتم تحجيم خطرها أو القضاء عليها.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي