كيف تحوّلت مدينة بنقردان التونسية إلى مصدر للجهاديين؟

كيف تحوّلت مدينة بنقردان التونسية إلى مصدر للجهاديين؟

منذ العام 2013، تحولت تونس إلى أكبر مصدر للجهاديين في العالم. في سوريا والعراق وليبيا وغيرها من بؤر التوتر يحضر المقاتلون التونسيون بكثافة تحت راية "الجهاد المقدس". تتوزع أصول المقاتلين التونسيين مناطقياً على كامل خارطة البلاد، فيما تعتبر مناطق بعينها أكثر تصديراً للشباب المقاتل وأهمها بلدة بنقردان، التابعة لمحافظة مدنين، جنوب شرق البلاد.

تعتبر المدينة الصغيرة الواقعة على الحدود مع ليبيا، أحد المعاقل التاريخية للتيار الجهادي في تونس. فمنذ بداية القرن الحالي دأبت على تصدير أبنائها كمقاتلين في صفوف الجماعات الجهادية، وازدادت الوتيرة عقب غزو العراق عام 2003. حتى أن زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، أبو مصعب الزرقاوي، قال في إحدى خطبه: "توجد مدينة صغيرة في تونس تسمى بنقردان لو كانت قرب الفلوجة لحرّرت العراق".

وحين بدأت الأزمة السورية، غادر العشرات من أبناء المدينة للانخراط في صفوف التنظيمات الجهادية. وأول دفعة من القتلى التونسيين في سوريا كانت من بنقردان، وسقطوا في صفوف كتيبة الفاروق التابعة للجيش السوري الحر في حمص، بداية العام 2012، وهم حسين مارس (34 عاماً)، ومحمد لافي (26 عاماً) ووليد هلال (21 عاماً) وبولبابة بوكلش ومحمد الجراي.

لاحقاً، ومع تشكل جبهة النصرة، صار شباب المدينة يفضلون الالتحاق بالجبهة كتنظيم يقاسمونه أفكاره السلفية الجهادية. وقضى كثيرون خلال المواجهات المسلحة أو لتنفيذهم عمليات انتحارية، ومنهم الأزهر ضيف الله، المكنى بأبي الربيع التونسي، الذي قتل في مارس 2013 خلال عملية اقتحام لأحد مراكز النظام السوري الأمنية، والهادي القديري الذي قتل خلال مواجهات في بلدة بداما في ريف جسر الشغور في محافظة إدلب، قريباً من الحدود السورية التركية.

الدوافع والأسباب

كغيرها من بلدات الجنوب التونسي، تتميز بنقردان بنظام اجتماعي ذي طبيعة قبلية محافظة ويشغل العامل الديني حيزاً كبيراً من تفكير أهلها. برغم ذلك، فإن نظيراتها من القرى والمناطق المجاورة لم تشتهر بتمدد التيار الجهادي، أفراداً وأفكاراً، فيها.

الصحافي وابن المدينة، شريف زيتوني، لفت إلى أن الأفكار الجهادية حديثة الوجود في المنطقة. وقال لرصيف22: "تغلغلت هذه الأفكار داخل المدينة تقريباً منذ أحداث سبتمبر 2001، حين انبهر قطاع كبير من الشباب بتلك العملية واعتبروها بطولية. وساعدت على ذلك ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة والانتقال، منذ سن الـ16 سنة وربما قبل، للعمل في التهريب على الخط الحدودي مع ليبيا، ما جعل الشباب فريسة سهلة لتلك الجماعات التي راحت أيضاً، في تلك الفترة، تبث أفكارها عبر قنوات فضائية".

وأضاف: "لكن البروز الحقيقي للظاهرة السلفية في بنقردان كان بعد غزو العراق والإطاحة بنظام صدام حسين. وباعتبار أن المدينة منطقة حدودية فإن عملية تسفير الجهاديين كانت سهلة نسبياً. وصرنا نسمع كثيراً عن ذهاب أبناء المدينة للقتال في صفوف بعض التنظيمات الموجودة في العراق، وصرنا نسمع عن قتلى يسقطون. بل هناك عائلات احتفلت حتى بـ"استشهاد" أبنائها وأقامت الولائم. وبقيت الظاهرة تتسع منذ تلك الفترة إلى اليوم. والآن يلتحق العديد من الشباب بمختلف الحركات الجهادية المنتشرة في سوريا".

ورأى زيتوني أن "ما جعل بنقردان تتحول إلى مركز تجنيد كبير للمقاتلين، هو وجودها على خط تماس مع ليبيا التي تعيش أزمة أمنية كبرى منذ سقوط نظام القذافي وسيطرة بعض التنظيمات المتطرفة على أجزاء من البلاد".

ويعلل الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، عبد الستار العايدي، هذه الظاهرة بهيمنة الروابط القبلية والعائلية المتينة، ويضيف لرصيف22: "حين ينتقل أحد أفراد العائلة للقتال في سوريا أو العراق، يصبح نموذجاً مؤثراً في بقية الأفراد. وإلى جانب الطبيعة الجغرافية للمدينة الواقعة على الحدود الليبية والتي تعيش اقتصادياً واجتماعياً من المعبر الحدودي، عمقت الأوضاع الأمنية والتغيرات التي عاشتها ليبيا منذ العام 2011 المشكلة، فأصبحت فرص الانتقال للتدرب على السلاح والالتحاق بالتنظيمات الجهادية أكثر سهولة".

سبق تاريخي

لم ينتظر أبناء بنقردان "الربيع العربي" وضعف سلطة الدولة المركزية في تونس كي يلتحقوا ببؤر التوتر العربية. وكانت دربهم إلى العراق، للالتحاق بصفوف تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ولاحقاً بصفوف دولة العراق الإسلامية، تمرّ عبر سوريا، وهذا ما كشفته وثائق "سنجار" التي عثرت عليها القوات الأمريكية عام 2008، وتحوي سجلات المقاتلين العرب في القاعدة.

يُذكر أن قسماً آخر من أبناء المدينة لم يتمكن من دخول العراق عبر سوريا فيمم وجهه شطر لبنان، وتحديداً إلى مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمالاً، للانتماء إلى تنظيم فتح الإسلام، التنظيم الإرهابي الذي سيطر على المخيم وخاض معركة عسكرية ضد الجيش اللبناني. وقد أسفرت هذه المعركة عن القضاء على التنظيم.

وفي سبتمبر 2007 أحال النائب العام التمييزي اللبناني إلى القضاء 10 تونسيين كانوا يقاتلون في صفوف فتح الإسلام، بينهم ثمانية من أبناء مدينة بنقردان، بتهم تتعلق بارتكاب عمليات إرهابية وحيازة أسلحة ومتفجرات. وفي الفترة نفسها كانت الأجهزة الأمنية التونسية قد فككت عشرات الخلايا، التي كانت تنشط في استقطاب الشباب وتسفيرهم للقتال في العراق.

نشر هذا المقال على الموقع بتاريخ 14 مارس 2015

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
إرهاب تونس داعش

التعليقات

المقال التالي