لماذا "يتدعوش" المسلمون في أوروبا؟

لماذا "يتدعوش" المسلمون في أوروبا؟

في نهاية شهر يونيو 2015، أعلنت الشرطة البريطانية أنها تعتقد أن عائلة منّان البريطانية من أصل باكستاني، والمكوّنة من 12 فرداً، قد غادرت بيتها في مدينة لوتن متّجهة إلى سورية. وبالفعل، أصدرت العائلة بياناً يوم 3.7.2015 قالت فيه إنها وصلت إلى أرض "الدولة الإسلامية"، وحثّت بقية المسلمين على فعل الأمر نفسه.

عائلة منّان هي آخر حالات الهجرة الجماعية من الغرب إلى الأرض التي يُسيطر عليها تنظيم داعش. اتخذت قرارها في وقت تهرب من جحيم التنظيم آلاف العائلات المسلمة من العراق وسورية، وتحاول الوصول إلى أوروبا بأيّة طريقة بحثاً عن مكان آمن.

تزايد مؤيدي داعش في أوروبا

وبالإضافة إلى الذين انضموا إلى التنظيم، هناك الكثير من المسلمين في أوروبا ممن يؤيّدون داعش، ويدافعون عن أفكاره بشكل معلن أو في المجالس الخاصة، دون أن يكونوا مستعدّين للتخلي عن امتيازات الحياة الأوروبية والانضمام إلى التنظيم. ففي بريطانيا وحدها، أظهر أكثر من استطلاع للرأي بين المسلمين هناك أن ربعهم تقريباً يتعاطف مع داعش.

وقد شكّلت الدوافع التي تحفّز الأوروبيين، والغربيين عموماً، على الانضمام إلى داعش، محوراً لانشغال وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث خلال العام الماضي، وتراوحت إسهامات هذه المؤسسات بين التحليل الاجتماعي السياسي والديني العميق، وبين الاستنتاجات السطحية، من قبيل أن أكل اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية يدفع للانضمام إلى داعش.

ما هي أهم الدوافع وراء "تدعوش" (تأييد داعش) المسلمين في أوروبا، سواء أولئك الذين ذهبوا إلى سورية والعراق، أو أولئك الذين يدعمونها بعواطفهم، وربما أكثر من ذلك، وهم في أوروبا؟ علماً أن الدوافع وراء "التدعوش" العام في أوروبا، تتخطى ظاهرة المقاتلين الأجانب، وهي الظاهرة التي تُركّز عليها عادةً وسائل الإعلام ومراكز البحث.

أسباب "التدعوش"

لن نتناول أسباب "التدعوش العام" التي تنطبق على المسلمين في أوروبا وفي العالم العربي، كالشحن الطائفي والنصوص التراثية المتشددة، لأنها عُرضت في كثير من الدراسات من قبل. وسوف نقتصر على ثلاثة دوافع رئيسية لـ"لتدعوش الأوروبي".

1ـ العزلة والبحث عن الهوية

يعيش الكثير من المسلمين في أوروبا في عزلة اختيارية، ويتجمّعون في أحياء محددة، ونادراً ما يتشاطرون صداقات حقيقية مع غير المسلمين، وحتى مع مسلمين من غير عرقهم. وتزداد حدّة هذه العزلة، في بريطانيا كنموذج، مع المسلمين الآسيويين (من باكستان وبنغلاديش على وجه الخصوص)، وتقل بشكل كبير بين المسلمين العرب.

ويُلاحَظ أن الكثير من أفراد الجيل الأول من المهاجرين يمكن أن يقضوا عدّة عقود في أوروبا دون أن يتعلّموا لغة البلد، إذ يتوفّر لهم "غيتو" اختياري للعيش في قطعة أوروبية تشبه بلدهم الأصلي، مع الاستفادة من الخدمات العامة كالمساعدات الاجتماعية وخدمات الصحة.

ويُعرّف المسلمون الأوروبيون أنفسهم عادة نسبة إلى البلد الأصل، حتى لو كانوا من أبناء الجيل الثالث للمهاجرين. وبالمقابل فإنّ المجتمع لا يتعامل معهم باعتبارهم مواطنين، بقدر ما ينظر إليهم كمهاجرين جدد لم يحصلوا على جنسية البلد أو لم يُتقنوا لغتها بعد.

ولا يتمثّل المسلمون في البرلمان بشكل متناسب مع كثافتهم السكانية، ولا يشاركون إلا على نحو محدود في الحياة العامة، بما في ذلك الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.

وتتعزّز عزلة المسلمين بسبب التمييز السلبي الذي تُمارسه وسائل الإعلام ضدهم، سواء من خلال الصورة النمطية التي تبثّها برامج الدراما، أو الصورة السلبية التي تبثّها البرامج السياسية، أو الممارسات الفعلية للمؤسسات السياسية والأمنية، حيث يتم التعامل مع المسلمين باعتبارهم رعايا، أو في أحسن الأحوال مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، بينما يُعاملهم المجتمع باعتبارهم الآخر المختلف الغريب.

كل ذلك يؤدي إلى شعور بعض الشباب من الجيلين الثاني والثالث بأنّهم لا ينتمون إلى المجتمعات الأوروبية، بل وربما يرغبون بالانتقام منها، ويحاولون التميّز عنها باللباس والتصرفات، فيلجأون إلى إطالة اللحى واعتمار العمائم، ويبدأون في البحث عن هوية مختلفة ومكان يحقّقون فيه ذواتهم، وهو ما تُقدّمه لهم داعش بشكل لا تستطيع أيّة جهة أخرى أن تفعله.

2ـ الرؤية الضبابية

في العالم العربي، لا يمتلك الكثير من المتابعين للشأنين السوري والعراقي رؤية وتحليلاً واضحين عن ماهية داعش ومن يقف خلفها وماذا تريد، ولا حتى عن طبيعة الأحداث الدائرة في هذين البلدين. ولكن الأمر يصبح كارثياً عندما يتعلق بأولئك البعيدين جغرافياً كما في أوروبا، بما في ذلك السياسيون والإعلاميون.

مَن يتابع الحوارات الإذاعية والتلفزيونة في أوروبا يكتشف بسهولة حجم المغالطات في أحاديث المحاورين وضيوفهم. عدا المختصين ممن عاشوا في الشرق الأوسط وخبروا قضاياه عن قرب، فإنّ معظم المتحدثين لا يستطيعون تحديد مكان سورية على الخريطة بسهولة، وبالتأكيد لن يستطيعوا تحديد دول جوارها دون الاستعانة بغوغل.

ولا يقلّ الأمر ضبابية في أوساط المسلمين في أوروبا، وخاصة من المنتمين جغرافياً إلى دول بعيدة عن المنطقة، مثل دول آسيا أو دول المغرب العربي. ويكفي أن يكون هناك شخص ذو فكر معين ليقنع مجموعة أو عائلة بأسرها برأيه في ما يتعلق بالأزمة السورية أو بالموقف الواجب اتخاذه من أحد الأطراف فيها.

تستغل آلة الدعاية الداعشية هذه الضبابية لتُقدّم دعايتها الإعلامية الجذابة التي تُخاطب أحاسيس الشباب المسلم في أوروبا، الباحث عن هوية ومشروع، والمتمرّد على المجتمع، والراغب في الانتقام منه.

وتُؤمِّن أفكار داعش المبسطة جدران حماية ذاتية، تمنع المؤمن بها من استقبال الأفكار المضادة. وبالتالي فإنّ اقتناع شخص بها أسهل بكثير من اقتناعه بغيرها. فالمنظومة الداعشية تقوم على فكرة أن الدولة الإسلامية هي الحل لكل مشاكل المسلمين، وأن تنظيم داعش هو من يُمثّل هذه الدولة-الحلم، وكل مَن يُعادي مشروعه هو معادٍ لمشروع الإسلام ذاته، وهو كافر بالضرورة ينبغي قتله.

تُساعد هذه الأفكار المبسطة، والمدعّمة في الوقت نفسه بمئات أو آلاف النصوص الدينية، على رفض المؤمنين بها كل ما هو مضاد لها، لأنهم يصنِّفونه مباشرة باعتباره تضليلاً من طرف "الكفار" أو "المرتدين" أو "الصحوات"، حتى لو جاء الكلام من رجل دين كان له احترامه من قبل لدى الشخص "المتدعوش"، أو من وسيلة إعلامية كان يستقي منها أخباره قبل "الهداية".

3ـ برامج الدعاية المحلية

بالإضافة إلى برامج الدعاية التي يبثها تنظيم داعش بنجاح على وسائل التواصل الاجتماعي، يتعرّض المسلمون في أوروبا إلى برامج دعائية داعشية تبثّ من أوروبا، وبشكل علني وقانوني، وتُساعد في انتشار الفكر المتشدد من جهة، وفي زيادة الصورة الضبابية عن الأحداث التي تجري في سورية والعراق من جهة أخرى.

وتأتي هذه البرامج الدعائية على مستويين، الأول: رجال دين يُعلنون تأييدهم للفكر الداعشي، ويقومون ببث هذه الدعاية علناً على وسائل التواصل الاجتماعي، بل ويقومون بشكل شبه يومي بإجراء المقابلات على وسائل الإعلام الأوروبية. ومن النماذج عن هؤلاء الشيخ أنجم شودري، وهو محامٍ بريطاني من أصول باكستانية، أسس مع الشيخ عمر بكري فستق مجموعة "المهاجرين". يقوم شودري يومياً بإجراء مقابلات وبث دعاية للأفكار الداعشية، وتستضيفه كل وسائل الإعلام البريطانية. ولا ينكر دعمه لتنظيم داعش.

وتنظم حركة "المهاجرين" بشكل دوري تظاهرات في العاصمة البريطانية تُطالب فيها بتحكيم الشريعة في بريطانيا.

ومن النماذج الأخرى، وإن كان بشكل مختلف، المصري هاني السباعي، مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية في لندن والمقيم في العاصمة البريطانية. يدعم السباعي تنظيم القاعدة علناً ويبث فكره عبر وسائل الإعلام المختلفة وإن كان يُعادي تنظيم داعش. ويُعد السباعي من الآباء الروحيين لمجموعة أنصار الشريعة التي جنّدت ودرّبت سيف الدين رزقي، منفّذ عملية سوسة في تونس.

ويظهر نمط آخر من الإعلاميين والأكاديميين الداعمين لداعش، ولكن في إطار مغلّف بالمهنية، إذ يقوم هؤلاء، وهم من أصول عربية غالباً، ويعيشون في أوروبا ويحملون جنسياتها، بالترويج للتنظيم في المؤسسات الإعلامية التي يعملون فيها، من خلال الحط من قيمة الفصائل المعارضة له، وتسخيف أية تقارير عن ارتباطه باستخبارات بعض الدول.

وبالإضافة إلى الشخصيات المعروفة، يدعم الكثير من الشباب المسلمين العاديين في أوروبا تنظيم داعش على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، وبأسمائهم الصريحة، دون أن يتعرّضوا للمساءلة الأمنية أو القانونية، ولا يُعرف ما إذا كانوا مراقبين من قبل الأجهزة الأمنية لمعرفة من يتواصل معهم، أو أنّهم ربما أصلاً تابعون لهذه الأجهزة.

التعليقات

المقال التالي