الإسلاميون يُشعلون مصر: كيف ستردّ السلطة؟

الإسلاميون يُشعلون مصر: كيف ستردّ السلطة؟

في التاسعة من صباح يوم الإثنين الماضي، استيقظ سكان شارع عمار بن ياسر في مدينة نصر في القاهرة على صوت انفجار مدوٍّ، هزّ جدران منازلهم، بحسب تعبير أحد الشهود. التفجير لم يكن حدثاً عادياً، فجدران الوضع الأمني المصري العام كلها اهتزت.

كان هذا الانفجار صوت عبوة استهدفت موكب النائب العام المصري هشام بركات موديةً بحياته. بطبيعة الحال، لم يكن اغتيال بركات حالة معزولة ولكنه أخذ صدى كبيراً كونه أرفع مسؤول مصري يتم اغتياله منذ اغتيال رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب المصري، في القاهرة عام 1990.

حلقة من سلسلة

أتى اغتيال النائب العام المصري ليتوّج عمليات استهداف قضاة مصر طوال الأشهر الستة الماضية على يد الجماعات الإسلامية المعارضة لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي. ولعل أبرزها عملية تصفية قضاة العريش التي أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء) مسؤوليتها عنها.

وقبل عملية العريش كانت هناك محاولات عدّة "فاشلة" لاغتيال قضاة حَكموا في قضايا متعلقة بجماعة الإخوان المسلمين مثل معتز خفاجي وناجي شحاتة وخالد المحجوب. وكلهم اتهمتهم الجماعات الإسلامية بأنهم من أعوان الطاغوت بل أصدرت فتاوى شرعية تبيح قتلهم.

أين الإخوان المسلمون؟

الأحداث الأمنية التي تهزّ الشارع المصري كثيرة وتتبناها جماعات لا صلة تنظيمية بينها وبين الإخوان المسلمين. لا بل أن هذه الجماعات انتقدت الإخوان في مناسبات عدّة على سلميتها واقتناعها بـ"بدعة" الانتخابات. وعلى يمين هذه الجماعات الإرهابية، يقف تنظيم "أنصار بيت المقدس" الذي تحوّل اسمه إلى "ولاية سيناء" بعد مبايعته تنظيم داعش. الأخير ينشط بشكل خاص في سيناء واليوم شنّ مسلحوه هجمات منسقة، بينها سيارة مفخخة، على نقاط تفتيش تابعة للجيش في مدينة شيخ زويد أسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الجنود.

ولكن بعض الأصابع باتت تشير إلى مسؤولية ما لجماعة الإخوان المسلمين. فالصراع بين الجماعة والسلطة المصرية الذي بدأ عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي مرّ بمرحلتين: في الأولى كانت الغلبة لشعار "سلميتنا أقوى من الرصاص" وكانت الجماعة تعتمد على مسيرات شعبية سلمية إلى حد كبير. لكن الموقف تحول بشكل دراماتيكي عندما قويت الأصوات الشابة داخل الجماعة فراحت تطالب بالرد بعنف على السلطة. وكان بيان المتحدث الرسمي الجديد لجماعة الإخوان المسلمين نقطة تحول في شكل الصراع إذ دعا صراحةً لـ"ثورة تجتز الرؤوس". لذلك اعتبره الكثيرون إعلاناً واضحاً لدخول الجماعة أو قسم منها دائرة العنف والاغتيالات.

الخبير الأمني اللواء محمود كمال، قال لرصيف22: "يجب التفرقة بين جماعة الإخوان المسلمين وجماعة أنصار بيت المقدس. فالأولى، وإن كانت تمتلك رصيداً شعبياً أكبر وأعضاء أكثر، لا تمتلك الخبرات ولا الكوادر المدربة على تنفيذ مثل هذة العمليات. فعملية اغتيال قضاة العريش واغتيال النائب العام تمت باحترافية شديدة لا توجد لدى الإخوان، بل لدى جماعات العنف في سيناء". وأضاف: "الخطورة هي أن ينضم كوادر الإخوان إلى تلك الجماعات المسلحة. هنا ستتسع دائرة العنف بشكل قد يخرج عن السيطرة".

في بعض بياناته، قال تنظيم أنصار بيت المقدس أنه ينفذ عملياته ضد القضاة انتقاماً منهم على أحكامهم بالإعدام على قيادات الإخوان المسلمين؟ فهل شهدت العلاقة بين التنظيمين تحولاً بعد أن كانت الجماعة المسلحة في سيناء تهاجم الإخوان أثناء حكمهم وتتهم مرسي بمحاباة إسرائيل؟

إيريك تراجر، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والخبير في شؤون الإسلام السياسي قال لرصيف22: "هناك فروق إيديولوجية بين جماعة الإخوان المسلمين وجماعة أنصار بيت المقدس تمنعهما من أن يكونا كياناً واحداً وتحول دون اتحادهما. لكن ما تفعله جماعة بيت المقدس من إعلان أن عمليتها هي بهدف الانتقام من الأحكام الظالمة، على حد تعبيرها، لا يعدو أن يكون في إطار الدعاية لها ووسيلة لاستقطاب عناصر الإخوان المسلمين".

كيف ستردّ السلطة؟

"على المدى القريب تبدو الصورة قاتمة"، رأى عمر عبد الرحمن، المحاضر في الجامعة الأمريكية في القاهرة وأضاف: "اغتيال النائب العام ولّد إحساساً لدى الدولة بأنها يجب أن ترد بشكل من الأشكال. لكن المشكلة هي أن لا أحد يعرف ماذا يجب أن تفعل. وعليه، فمن المتوقع أنه ستكون هناك موجة من العنف من قبل السلطة التي ستوسع دائرة الاشتباه وسيتم اعتقال كل الأصوات المعارضة أو حتى التى تبدو غير مؤيدة بشكل كافٍ والتنكيل بهم، وهو ما سيزيد من احتقان الشارع وسيجعل الموقف أكثر سوءاً".

س. ر.، أحد المقيمين في مدينة رفح في شمال سيناء الخاضعة نسبياً لسيطرة "ولاية سيناء" قال: "الموقف في شمال سيناء معقد بدرجة مرعبة. فمن ناحية، أوشك الجهاديون على السيطرة على أهم مدن شمال سيناء، رفح والشيخ زويد، ومن ناحية ثانية يصرّ الجيش على توسيع دائرة الاشتباه إلى درجة جعلت الأهالي يقفون على الحياد".

وبرأي س. ر. "لا يتجاوز عدد المسلحين في شمال سيناء الـ1000 على أقصى تقدير، ويمكن تصفيتهم فقط لو غيّر الجيش تكتيكه وتعاون مع الأهالي بدلاً من استعدائهم". لا يستبشر الشاب بمستقبل مدينته ويفكر جدياً في تركها لأنه "إذا استمر الوضع هنا على ما هو عليه فالنتائج ستكون كارثية"، كما قال.

يُذكر أن الدولة ارتأت أن الحل يكمن في تغيير القوانين التي "تشل يد العدالة"، على حد تعبير الرئيس السيسي الذي أعلن ضرورة الحزم في مواجهة الإرهابيين "الذين يصدرون أوامر قتلنا من القفص"، في إشارة إلى قيادات الإخوان المسلمين المسجونين. "يد العدالة الناجزة مغلولة بالقوانين... سنعدل القوانين التي تجعلنا ننفذ العدالة في أسرع وقت ممكن... لن نأخذ خمس أو عشر سنوات لنحاكم الناس التي تقتلنا"، قال الرئيس في أول كلام له بعد اغتيال بركات.

ورأى المحلل السياسي تامر وجيه أن "الدولة في مأزق فهناك فعل قوي يوجه إليها، وهي بدورها تقوم برد الفعل. لكن المشكلة أنها توجه ضرباتها في الاتجاه الخاطئ، فبدلاً من التركيز على الاشتباك مع الجهاديين في سيناء تزيد القوانين المقيدة للحريات في عموم البلاد، وبدلاً من تغيير إستراتيجية التعامل في سيناء ما زالت مصرة على نفس الأسلوب الذي أثبت فشلة مراراً". وأضاف لرصيف22: "الحل يجب أن يبدأ بالاعتراف بخطأ الإستراتيجية الحالية وبتغييرها، وهذا لن يتم إلا بتغيير القيادات نفسها بأخرى أكثر كفاءة".

"الصورة قاتمة والوضع مقلق"، قال الباحث السياسي محمد البيلي لرصيف22. برأيه، "لا توجد حتى فرصة المناورة السياسية للدولة، فالمناورة تتم من خلال التحالف مع عنصر إسلامي في مواجه عنصر آخر. المأزق هنا أن العنصر الأهدأ والأكثر مرونة وقابلية لعقد الصفقات هم الإخوان، والدولة في خصومة معهم". أما السلفيون، وتحديداً حزب النور، "فمالهمش وزن دلوقتي"، على حد تعبيره.

ماجد عاطف

صحافي مصري عمل مراسلاً لمجلة نيوزيويك، ويعمل الآن مراسلاً لموقع Buzzfeed الأمريكي.

التعليقات

المقال التالي