يوميات غوانتانامو: حين تبيع الأنظمة العربية مواطنيها

يوميات غوانتانامو: حين تبيع الأنظمة العربية مواطنيها

صدر في يناير من العام 2015 كتاب للمعتقل الموريتاني في سجن غوانتانامو محمدو ولد صلاحي. وروى السجين قصة تسليمه عام 2002 من طرف نظام بلاده، ورحلته مع التعذيب والإهانة التي مرت بدول عدّة، بدأت في بلده موريتانيا ثم الأردن فأفغانستان وصولاً إلى سجن غوانتانامو.

تحدث ولد صلاحي في مذكراته عن شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، التي تعرض لها، مثل المنع من النوم والضرب والغمر في الجليد والمنع من الصيام وإكراهه على ممارسة الجنس مع سيدتين وشرب مياه البحر. وحسب المذكرات، تم انتزاع اعترافات منه تحت سطوة التعذيب، مثل، قوله للمحققين "إنه خطط لتفجير برج CN في مدينة تورونتو الكندية".

ضجة برغم مقص الرقيب

يحمل الكتاب عنوان "يوميات غوانتامو" ويتألف من 466 صفحة ومكتوب باللغة الإنجليزية وصدر في الوقت نفسه في دول عدة. وبرغم أن الأمن الأمريكي حذف بعض المعلومات منه طامساً فقرات كثيرة (2500 موضع) فهو أثار ضجة كبيرة في موريتانيا وفي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. فقد حل الكتاب ضمن قائمة الكتب المئة الأكثر مبيعاً على موقع Amazon، وبين الكتب الخمسين الأكثر مبيعاً في الشركة الأمريكية لبيع الكتب Barnes & Noble.

أقوال جاهزة

شارك غردقصة محمدو ولد صلاحي، المعتقل الذي سلمته موريتانيا إلى سجن غوانتانامو وأوهمت أهله بأنه في بلده

شارك غرد عن مذكرات المعتقل في غوانتانامو محمدو ولد صلاحي، التي حلت ضمن قائمة الكتب المئة الأكثر مبيعاً على Amazon

أعاد الكتاب قضية كاتبه إلى المشهد الحقوقي، وكان فريق الدفاع عن ولد صلاحي قد خاض معارك قضائية طويلة دامت سبع سنوات، أسفرت عن خروج الكتاب إلى النور. وقد بدأ الكتاب كرسائل يبعث بها السجين إلى محاميه وكانت الإدارة الأمريكية تضعها تحت بند السرية.

قصة بيع وخديعة

محمدو ولد صلاحي هو مواطن موريتاني من مواليد 1970 ساقته الأقدار إلى ألمانيا سنة 1988، حيث ذهب للدراسة وتخرج من جامعة دويسبورغ مهندس اتصالات. وقد عمل بعد ذلك في شركات أوروبية عدة ليستقر به الحال سنة 1999 في كندا. لكن تلك الإقامة لم تدم طويلاً لأن المخابرات الأمريكية بدأت تترصده وقد تقدمت بطلب إلى السلطات السنغالية لتوقيفه في مطار داكار الدولي وهو ما حصل في يناير 2000.

تم التحقيق معه في شأن علاقته بالجزائري أحمد رسام الذي حاول إدخال بعض المتفجرات إلى الولايات المتحدة عبر الحدود الكندية، ثم سُلّم إلى السلطات الموريتانية التي أفرجت عنه لعدم وجود أدلة كافية لكنها سحبت منه جواز سفره.

وفي نوفمبر 2001، جاء فريق من الأمن الموريتاني إلى بيته وأمره بمرافقته. ودّع محمدو والدته وقال لها إنه لن يتأخر كثيراً، لتبدأ رحلته إلى المجهول. وبعد ثمانية أيام من الاعتقال جرى عقد صفقة بين النظام الموريتاني والمخابرات الأمريكية نقل على أثرها إلى الأردن ليحتجز هناك في سجن تلقى فيه أشنع صنوف التعذيب. ثم، في 19 يوليو 2002، نُقل عبر مروحية "كولفستريم" إلى قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، وهناك تعرض لأنواع جديدة من التعذيب، قبل أن يصل، في 5 اغسطس 2002، إلى وجهته الأخيرة وهي سجن غوانتانامو.

في حوار مع رصيف22، تحدث يحظيه ولد صلاحي، شقيق السجين محمدو، عن قصة بيع أخيه من قبل نظام بلده وكذب المخابرات الموريتانية على أسرته، وقال: "عانينا الأمرين بسبب هذه المحنة وأصعب شيء واجهناه كان كذب الشرطة والمخابرات الموريتانية علينا وتلاعبهم بمشاعرنا، فكانوا يوهموننا بأن محمدو موجود عندهم وهو في اللحظة نفسها كان قد بيع للأمريكيين، فقد سلمه مدير المخابرات الموريتانية للأردنيين وهو صائم ولم يرحم توسلاته ورجاءه بالسماح له بمحادثة الوالدة وتوديعها. بل وعدوا محمدو بأنهم سيستردونه بعد ثلاثة أيام من الأردنيين ولم يرجع حتى الاَن. وأرسل إلى معتقلات أمريكية عدّة حول العالم ليتفننوا في تعذيبه".

رسالة من غوانتانامو

لم تعرف عائلة ولد صلاحي أن ابنها في غوانتامو إلا سنة 2003. حينذاك، تسلمت العائلة أول رسالة منه عن طريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكانت عائلته تظن أنه في موريتانيا. فقد ظلت السلطات الموريتانية حتى تلك الفترة تدعي أنه لا يزال لديها. بل كان مدير المخابرات الموريتانية يطلب من عائلته بعض "الغيارات" له ليؤكد لهم أنه في سجن موريتاني.

وقال يحظيه ولد صلاحي: "جاء هذا الكتاب ليفضح كل هذه المسرحيه السخيفة". الآن، يأمل يحظيه "أن يحيي كتاب محمدو ضمائر كانت ميتة وأن يقف معنا كل الموريتانيين كما وقف معنا الأوروبيون وغيرهم، حتى تفهم الحكومة الموريتانية أن لا مهرب ولا بديل من طلب محمدو وتسلمه كأقل واجباتها تجاهه كمواطن موريتاني".

تجدر الإشارة إلى أنه قد تمت تبرئة ولد صلاحي عام 2010 من قبل المحكمة الفدرالية الأمريكية وأمرت باطلاق سراحه، واعتبرت أن اعتقاله غير قانوني، إلا أنه تم الابقاء عليه داخل السجن.

المفارقة في قضية ولد صلاحي أن مدير الأمن السياسي الذي أشرف على صفقة تسليمه للمخابرات الأمريكية، دداهي ولد عبد الله، كان يعمل قبل وقت قريب مديراً لأخلاقيات مهنة الشرطة الموريتانية، قبل أن يحال على التقاعد، وذلك رغم تاريخ الرجل المعروف بتعذيب المواطنين وخاصة النشطاء السياسيين المعارضين.

تضامن محلي ودولي

قضية ولد صلاحي شهدت تضامناً محلياً ودولياً واسعاً. وقد ظهرت حملات إلكترونية عدّة ونظمت نشاطات تضامنية معه. كذلك قامت المنظمة الأمريكية للحريات المدنية بالتعاون مع عائلة السجين بإطلاق عريضة إلكترونية لمطالبة الحكومة الأمريكية بإطلاق سراحه.

وفي موريتانيا، نظمت مجموعة من النشطاء الحقوقيين، وقفة أمام السفارة الأمريكية بنواكشوط للمطالبة بالأمر نفسه. وقد قابلها السفير الأمريكي وأعرب عن تفهمه لمطالبها وتسلم منها رسالة وأخبرها إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أعلن سابقاً أنه سيغلق السجن السيء الصيت.

وكانت مبادرة تسمى "إنصاف" قد بدأت تنشط للمطالبة بإطلاق سراح السجينين الموريتانيين في سجن غوانتامو، ولد صلاحي وأحمد ولد عبد العزيز، وقد قامت تلك المبادرة بالعديد من الأنشطة التي تصب في ذلك الهدف. إلا أن عدداً كبيراً من النشطاء الحقوقيين والمهتمين بقضية ولد صلاحي يرون أن موقف النظام الموريتاني الحالي من القضية غير إيجابي. فهو لم يطالب بتسلّم ولد صلاحي، برغم أن أغلب السجناء الذين طالبت بلدانهم بتسلمهم رجعوا إلى أوطانهم.

وولد صلاحي ليس المعتقل الموريتاني الوحيد في سجين غوانتانامو. معه يقبع مواطن موريتاني اَخر يدعى أحمد ولد عبد العزيز، وهو تاجر كان يعمل بين دبي وباكستان، وقد بدأت المخابرات الأمريكية تتبع خطواته بمساعدة نظيرتها الموريتانية، ثم اعتقلته في مدينة كراتشي سنة 2001.

وفي حديث لرصيف22 قال التراد ولد صلاحي مسؤول العلاقات العامة في مبادرة "إنصاف": "هناك العشرات من المنظمات الحقوقية في أمريكا وبريطانيا وفرنسا وقفت إلى جانبنا بالإضافة إلى عشرات الفنانين الأمريكيين الذين أعلنوا دعم قضيتنا، بينما حكومة بلدنا مستمرة في الصمت الفاضح"، وأكّد: "سنقوم بتدويل القضية وسنبحث عن دولة أخرى تستقبل محمدو".

وكان رئيس هيئة الدفاع عن ولد صلاحي، المحامي الموريتاني إبراهيم ولد أبتي قد حمّل، في ندوة نظمتها مبادرة "إنصاف" حول كتاب ولد صلاحي، الدولة الموريتانية تبعات ما قد يحصل لموكله، وقال: "إن موريتانيا هي الدولة الوحيدة التي سلمت أحد مواطنيها ليتعرض للتعذيب في سجن غوانتانامو".

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

التعليقات

المقال التالي