الشرطة المصرية تعمل على تحسين صورتها بواسطة السينما

الشرطة المصرية تعمل على تحسين صورتها بواسطة السينما

تبذل الشرطة المصرية قصارى جهدها لتحسين صورتها لدى المواطن المصري العادي ولإظهار نفسها كمؤسسة ذات سمعة جيدة تعمل في خدمة المجتمع وتسهر على أمنه. وبشكل عام، استطاعت، بعد 30 يونيو، الاهتداء إلى الكلمات الرئيسة التي تساعدها على تحقيق غايتها وذلك بواسطة السينما ومواقع التواصل الاجتماعي.

تلميع الصورة

بعد ثورتي يناير ويونيو، أدركت الشرطة دور الإعلام في تشويه صورتها وتحريك الجماهير ضدها وإثارة حالة من الكره لضباطها. وتنبّهت إلى أن السينما عملت خلال الأعوام السابقة للثورة على رسم صورة سيئة عنها. فضباط الشرطة غالباً ما كانوا يظهرون في الأفلام على أنهم فاسدون وظالمون ولا يحترمون القانون ويسعون إلى تحقيق مصالحهم الشخصية.

والآن، ها هي الشرطة تعمد إلى استخدام السلاح نفسه لرسم صورة جديدة لها تُظهر مسؤوليها على أنهم يعملون لمصلحة البلد ويخوضون مواجهة شرسة مع الإرهاب وأنهم ليسوا فئة تعيش خلف سور يعزلهم عن باقي المجتمع.

إلى السينما، قامت الشرطة بإنشاء صفحات لها على مواقع التواصل الاجتماعي، لتكون منبرها الإعلامي ووسيلتها للرد على الشباب الثوريين الذين يستخدمون الوسيلة ذاتها لإدانة أعمال الشرطة. فقد قررت الشرطة منافستهم في هذا العالم وأسست صفحات على فايسبوك تحمل اسمها وتقدم أخباراً عن دور قوات الأمن والعمليات التي تقوم بها، كما تقدّم المبررات لقمعها التظاهرات، ومنها الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية التي يتابعها أكثر من 4.5 ملايين شخص، وصفحة الشرطة المصرية التي تشتهر بنقدها الحاد للإخوان المسلمين والمتظاهرين. وبما أن الناشطين المصريين والشخصيات المعارضة يفضّلون موقع تويتر، لم تترك هذا العالم لهم وأنشأت في مايو 2012 حساباً تعدى متابعوه الـ228 ألفاً.

تأثير السينما على صورة الشرطة

في دراسة عن "صورة رجل الشرطة في الإعلام المرئي"، كشف المقدم شريف الحسيني، رئيس مباحث الاتصالات بشرق القاهرة، أن السينما كانت من العناصر المهمة التي تسببت برسم صورة قاتمة جدّاً عن الشرطة إذ صوّرت مسؤوليها كشخصيات فاسدة سادية، لا تأبه بآلام الجماهير ولا تهتم إلا بمراكزها، ولا تتوانى عن عقد صفقات مع الفاسدين. وهو الأمر نفسه الذي أكده الناقد السينمائي ناجي فوزي في كتابه "وقائع بوليسية في السينما".

الحقيقة أن هذه الصورة السيئة للشرطة في السينما ترجع إلى النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم، حين تحولت السينما إلى سلاح استخدمه الرئيس الأسبق أنور السادات في حربه ضد كل ما هو موروث عن دولة جمال عبد الناصر. بدأت السينما في تلك الحقبة تصوّر التعذيب الذي ذاقه المعارضون للنظام من إسلاميين وشيوعيين وطلاب خلال ستينيات القرن العشرين على يد البوليس السياسي، وأُنتجت أفلام عن ذلك على رأسها "احنا بتوع الاتوبيس" و"البريء" و"الكرنك".

 

ومع تبني السادات الانفتاح الاقتصادي وظهور طبقة جديدة من رجال الأعمال، الذين لم يتورعوا عن اللجوء إلى أعمال مخالفة لتوسيع ثرواتهم، نقلت السينما وجهاً آخر سيئاً للشرطة، بإظهار ضباطها فاسدين ومتواطئين مع رجال الأعمال وتجار السلاح والمخدرات. وهذه الصورة الجديدة للشرطة جسدها أحمد زكي في فيلم "زوجة رجل مهم"، وعادل أدهم في "حافية على جسر من الذهب" ومحمود المليجي في "شروق وغروب".

في الألفية الثالثة، تضاعفت الأعمال الفنية التي سلطت الضوء على فساد الشرطة وسلطوية ضباطها وتواطئهم مع تجار المخدرات. فظهرت صورة جديدة أكثر سوءاً أبرزت سادية أفراد الشرطة. وفي فيلم "تيتو" ظهر ضابط الشرطة كشخصية فاسدة تستخدم مجرماً لتحقيق مصالح شخصية. وعكس فيلم "عمارة يعقوبيان" صورة الضابط السادي الذي يتلذذ بتعذيب المسجونين. وكذلك تحدث فيلم "واحد من الناس" عن تحالف ضابط الشرطة مع رجل أعمال ضد مواطن بريء وسجنه.

ثم خرج فيلم "هي فوضى"، عام 2007، وأثار ضجة في المجتمع المصري، وأظهر أمين الشرطة كشخص فاسد وسادي يتلذذ بسرقة المواطنين وتعذيب السجناء، لينتهي بخروج المواطنين واقتحامهم قسم الشرطة، ومطالبتهم بالانتقام من هذه الشخصية الفاسدة في مشهد سيعرفه المصريون في الواقع في ثورة 25 يناير.

صورة جديدة للشرطة

مشاهد الجزئين من فيلم "الجزيرة"، بطولة أحمد السقا، سيلاحظ فوراً اختلافاً جذريّاً في تناول ضابط الشرطة. ففي الجزء الأول الذي تم إنتاجه عام 2009، ظهر ضابط الشرطة متواطئاً مع تاجر مخدرات خطير، وساعده في تهريب المخدرات وتصفية صراعه مع منافسيه، متغاضياً عن مصدر تسليحه وعن رجاله المتهمين بالإرهاب، مقابل بعض الصفقات وتسليم بعض المتهمين. وأعطى الجزء الأول انطباعاً أن ما يعرضه هو أمر عادي، يتوارثه الضباط.

أما في الجزء الثاني، فظهر الضابط كشخصية قلقة على أمن البلاد. وفي الوقت الذي هجم المتظاهرون بالأسلحة الثقيلة على قسم الشرطة، ظهر الضابط في وضع المدافع عن نفسه، بل فضل إطلاق الرصاص على أقدام المهاجمين رغم أنهم أرادوا قتله.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالفيلم أظهر ضابط الشرطة في وضع الضحية أمام الإرهابيين الإسلاميين والمجهولين الذين يقتحمون السجون، وينتشرون في البلاد ويقتلون عائلته على مرأى ومسمع من الجميع. ونتيجة لرفض الشرطة الوقوف إلى جانب هذا الضابط للانتقام (ويشار إلى أن الإرهاب في مصر لم يستهدف عائلات الضباط)، قام مع مجموعة من زملائه باللجوء إلى تاجر مخدرات لقتال الإسلاميين الخائنين.

أثار فيلم "الجزيرة 2" ردة فعل شديدة ضد الممثلين أحمد السقا وخالد الصاوي من قِبَل بعض المواقع ومستخدمي التواصل الاجتماعي، واتهما بأنهما قدما الفيلم كجزء من استراتيجية الشرطة لتمرير فكرة "محاربة الإرهاب"، وتمرير رسالة مفادها أن ضباطها أصبحوا نموذجاً للمثالية والاحترام. وقد اتهم البعض خالد الصاوي بأنه باع ثورة يناير التي شارك فيها.

استمرار للصورة القديمة

برغم هذا التوجه الجديد، فإن بعض الأفلام حافظت على الصورة المعهودة للشرطة في السينما، ولكن مع تلطيفها إلى حد كبير. هذا ما ظهر في فيلم "المصلحة" (2012)، من بطولة أحمد السقا، الذي يتحدث عن ضابط يحاول الثأر لأخيه بعدما قتله شقيق أكبر تاجر مخدرات في سيناء، وحين القبض على المتهم، قام الضابط بإطلاق الرصاص عليه ولم يترك مهمة معاقبته للقضاء.

 

هذه الصورة انعكست أيضاً في بعض المسلسلات التلفزيونية، كـ"خطوط حمراء" و"ابن حلال". ففي الأخير يتعرض البطل (محمد رمضان) للظلم من قبل الشرطة وشخصية سياسية كبيرة، ويُحكم عليه بالاعدام، لكنه يتمكن من الهرب من السجن والانتقام من كل من ظلمه، ثم يُقتل في النهاية في اشتباك مسلح مع الشرطة. هذا المسلسل يقدم صورتين لضابط الشرطة، الشريف والفاسد. مع العلم أن الاحداث تحاكي قصة شهيرة وقعت قبل الثورة، مع إضافة بعض الأجواء الدرامية،  وهي قصة مقتل ابنة ليلى غفران التي قيل إن ابن رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف هو من قتلها.

لعبة القط والفأر

ولكن يمكن اعتبار أن تيار تلميع صورة الشرطة كان طاغياً. وقدم الفيلم الكوميدي "قط وفار"، من بطولة محمود حميدة ومحمد فراج، صورة لوزير الداخلية الذي يتعايش مع المجتمع، ويدخل في مواقف كوميدية مع المواطنين بدلاً من شخصية الاستبدادي الذي يتعامل باحتقار مع الفئات الدنيا من المجتمع. والفيلم يظهر المواطن فأراً ووزير الداخلية قطّاً ويحدث بينهما عمليات كر وفر.

الفكرة نفسها تقريباً تناولها الفيلم الكوميدي "كلبي دليلي"، للفنان سامح حسين. فيظهر ضابط الشرطة الصعيدي مغاوري، الذي ينتقل إلى العمل في مدينة مارينا السياحية، كشخص "حبّيب" يسعى للارتباط بإحدى الفتيات ويدخل في العديد من المواقف الكوميدية، مع غريمه الذي يسعى من جهته لنيل إعجابها.

 

ومن الأفلام التي قدمت صورة جيدة لضابط الشرطة، فيلم "ريجاتا"، حيث جسّد الفنان فتحي عبد الوهاب شخصية ضابط الشرطة الشريف الحنون الذي يسعى لمحاربة تاجر المخدرات محمود حميدة ومساعده عمرو سعد. وعلى الرغم من تشدد الضابط قليلاً، فإن هذا التشدد تبرره جرائم حميدة الكثيرة.

 

وفي السياق نفسه، يقوم الفنان محمد رمضان حالياً بتصوير فيلم جديد عنونه "شد أجزاء" يجسد فيه دور ضابط شرطة يسعى لأن يكون نموذجاً إيجابياً وقدوة للجميع. فقد أكد رمضان أن الفيلم يحاول إبراز الدور الإيجابي الذي يقوم به رجل الشرطة والمخاطر التي يتعرض لها.

الغريب هو أن غالبية الفنانين وكتاب السينما الذين كانوا يتناولون في أعمالهم أدواراً للشرطة الفاسدة، غيروا مواقفهم في الوقت الحالي، وأعربوا عن دعمهم لجهاز الشرطة، رغم أنه لا يزال يتبنى سياسات قمعية ويقوم بالتعذيب والقتل داخل السجون وخارجها.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 03.03.2015

كلمات مفتاحية
سينما مصر

التعليقات

المقال التالي