حماة، المدينة السورية التي اشترت أمنها بمال تجارها

حماة، المدينة السورية التي اشترت أمنها بمال تجارها

تأخرّ الحمويون في اللحاق بركب الثورة. خافوا أن تكرّر الأحداث تجربة الماضي. ولكن أرجل شبابهم ساقتهم إلى أول تظاهرة كبيرة في ساحة العاصي أواخر مارس 2011، ليعود الكبار ويعملوا على تحييد المدينة.

في المرابط، شارع أسواق الخضر واللحم والسمك، تختلط رائحة المجارير برائحة الشواء ويمتزج الضجيج بصافرات كشاشي الحمام. الشارع هو منطقة الوصل بين شارع 8 آذار من جهة، والطريق المؤدية إلى ساحة العاصي الشهيرة من جهةٍ أخرى.

اعتادت منطقة المرابط، عندما بدأ حراك المدينة ضد النظام السوري، أن تكون نقطة تجمّع وانطلاق للتظاهرات. يخرج رجلٌ اتفّق على مهمته مسبقاً، يراقب حركة الأمن، يوعز بإشارةٍ سريّة إلى أصحاب المحالّ التجارية ببدء الإغلاق، ينتظر ساعةً معيّنة، ثمّ يصيح "الله أكبر" بأعلى صوته، ليبدأ المتظاهرون بالتوجّه إلى ساحة العاصي، مركز المدينة الرئيسي، وليعرف من لا يرغب في التظاهر، أنّ عليه التوجّه بعكس تيار الحشود، نحو الكاراج. وهؤلاء يكونون غالباً من أهالي الريف، كالطلاب والموظفين وغيرهم، وعليهم أن يهربوا إلى الباصات قبل أن تغلق المدينة أبوابها، ويبدأ الرصاص.

منذ أن نحّت حماة، كمدينة لا كريف، نفسها بشكل مباشر عمّا يحدث في سوريا، في أواخر عام 2013، عادت منطقة المرابط إلى شكلها السابق تقريباً. الأعمال جميعها تجري على قدمٍ وساق، حركة السوق، البيع والشراء، بالإضافة إلى حركة طلاب كليّة الآداب القديمة الواقعة في وسط المنطقة، والتي لم تنقطع يوماً، إنّما اضمحلت، والآن عادت إلى سابق عهدها.

كل شيءٍ عاد كما كان، إنّما مع فروق ليست ببسيطة: سواتر رملية على مفرق شارع  8 آذار، تحت البناية التي يشغلها الجيش السوري، والتي يعتلي سطوحها من كل جهةٍ قنّاص، وحاجز للأمن العسكري على مفرق الطريق المقابل. تطويق أمني كامل للحي. الكتابات الممحوة على الحيطان، على طول الطريق في شارع 8 آذار، والتي تكاد تعجز عن قراءة بقاياها، تدلّك على أن حركة احتجاجٍ ما، في يومٍ ما، قد مرّت من هنا. تقرأ: "يسقط بائع الجولان"، "ماهر عميل الأمريكان"، "رامي الحرامي" وسواها.

تأخرّ الحمويون في ثورتهم الجديدة، تريثّوا قبل أن يخرجوا إلى الشوارع، حاولوا فهم ما يجري قبل أن يتورطوا في ما سبق لهم أن تورطوا فيه. كاد يُجمع الأهالي تقريباً على أنّ من ذاق الفاجعة يوماً، سيفعل كل شيء كي لا تحل به مرة أخرى. إلا أنهم وبعد شهرين تقريباً من بدء الحراك في درعا ودمشق وبانياس واللاذقية وحمص، ساقتهم أرجلهم وحدها إلى أول تظاهرة كبيرة في ساحة العاصي في أواخر مارس 2011.

عودة في الزمن

يروي أبو عماد، الرجل الخمسيني، صاحب محل الألبسة في شارع ابن رشد، المعروف بكونه سوقاً للألبسة والأحذية، أنّه كان في بداية شبابه في الأعوام المأسوية الثلاثة التي مرت على المدينة، بين عامي 1979 و1982. ويقول إنّه شهد الكثير: الاجتماعات السريّة لتنظيم الإخوان المسلمين، ومحاولات تجييش الشباب، وإدخالهم في الجماعة، وحملات التبشير الهائلة التي كانت تجتاح المدينة، وحلقات التعليم الديني وتحفيظ القرآن التي كانت تُنظم يومياً في بيوت أحد "الإخوة"، وتغيّر المظهر الخارجي للشباب كإطلاقهم لحاهم، والعلاقات الغريبة المنظمة التي تشكّلت بين الحلقات، والتنظيم الشديد الذي ينمّ عن عقد النية على القيام بتحرك ما.

راحت الحركة تتسع، بالتنسيق مع "الإخوة" في حلب بشكل رئيسي، وبعض المناطق السورية الأخرى بشكل أقل، وبدأت سلسلة من الاغتيالات الفردية لشخصيات مهمّة في السلطة، أو لشخصيات معروفة متهمة بتعاملها بشكل أو بآخر مع النظام.

أبو عماد الذي شهد الأمر كما هو، وشهد أيضاً نتائجه الكارثية على المدينة في ما بعد، من تدمير بعض أحياء المدينة بأكملها، مروراً بموجات الاعتقالات الهائلة، إلى المجازر الجماعية، يقول: "عندما بدأت الثورة في درعا، كنت على وشك ربط أبنائي المتحمسين على مقاعدهم. كنت مستعداً لقتلهم أنا، قبل أن أراهم يشاركون في موتهم وموت المدينة الجديد".

ردينة (67 سنة) زوجةٌ لمقاتل سابق مع جماعة الإخوان المسلمين، مفقودٌ منذ فبراير 1982. لا جثّة، ولا اسم مع المعتقلين، ولا حتّى ذكر لأي أثر له. وأمٌّ لشابّ معتقل لدى النظام السوري منذ أبريل 2012، حين تمّ أخذه من البيت، في إحدى حملات الاعتقال التي شهدها الحيّ، بتهمة التعامل مع الجماعات الارهابية المسلحّة. تسكن ردينة في حارة يطلق عليها أبناء حماة اسم "حي الأرامل" نسبة إلى العدد الهائل من النساء اللواتي فقدن أزواجهنّ في الثمانينيات من القرن الماضي، وهي إحدى حارات منطقة "الحاضر"، المنطقة الأكثر تديّناً، والتي كانت البيئة الحاضنة للإخوان، والتي تحمّلت المسؤولية بشكل رئيسي عمّا حدث في حماة سابقاً، وما زالت تدفع الثمن حتّى الآن.

تقول ردينة: "المرّة الأخيرة التي رأيت فيها زوجي، كانت قبل أن ينطلق لتنفيذ إحدى عمليّات الاغتيال. أخبرني أنّ الله يريدهم أن يفعلوا ذلك، وأنّه الحلّ الوحيد لرفع الظلم الواقع علينا. كان صوت المدافع أعلى من أن أسمعه جيّداً، وكنا قد فررنا إلى بيت أصدقائنا في حيّ الجراجمة، ذي الأغلبية المسيحية. أوصاني أن أنتبه إلى الأولاد. لو عرفَ أنّه السبب في خروج ابنه للانتقام، لو عرف أنّه السبب في اختفاء ابنه بعد ثلاثين عاماً عن أمّه وزوجته وأولاده، لما فعل كلّ ما فعله، أنا على ثقةٍ في ذلك".

في 3 يونيو 2011، شهدت المدينة ما عرف بـ"جمعة أطفال الحرية"، الجمعة التي اختلفت شبكات الأخبار على عدد المتظاهرين فيها، وبالتالي على عدد ضحايا المجزرة، إلا أنّها كانت نقطة تحوّل مهمة في مسار الأحداث في حماة. دخلت بعدها المدينة في اضراب كامل دام خمسين يوماً حتّى دخول الجيش في أغسطس وإعادة فرضه سيطرته الكاملة عليها. منذ ذاك الوقت، شهدت المدينة أعمالاً قتالية متفرقّة وبفترات متباعدة. بعض الانفجارات، بعض المحاولات المسلحّة من الكتائب المعارضة لدخول المدينة من حيّ طريق حلب شمالاً، إلّا أنّها كانت تبوء بالفشل وفي وقت قصير. فهناك الآن في حماة، شبه إجماعٍ على الانعزال.

قرر الحمويّون بشكلٍ غير معلن، وبالتشاور بين "كبار" المدينة من تجّار مهمّين وأبناء العائلات، أن تغيّر شكل الثمن الذي تدفعه. فقام "كبار" المدينة، التي تتميز بطابع ريفي وبسلطة الرجال الكبار على أبنائهم، بالاجتماع مع الكتائب المسلحة في ريف المدينة وإقناعهم بأن تدفع حماة المال إذا أبقوها بعيدةً عن القتال. صفقةٌ واضحة جداً: يدفع الحمويون للمقاتلين، ويبقون الاشتباكات بعيدة عنهم. أكّد ذلك تاجر كبير من عائلة الكيلاني، التي نالت جزءاً كبيراً من العقاب الحموي سابقاً، والذي يقطن في تركيا الآن، ويتابع بعض أعماله العالقة في حماة، ويدفع كغيره من أصحاب رؤوس الأموال لبعض الكتائب التي ما زال الحمويون يثقون بها.

حماة الآن

يخطئ من يعتقد أنّ الحمويين تصالحوا فعلاً مع النظام. الأمر ليس كذلك. العلاقة المتوترة القديمة، والحقد القديم الذي يستمر الحمويون في المعاناة من نتائجه حتى اليوم، يجعلان المصالحة تبدو مستحيلة. يتأقلم أهل المدينة مع الوجود العسكري والأمني الكثيف في كل الأحياء، بصعوبة. يحاولون ألّا يزعجوا الجنود لأنهم يعرفون النتائج مسبقاً، كما حصل مع أحمد، طالب السنة الرابعة في كلية الآداب، والذي قضى شهراً كاملاً تحت التعذيب لأنّه نظر إلى عسكريّ، على الحاجز المعروف بتسلطه في "نزلة الدباغة" واعتقد الأخير أنه يتحدّاه.

يحاول الحمويون أيضاً التأقلم مع التضخم السكاني الهائل الذي حدث في المدينة بعد النزوح الشديد من مدن الداخل كحمص وحلب وحتى الرقة إليها. تتزايد حالات الفقر الشديد، ومظاهر التسوّل والأطفال المنكوبين في الشوارع، وتستضيف الجوامع ما يفوق استيعابها من النازحين والمتسولين. في المقابل، انتقل بعض الأعمال التجارية من حلب ودمشق إليها، وانتقلت بعض المعامل أيضاً. فبرغم تضخّم عدد المقيمين الهائل، هناك صفقات ضخمة تتم وأموال وفيرة تضخّ في المدينة.

يقول حسام (28 سنة) ويعمل موظفاً في إحدى المؤسسات الحكومية وكان أبوه قد اتهم ظلماً بالمشاركة في اغتيال أحد الأسماء البارزة في السلطة وعانى في سجنه لمدّة 14 سنةً، أنّ "الحملات التي قام بها السوريون على شبكات التواصل الاجتماعي، في ذكرى مجزرة الـ82، لم تزد حماسة الحمويين البتة"، ويعقّب: "إن ضربونا، فلن نتحرّك".

في مايو 2011، عندما تضاربت الآراء الحموية حول ما إذا ما كان على المدينة أن تدخل موجة الحراك أو لا، جلس رجل سبعيني على باب محله التجاري في المرابط، عندما بدأ الشباب تحركهم نحو التظاهرة، وصرخ عليهم بصوته المبحوح ولهجته الحموية: "لك يا حمار انت وياه، روح اسأل أبوك شو صار بالـ82".

نشر هذا الموضوع على الموقع في 21.02.2015

التعليقات

المقال التالي