خوف على الأكراد من أنفسهم

خوف على الأكراد من أنفسهم

صار واجباً القلق على الأكراد. ولكن هذه المرّة لا ينبع القلق عليهم من تهديدات أعدائهم بل من أنفسهم. بدأ وهم القوة المفرطة، آفة الجماعات الشرق أوسطية، يفتك بعقولهم وينعكس في خطاباتهم وممارساتهم، ولعلّ هذا أخطر من الخطر الخارجي الذي لطالما أحاق بهم.

مرّة جديدة أثبت أكراد سوريا، بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، أنهم قوة قادرة على التصدي لتنظيم داعش لا بل على إلحاق هزائم مدوية به. آخر إنجازاتهم الكبيرة كانت تحرير مدينة تل أبيض، على الحدود السورية التركية. ولكن هذه المرّة اختلف الوضع كثيراً عمّا كان عليه حين خاضوا معركة المقاومة في كوباني وأبهروا العالم.

أسباب كثيرة تصنع الفرق بين انتصار كوباني وانتصار تل أبيض. في كوباني خاض الأكراد معركة مقاومة ضد برابرة الزمن الحديث، تنظيم داعش. دافعوا عن أرضهم وعن وجودهم وانتصروا بعد تضحيات جسام. أما في تل أبيض فقد هزموا التنظيم المتطرف في أرض هم مَن بادر بالهجوم عليها، وفي أرض يغلب على سكانها الطابع العربي لا الكردي. في المعركة الأولى لم تكن مطروحة شرعية قتالهم. أما في المعركة الثانية فهي مطروحة لا بل أن أصواتاً سورية عربية ارتفعت عالياً في وجههم.

بطبيعة الحال، هناك سوريون عرب يدعمون داعش في سريرتهم ولذلك امتعضوا من خطوة الأكراد الأخيرة. ولكن ليس هذا موضع الإشكالية. في زمن الحروب لا بد أن يحظى أي فريق مهاجم بشرعية الدخول إلى المناطق التي يهاجمها لكي تصنّف انتصاراته "تحريراً" لا هيمنة من جماعات قومية أو طائفية على جماعات قومية أو طائفية أخرى. وحين لا يتوفّر هذا الشرط، ستؤدي الإنجازات العسكرية إلى تعميق الشقاق بين الجماعات، وما تجربة الحشد الشعبي في العراق إلا دليلاً على ذلك.

في كل حال، فإن الخطر الذي بات يشكّله الأكراد على أنفسهم أكبر من ذلك. يبدو أنهم يسيئون بشدّة فهم التغيرات التي جرت في العام الماضي والتي انعكست ايجاباً عليهم في العراق وتركيا وسوريا. أساس سوء الفهم هو أنهم باتوا يظنون أنهم يستطيعون الاستمرار في تحقيق المكاسب بمعزل عن الفئات الأخرى غير الكردية، وهو سوء فهم عابر لجغرافيا تقسيم الأكراد.

فحزب الشعوب الديمقراطي الكردي انتشى بانجازه الانتخابي في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة أكثر مما يجب، وراح يطلق تصريحات تنطلق حصراً من أفق كردي. فور انتصاره، نسي زعيمه صلاح الدين ديمرطاش أنه ليتمكن من تخطي عتبة الـ10% التي تسمح له بالدخول إلى البرلمان، كان عليه أن ينفتح على مجموعات غير كردية ويتبنى خطاباً غير قومي لأن الاعتماد على الأكراد وحدهم ما كان ليمنحه أكثر من 9% من أصوات المقترعين.

وها هم أكراد سوريا يقعون فريسة الوهم نفسه، وهم القوة المكتفية بذاتها، رغم أن كل ما حققوه حتى الآن من إنجازات أُسند إلى علاقات بأطراف غير كردية وجاء كجزء من تكتيكهم الساعي إلى الاستفادة مما تتيحه لهم هوامش المعركة الكبرى، وقد برعوا في هذا التكتيك حتى الآن. ففي معركة كوباني كان لسماح الأتراك بدخول مجموعة من البيشمركة (وقيادتهم السياسية صديقة للأتراك ومناوئة لحزب العمال الكردستاني) أثر حاسم في سير المعركة. لا يمكن لأكراد سوريا أن يلطّفوا انتصارهم في تل أبيض برفع علم الثورة السورية. فغير بعيد عن هذه المدينة الحدودية، يتشاركون مع الجيش السوري في صد هجمات داعش على مدينة الحسكة.

كثيرون تحدثوا عن قيام المهاجمين الأكراد بتهجير بعض السكان العرب والتركمان من تل أبيض والقرى المحيطة بها. وبغض النظر عن صحة هذه الاتهامات غير المثبتة، فإن مسار 4 سنوات من الحروب في المنطقة تؤكد أن فرار سكان إحدى المناطق بسبب معارك تخوضها ميليشيا تحمل هوية غير هويتهم سيُعتبر تهجيراً. وفي النهاية، المسألة ليست مسألة تحديد مسؤوليات قانونية بل مسألة وعي الناس لما يجري حولهم، وهو وعي سيؤسس للعلاقة المستقبلية بين الجماعات بعد أن تضع الحروب الدائرة أوزارها.

ولكن لا يمكن إلا القول إن المناخ الذي ولّده الأكراد حول معركة تل أبيض تسلّطي وشوفيني وغير صحي بدليل إطلاقهم على المدينة غير الكردية اسم "كري سبي"، وهو ليس سوى ترجمة حرفية لاسمها إلى الكردية، مع العلم أن المدينة لم تُذكر سابقاً في مخططات كانتونات الإدارة الذاتية التي أعلنوها العام الماضي.

بإدارتهم غير المحسوبة لمعركة تل أبيض أثار الأكراد حفيظة تركيا التي تحدث رئيسها عن تهجير العرب والتركمان بدعم من الغرب الذي شارك في المعارك من الجو. كما أثار حفيظة 15 فصيلاً إسلامياً (من أكبر فصائل المعارضة السورية) أصدرت بياناً اعتبرت فيه أن ما يحصل هو "حملة تطهير عرقي وطائفي بغطاء جوي من طائرات التحالف" مهددة بالرد عليه. إذن عدنا لسماع نغمة قديمة تتحدث عن تعاون بعض الجماعات مع الخارج لقهر جماعات أخرى، أي النغمة التي شاعت أيام الانتداب ولا تزال رواسبها فاعلة في المجتمعات.

وللحالة المستجدة خطورة عملانية ترتبط بمعارك داعش الهادفة إلى السيطرة على معبر إعزاز الحدودي. وهذا السعي سيضع مدينة عفرين الكردية، وهي منطقة منفصلة عن باقي مناطق الانتشار الكردي في سوريا، بين مطرقة التنظيم المتطرف وسدّان فصائل المعارضة الأخرى، وأبرزها تلك التي أصدرت البيان المذكور. وإن لم يكن للأكراد حليف قوي هناك، وفي ظل ثورة الغضب التركية، قد يحدث ما لا تحمد عقباه. ولا يمكن القول إن السيطرة على تل أبيض تستحق تعريض عفرين للخطر الداهم القادم إليها.

قد يقول البعض إن هذه الجماعات، وبظهرها تركيا، معادية أساساً لحقوق الأكراد وهذا صحيح. ولكن ما كان ينبغي على الأكراد أن يستبدلوا صورتهم كجماعة تناضل من أجل حقوقها القومية إلى جماعة تتسلّط على باقي القوميات. فهذا التبدل سيضعف حركة التضامن معهم كثيراً.

حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

التعليقات

المقال التالي