كيف تجنّد الحركات المتطرفة عناصرها؟

كيف تجنّد الحركات المتطرفة عناصرها؟

على حسابه على فيسبوك، يضع كخلفية صورة لخارطة العالم بالأبيض والأسود يكسُوها شعار داعش. "أعمل لدى الدولة الإسلامية في العراق والشام"، يحدّد مهنته في معلوماته الشخصية. أما منشوراته، فهي فيديوهات وأخبار يومية ينقلها عن مواقع جهادية وتتناول مستجدات المعارك الدائرة في سوريا والعراق. إنه جوناثان هيربرت (20 عاماً).

قصة هيربرت بدأت على الإنترنت. يقول لرصيف22: "تعرّفت إلى المجاهدين عن طريق الإنترنت واطّلعت على الأعمال البطولية التي يقومون بها من أجل إعلاء كلمة الله. بعد ذلك، عبّرت عن رغبتي في الانضمام إليهم للمشاركة في الجهاد، وتواصلت معهم لأجل ذلك". ويضيف: "كان مفترضاً أن تجري الأمور بحسب الطريقة التالية: أقطع تذكرة إلى تركيا، ثم أصل إلى مدينة أنطاكية الحدودية. وبعد وصولي، يأخذونني إلى الأراضي السورية أو العراق لألتحق بالقتال. إلا أنّ الأمور تعقّدت أخيراً وأخبروني أنّ هذه الطريقة أصبحت تنطوي على كثير من المخاطر ولا بدّ لي من الانتظار".

تقنية العدوى

لم يتمكّن  جوناثان حتى الآن من الوصول إلى أرض المعركة ولكن آخرين كثراً نجحوا في ذلك. فنحو 20,730 أجنبياً انضموا إلى صفوف التنظيمات المتشددة في سوريا والعراق بحسب تقرير صدر أخيراً. استقطب هذا الصراع أكبر عدد من المقاتلين الإسلاميين منذ عام 1945. وقد كشف المركز الدولي لدراسات التطرف أن تنظيم داعش يعمل حاليّاً على استقطاب 16 ألف شاب جديد من مختلف أنحاء العالم.

ولحشد أكبر عدد من المقاتلين، تسعى الحركات المتطرفة إلى التغلغل داخل المجتمعات معتمدةً على نسج علاقات قويّة مع الأجيال الشابة، لا سيما في الدول التي تضم حركات مناهضة للحكومة المركزية. كما تلجأ الى استمالة العاملين في قطاعات حيوية كأجهزة الشرطة أو الجيش. وتُعتمد هذه الطريقة في دول هشّة حيث يُساهم انتشار الفساد الإداري والرشوة في استمالة رجال الأمن. فعلى سبيل المثال، نجحت  حركة طالبان، مرّات عدة، في اختراق أجهزة الأمن الأفغانية ومهاجمة قوات التّحالف داخل قواعدها.

أما تنظيم القاعدة، فتمكّن من اختراق أجهزة كثيرة. ولعل أبرز عملياته تلك التي نفّذها العميل المزدوج الأردني همام خليل البلوي ضد أجهزة المخابرات الأردنية والأمريكية التي جنّدته لاختراق طالبان باكستان. العميل همام، وهو نفسه أبو دجانة الخراساني، فجّر نفسه في اجتماع أمني عالي المستوى مع مُجنّديه وراح ضحيته عددٌ من ضباط المخابرات الأمريكية وضابط تنسيق أدرني.

وفي بيئات اجتماعية أخرى، تتّخذ الحركات المتطرفة من أماكن التجمع العامّة كالمدارس والجامعات والمعاهد والمساجد منابر للدعاية. كذلك تستعين بوسائل مكمّلة كالكتيّبات والمنشورات والأشرطة والفيديوهات. ومع انتشار الإنترنت، أصبحت هذه الوسيلة رأس الحربة في التعبئة والتجنيد.

وهناك أيضاً ما يُعرف بـ"تقنية العدوى" أو الإصابة، وتُستخدم في الأوساط الريفية أو المجتمعات المعزولة. إذ يَعمد أحد عناصر الحركة إلى التغلغل داخل الكيان الاجتماعي المستهدف عبر الإقامة في الحيّ، أو المصاهرة أو العمل، للتعرّف على إمكانات التجنيد المحتملة، ومعتمداً على مهاراته الاجتماعية وقدرته على الإقناع وعلى نسج علاقات اجتماعية قوية بالآخرين.

إرهاب أونلاين

تحوّلت أنشطة الجماعات المتشددة إلى الفضاء الرقمي سريعاً. وتزايد عدد المواقع الجهادية على الإنترنت بشكل قيّاسي، فارتفع من 12 موقعاً جهادياً عام 1998 ليصل إلى 7.000 موقع ناشط حالياً، من بينها 4500 موقع تابع لتنظيم القاعدة.

ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة عام 2012، فإنّ "المنظمات الإرهابية تبث إعلاناتها باستخدام مجموعة واسعة من الوسائط الاجتماعية التي تشمل المواقع الالكترونية وغرف الدردشة والمنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي بما فيها فيسبوك وتويتر ويوتيوب".  ويشير التقرير إلى أنّ "وجود هذه المحتويات على محركات البحث الالكترونية يُسهّل عملية ولوج المجندين المحتملين إليها".

وتوضح مذكّرة صادرة عن شعبة الأمن القومي الأمريكي أن "الإنترنت أصبح أداة بالغة الأهمية لنشر الدعاية الإرهابية وإصدار الأوامر والتعليمات إلى شباب لم يكونوا ليتواصلوا مع هذه المجموعات لولا وجود الإنترنت". وتتابع الوثيقة: "الإنترنت كأداة متاحة ورخيصة وآمنة توفّر للإرهابيين أساليب متنوعة للتواصل مع المجنّدين والمناصرين".

وإلى التجنيد، تستخدم الجماعات المتطرفة الإنترنت أيضاً لتمويل عملياتها وجمع التبرّعات من مناصريها حول العالم. ويتمّ ذلك عن طريق التواصل المباشر بين المموّل والعناصر، أو عبر التجارة الالكترونية (تسويق الكتب والتسجيلات عبر الإنترنت) أو بوسائل الدفع الرقمية كبطاقات الائتمان. وتقوم المنتديات والمواقع بتنسيق التحويلات المصرفية من خلال نشر التعليمات والإجراءات التي يجب إتباعها.

كثيرة هي المواقع الجهادية على غرار شبكة الجهاد العالمي، ومؤسسة السحاب (الذارع الإعلامية لتنظيم القاعدة)، ووكالة أنباء دعوى الحق. وموقع جيش المجاهدين، وشبكة الحسبة الإسلامية. إلا أنّ منتدى العرين ومنتدى النصرة الجهادية ومنتدى البوارق ومنتدى أنصار الحق الناطق باللغة الفرنسية، تُعدّ أبرز المنتديات الجهادية. وعلى الرغم من أنّها غالباً ما تتعطّل نتيجة القرصنة والهجمات الإلكترونية، يحتفظ القيّمون عليها بالمحتوى الرقمي والأرشيف على حواسيب شخصية محميّة. وبالتالي، تتمّ إعادة تفعيل هذه المواقع أو وضع روابط بديلة فور تعرّضها للاختراق. أما الحسابات الشخصية أو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي يجري التبليغ عنها أو قرصنتها، فتتمّ الاستعاضة عنها بفتح صفحات وحسابات جديدة نتيجة سهولة هذا الإجراء.

تكفي نظرة سريعة على مواقع تجنيد المقاتلين لمعرفة مدى حرص هذه الجماعات على استغلال الإنترنت لإبراز هويتها وتوضيح أهدافها ورؤيتها بالإضافة إلى تصوير أكثر معاركها إثارة، مع تخصيص جزء كبير لسرد السيرة الذاتية لأبرز قادتها، علاوة على تحديثات الأخبار المتعلقة بأنشطة المنظمة وإعداد أناشيد الجهاد والتحريض، وبثّ البيانات والخطابات ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية.

ويلاحظُ تركيز التجنيد عبر الإنترنت على فئات القاصرين والمراهقين عن طريق بثّ مواد تسترعي انتباه هذه الفئات كألعاب الفيديو وقصص الأطفال والأناشيد. وبموازاة ذلك، يتمّ نشر رسائل وإعلانات تحرّض على العنف وتروّج لارتكاب أعمال إرهابية، لينتهي الأمر ببعض المستهدفين إلى الدخول في اتصال مباشر مع العناصر المتطرفة والانضمام لصفوفها.

أحاديث الجهاديين

في أحد المقاهي المهجورة في مدينة إدلب شمالي سوريا، يجلس أبو سميّة البريطاني الذي وصل إلى هناك قبل سنة، قبالة شاشة الحاسوب، حيث يعمل على تطوير وإدارة برنامج داعشّو ISIS SHOW وهو برنامج بثّ صوتي تستخدمه الجماعة لنشر أفكارها والدّعاية لما تسميه دولة الخلافة عبر الإنترنت. يتحدث أبو سمية عبر خدمة السكايب إلى الصحافي جوناثان ليكرون مقدّم برنامج Jihadistuff على موقع تويتر، عن جديد كرة القدم  ويقول إنّ شغفه بالكرة أصبح يتضاءل كلّما تقدم في السّن، وإنّه كان في السابق مشجعاً لمانشستر يونايتد، إلا أن أغلب مقاتلي داعش كانوا يشجعون ريال مدريد، وبرشلونة.

سرعان ما يتدرّج الحديث إلى حياته الجديدة. فيؤكّد أنّه مرتاح جدّاً وأنّه لم يعد يأبه لجنسيته البريطانية أو جواز سفره ولا يعرف حتّى أين تركه. ويقول إنّ الكثيرين من رفاقه لا ينوون مطلقاً العودة إلى بلدانهم الأصلية وقد قطعوا كل صلة بها وأحرقوا جوازات سفرهم. ويضيف "نحن هنا نتمتّع بالحرية التّامة. يمكنني أن أقود سيارتي وأذهب إلى حيث أشاء، لا أحتاج حتى إلى رخصة قيّادة، ولا أي شيء آخر".

أما عن الأسباب التي جعلته يلتحق بداعش فيقول: "لا شيء يجعلني متطرفّاً أكثر من سياسات الحكومات الأمريكية والبريطانية والأوروبية، وما تقترفه بحقّ شعبنا في أفغانستان". ويوضح أبو سميّة أنّه لم يتصل بعائلته، وأبنائه الثلاثة، منذ وصوله إلى سوريا، ويضيف ممازحاً مُحاوره أن الشيء الوحيد الذي يفتقده من بريطانيا، هو جودة شبكة الانترنت".

أما بيير شوليي (19 عاماً)، فقد ترك رسالة مقتضبة بعد أن اختفى فجأة من منزل أهله في فرنسا، في أكتوبر 2013 جاء فيها: "أمي، أبي، لقد ذهبت إلى سوريا لأساعد النّاس. لكن لا تقلقوا، سأتصل بكما حالما يمكنني ذلك".

ظنّ والدا بيير أن ابنهما تطوع لدى المنظمّات الإغاثية في سوريا لا سيما أنّه أخبرهما في إحدى مراسلاته، أنه يعلّم الأطفال السوريين لعب كرة القدم. لكنّ هجوماً انتحاريّاً في العراق قبل أيام، قطع الشك باليقين. ففي شريط فيديو بثّه تنظيم داعش لهجوم بشاحنة مفخخة على ميليشيات موالية للحكومة قرب قاعدة سبايكر في محافظة صلاح الدين، نعى داعش منفّذ الهجوم "أبو طلحة الفرنسي" الذي لم يكن غير المراهق الفرنسي بيير شوليي.

نشر هذا الموضوع على الموقع في 02.03.2015

عبد الله البو أحمد عبد

صحافي موريتاني، باحث في المركز الموريتاني للبحوث والدراسات. يكتب في الشؤون السياسية والاجتماعية، حاصل على ماجيستير في اللغة والحضارة الإسبانية، وماجيستير في الترجمة المتخصصة.

التعليقات

المقال التالي