الحروب الحالية تستبيح القوانين والقرآن والمقاتلون يعيثون في الأرض فساداً

الحروب الحالية تستبيح القوانين والقرآن والمقاتلون يعيثون في الأرض فساداً

قطع رؤوس، قتل مدنيين وأسرى حرب وحرقهم، اغتصاب نساء، تجنيد أطفال، ترحيل سكان وتشريدهم، تدمير البنى التحتية والمدارس والمستشفيات ودور العبادة والآثار، سلب ممتلكات، تجويع سكان، اتخاذ رهائن واستخدام دروع بشرية، الاعتداء على فرق الإغاثة وعرقلة عملها، تطهير إثني وديني، حرق أراضٍ زراعية، سيطرة على منابع المياه، استخدام الكلور وغيره من الأسلحة المحظورة، تدمير شامل وممنهج لجميع مقومات الحياة، واللائحة تطول ولا يكاد يوجد أي مبدأ من مبادئ قانون النزاعات المسلحة إلا انتُهك.

وإذا كان السلام حقاً من حقوق الإنسان، فإن الحرب تخضع لقوانين تحمي حياة وكرامة من يقاتل ومن لا يقاتل. وبغض النظر عن أحقية ومشروعية وعدالة الحرب وقضايا المقاتلين، أكانوا مجموعات أم جيوشاً نظامية، فإن قانون النزاعات المسلحة، أو ما يعرف بالقانون الدولي الإنساني وباتفاقات جنيف الأربعة للعام 1949 وبروتوكولاتها الثلاثة الملحقة بها، قد نصّ على عدد من القواعد التي تحمي المقاتلين والمدنيين والمعتقلين.

هل يخضع الإرهابيون للقانون الدولي؟

تثير الحروب الحديثة تحديات مختلفة في ما يتعلق بتطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصاً من حيث إلزام المجموعات المسلحة باحترام وتطبيق هذه القواعد. ويظهر حالياً ميل إلى وسم جميع الأعمال القتالية التي تشنها الجماعات المسلحة بأنها "إرهابية".

ويتسبب استخدام مصطلح "عمل إرهابي" بدل النزاعات المسلحة في تغاضي الجماعات المسلحة من غير الدول عن قواعد القانون الدولي الإنساني لاعتقادها بأنه لا يوجد لديها أيّ دافع للالتزام بقوانين الحرب وأعرافها.

من هنا، فإن لتسمية بعض الجماعات المسلحة من غير الدول بـ"الجماعات الإرهابية" آثاراً سلبية كثيرة على المبادئ الدولية الإنسانية، وقد تؤدي إلى إعاقة العمل الإنساني كذلك"، خاصةً أنها تثير إشكاليات تتعلق بتعريف المقاتل.

هل ينطبق القانون الدولي الإنساني على مجموعات جهادية تتبنى فقط ما يذكره القرآن، مثل داعش والقاعدة وأخواتهما؟ بلى من وجهة نظر القانون الدولي. فالتنظيمات الإسلامية والميليشيات المتصارعة معها والجيش الحر والمجموعات المسلحة المدعومة من الحكومات كالشبيحة وحزب الله في سوريا والحشد الشعبي في العراق والحوثيون في اليمن، تخضع لأحكام هذا القانون مثلها مثل الجيوش النظامية وجيوش التحالف. لكن، داعش وأخواتها لا تعترف علناً بهذا القانون.

ففي حروب المسلمين الحالية يتبنى المقاتلون المسلمون تفسيرات خاصة للإسلام ويحاربون كل مَن لا يعترف بتفسيراتهم سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين. هذا برغم أن غالبية مواقف الفقهاء تتفق على احترام اتفاقات جنيف، بدليل توقيع الدول الإسلامية مثل السعودية وإيران وتركيا وباكستان عليها. ولكن بعض علماء الفكر السلفي الجهادي لا يلتزمون بهذه القوانين الوضعية التي سنّها "كفار" أساساً.

مبادئ القانون الدولي الإنساني

وينص القانون الدولي الإنساني على مبادئ أساسية، منها مبدأ التمييز بين المقاتل وغير المقاتل، وعدم استهداف المدنيين بالعمليات الحربية. ويؤكد أنه لا ينبغي استهداف مَن أصبح غير قادر على القتال، أي الجرحى والمرضى والغرقى وأسرى الحرب، وأي طيار يهبط بالمظلة بعد أن تصاب طائرته. ويدعو إلى عدم استهداف العمليات الحربية لأفراد الخدمات الطبية والدينية سواء كانوا مدنيين أم عسكريين، وأفراد الدفاع المدني، وأفراد منظمات الإغاثة الدولية والمحلية.

باختصار، حصر القانون الدولي الإنساني العمليّات العسكرية بالأهداف العسكريّة. ودعا إلى الامتناع عن استهداف الأعيان المدنيّة، أي كل ما لا يشكل هدفاً عسكرياً، وخصّ بالذكر السدود، والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، والممتلكات الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة، والمناطق المحيَّدة ومنزوعة السلاح والمحلات غير المحمية عسكرياً والأعيان الثقافية. كما حضّ على احترام الممتلكات المدنيّة، وعلى الإحجام عن السلب والسرقة.

ولم يقف قانون الحرب عند هذا، بل تضمّن مبادئ حول آليات الحرب وتكتيكاتها ووسائلها وأساليبها وواجبات الأطراف المتحاربة. فنصّ على الحرص على ألا تتخطى الأضرار الجانبية المتوقعة الفائدة العسكريّة المرتقبة عند توجيه ضربات ضدّ أهدافٍ عسكريّة، وطالب الفئات المتحاربة بأخذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنّب إيقاع أضرار جانبية أو تقليلها إلى الحدّ الأدنى، كما نص على عدم استخدام أسلحة محظورة، أو اعتماد أساليب قتالٍ غير مشروعة. هذا مع العلم أن واضعي قانون الحرب هم من جنرالات الجيوش المتحاربة بعد الحرب العالمية الثانية وليسوا من المدنيين دعاة السلام.

وتكمل اتفاقات جنيف الأربعة نصوصها الهادفة إلى حماية المدنيين في أوقات الحرب لتتطرق إلى كيفية التعامل مع الجرحى والموتى. فنصت على جمع الجرحى والموتى، سواء انتموا إلى جهة صديقة أو عدوة، وعلى واجب تقديم الرعاية اللازمة لهم. كما نصت على معاملة جميع الأشخاص معاملة إنسانيّة، واحترام حقوقهم الأساسيّة، وتوفير الرعاية والامتناع عن إيذاء كل مَنْ استسلم، أو اعتُقل، أو أصبح تحت السيطرة أو من تم احتلال أرضه/ بلده، والامتناع عن أخذ الرهائن واستخدام الدروع البشريّة. وشددت على عدم ترحيل السكان المدنيّين، إلا إذا كان ذلك ضروريّاً للحفاظ على سلامتهم أو لأسباب عسكريّة ملزِمة، وفي هذه الحالة يجب تأمين الحماية لهم.

وأفردت الاتفاقات بنوداً خاصة لحماية النساء إذ نصت على وجوب احترام المرأة، والامتناع عن الاعتداء عليها جنسيّاً، أو السماح بحدوث ذلك. كما نصت على حصول الأطفال على المعونة والرعاية اللتين يحتاجون إليهما، والامتناع عن تجنيدهم في القوات المسلّحة أو استخدامهم في الأعمال العدائيّة.

كذلك دعت إلى احترام الطواقم والأعيان الطبيّة وحمايتها، بما في ذلك تلك التي تحمل شارات الصليب الأحمر/ الهلال الأحمر/ الكريستالة الحمراء، ورموزاً أخرى تابعة لوكالات إنسانيّة، وإلى السماح بعمليات الإغاثة الإنسانيّة المحايدة وتسهيل وصول عمال الإغاثة إلى المدنيّين، والإحجام عن الثأر وأعمال الانتقام والغدر. ومن الأمثلة على الغدر التظاهر بالاستسلام ثم الهجوم، واستخدام سيارات تحمل شارات إنسانية لنقل السلاح والمقاتلين واستخدامها في الأعمال الحربية.

ماذا يقول الإسلام؟

بدايةً، ماذا يقول القرآن الكريم؟ جاء في الآية 90 من سورة البقرة: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ أن اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ"، أي أن القتال ينحصر في فئة المقاتلين.

كما أن هناك سوراً عدة في القرآن الكريم تنادي بمحدودية استخدام القوة: "فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّـهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا" (4: 90)، "وَإِن جَنَحوا لِلسَّلمِ فَاجنَح لَها وَتَوَكَّل عَلَى اللَّـهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ" (8: 61).

علماً أن القرآن الكريم والسنة لا يؤيدان التدمير الشامل والإبادة والإتلاف. إذ حظرا الإفساد والفساد في الأرض بشكل عام، واحتويا على عدد من المعايير في ما يتعلق بمعاملة الأسير. فجاء في الآية الثامنة من سورة الإنسان: "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً". وقال الحديث الشريف: "استوصوا بالأسارى خيراً".

وقد وضع الخليفة الأول أبو بكر الصديق أسس أحكام القتال في خطبته إلى الجيش في السنة العاشرة للهجرة (632م) إذ قال: "أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها فاذكروا اسم الله عليه". وفي هذه الخطبة يظهر تمييز واضح بين المقاتلين والمدنيين وفيها حديث عن حماية الأعيان المدنية (نخل، شجر مثمر، بقر، بعير) وفيها إشارة واضحة إلى الأساليب المقبولة في القتال "لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا".

التعليقات

المقال التالي