اليسار التونسي: أسباب كثيرة تمنعه من الوصول إلى السلطة

اليسار التونسي: أسباب كثيرة تمنعه من الوصول إلى السلطة

"الحُكم يهرّي"، عبارة قالها الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية، في سياق تبريره فشل حركته في الفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة. العبارة تختصر تأثير السلطة على رصيد من يصل إليها. وفي تونس، حققت الأحزاب اليسارية، التي لم تجرّب السلطة بعد، نجاحاً نسبياً في الانتخابات مكّنها من تكوين أكبر كتلة معارضة داخل البرلمان. ولكن هل تستطيع هذه الأحزاب تكذيب مقولة "الحُكم يهرّي" إن كتب لها الوصول إلى السلطة؟

حضور سياسي متصاعد

حققت الأحزاب اليسارية في تونس تطوراً ملحوظاً في السنوات الثلاث الماضية تكلّل بتأسيس الجبهة الشعبية، وهو ائتلاف لأحزاب ماركسية وقومية. وخاضت الجبهة انتخابات 2014 التشريعية بشكل موحد، وفازت بـ16 مقعداً، بينما حلّ حمة الهمامي، مرشحها للانتخابات الرئاسية، في المرتبة الثالثة، وهي نتائج غير مسبوقة في تاريخ الأحزاب اليسارية في تونس.

عُرف اليسار التونسي بموقفه الرافض للدكتاتورية ومقاومة الاستبداد في عهدي الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وخاض معارك نضالية جعلته عرضة للإقصاء، فلجأ لفترة طويلة إلى العمل السري، وتعرضت قياداته للاعتقال والتعذيب، في أحداث عدة آخرها احتجاز حمة الهمامي، زعيم حزب العمال، في قبو وزارة الداخلية آخر أيام بن علي.

وبعد الثورة، خاضت الأحزاب اليسارية تجربة انتخابات 2011 بشكل منفرد، فمنيت بهزيمة كبيرة، وفازت بثلاثة مقاعد داخل المجلس التأسيسي. غير أن هذه الهزيمة لم تؤدِّ إلى غياب هذه الأحزاب عن المشهد العام، وحظي قادتها بحضور إعلامي كبير، وباتت صوت المعارضة الأول في البلاد.

عام 2013، وفي خضم مساعي التوحيد وتأسيس الجبهة الشعبية، فقدت الأحزاب اليسارية في تونس اثنين من أهم زعمائها، في عمليتي اغتيال، هما شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فارتفعت شعبية الجبهة، وباتت إحدى أكبر ثلاث قوى سياسية في البلاد.

نقابات العمّال معقل اليسار التونسي

اقترن اسم اليسار التونسي عبر التاريخ بالعمل النقابي. وتعود بدايات التجربة النقابية إلى أربعينيات القرن الماضي مع تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ناضل ضد المستعمر الفرنسي إلى أن نالت البلاد استقلالها عام 1956.

وبعد الاستقلال، تواصل حضور اليسار التونسي في العمل النقابي، وخاض مواجهات متكررة مع السلطة كان أبرزها الإضراب العام الذي نظمه الاتحاد في يناير 1978 وسلسلة الإضرابات التي ساهمت في إطاحة بن علي أواخر 2010 وبداية 2011.

في إطار تعليقه على مدى قدرة الجبهة الشعبية على خوض معارضة فعالة أمام ائتلاف حاكم مدعوم من ثلثي أعضاء البرلمان، قال زياد لخضر، نائب مجلس نواب الشعب والقيادي في حزب الديمقراطيين الوطنيين الموحد (الذي كان يتزعمه شكري بلعيد)، إن "للجبهة الشعبية ساحات نضالية أخرى يكون فيها صوتها مسموعاً بشكل أفضل"، في إشارة واضحة إلى سيطرة الجبهة على الاتحاد العام التونسي للشغل.

منذ مجيء حكومة الحبيب الصيد، التي لم تشارك فيها الجبهة الشعبية، باتت البلاد تعيش على وقع حراك نقابي غير مسبوق. فقد شهدت قطاعات عدّة شللاً شبه تام بسبب الإضرابات المتكررة، كان آخرها إضرابات نفذتها قطاعات التعليم الثانوي والصحة والاتصالات والقضاء.
تعكس هذه الإضرابات ما صرّح به زياد لخضر، فالجبهة الشعبية تبقى قادرة على خوض تجربة المعارضة بعيداً عن قبة البرلمان، وتستطيع تحقيق مكاسب سياسية عبر توظيف نقابات العمال. ويبدو أنها نجحت في ذلك إلى حدّ كبير، فأهم الصعوبات التي باتت تهدد مصير الائتلاف الحاكم اليوم هي الحراك العمالي المتصاعد الذي يقوده الاتحاد العام التونسي للشغل.

وفي تصريح أثار جدلاً إعلامياً واسعاً في الفترة الأخيرة، قال حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، إن "تونس تعيش بوادر ثورة اجتماعية ثانية". يتضمن هذا التصريح الذي يأخذ شكلاً نقابياً، ضغطاً سياسياً واضحاً يتماشى مع موقف الجبهة الشعبية الذي ما انفك يُحذّر من اندلاع انتفاضة جديدة.

حظوظ اليسار في النجاح إذا وصل إلى السلطة

يستدعي النظر في حظوظ نجاح اليسار التونسي في تجربة الحكم التدقيق في اختلافاته عن بقية الأحزاب التي خاضت التجربة. وتتلخص أهم هذه الاختلافات في الرؤى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

اقتصادياً، تتركز أهم انتقادات الجبهة الشعبية للائتلاف الحاكم على أنه يتكون من أحزاب ليبرالية غير قادرة على تحقيق نموذج تنموي عادل. وتعتبر السياسة الاقتصادية التي يتبناها هذا الائتلاف تواصلاً للتوجه العام الذي تبناه بن علي في الماضي، وحافظت عليه أحزاب الترويكا من بعده، والقائم على سياسة فرض ضرائب غير عادلة، واندفاع نحو الخصخصة والتفريط في مقدرات البلاد.

في المقابل، طرحت الأحزاب اليسارية في برنامجها الانتخابي مراجعة عميقة لسياسة الجباية والسير نحو تنمية عادلة في جميع الجهات. ولكن هذا التركيز على مراجعة المنظومة الجبائية وتوجيهها نحو رأس المال الحرّ قد يكون له انعكاسات اقتصادية وخيمة، مثل عزوف أصحاب رأس المال عن الاستثمار، وتالياً فشل مشروع التنمية الجهوية الموعود.

تعود جذور الأزمة الاجتماعية الخانقة التي أطاحت بنظام بن علي إلى فشل الدولة في الاستجابة لمطالب التنمية في الجهات الداخلية. ومنذ 2011، بات التوجه الاقتصادي العام يرمي إلى جذب استثمارات خاصة إلى المناطق المحرومة، وقد يتسبب تبني سياسة اقتصادية مغايرة في العودة إلى نقطة البداية.

اجتماعياً، لن تستطيع المنظمات النقابية المحافظة على دورها الفعال في حال وصول اليسار إلى السلطة. ستجد نفسها إما مضطرة إلى الاصطفاف مع السلطة لأن أغلب قياداتها منخرطة في أحزاب يسارية أو ستبقى وفيّة للعمل النقابي ضدّ السلطة، ولكن سيكون من الصعب المحافظة على وحدة الصف النقابي كما كان ولا يزال.

سياسياً، أثبتت تجارب ما بعد ثورة 2011 أنه لم يعد ممكناً أن ينفرد طرف ما بحكم تونس. احتاج حزب النهضة إثر الفوز بانتخابات 2011 إلى التحالف مع ما بات يُعرف بأحزاب الترويكا، واحتاج حزب نداء تونس، بعد الفوز بانتخابات 2014، إلى التحالف مع غريمه حزب حركة النهضة وأحزاب أخرى تلتقي معه من حيث الرؤية الاقتصادية والاجتماعية.

في كلتا التجربتين، انحازت الأحزاب اليسارية إلى صف المعارضة، ولم تنجح في تحقيق أي تقارب مع الأطراف السياسية الأخرى، حتى في اللحظات التي استوجبت التغاضي عن الموقف الإيديولوجي للصالح العام. لا يُمكن لهذا التوجه أن يكون عاملاً مساعداً في حال وصول الجبهة اليسارية إلى السلطة، وقد يؤدي ذلك إلى فشل تجربة الحكم قبل انطلاقها لعدم القدرة على الدخول في ائتلافات مع الأطراف التي تتبنى طروحات اقتصادية واجتماعية مخالفة.

سيُكتب للجبهة اليسارية نجاح في السلطة فقط إذا استوعبت ما لم يستوعبه غيرها: كرسي المعارضة المريح يختلف عن كرسي الحُكم الشائك. قد تصلح الشعارات والطروحات النظرية في معارضة السلطة ولكنها لن تساعد حتماً على النجاح فيها.

عزالدين السعيدي

أستاذ جامعي وصحافي تونسي، مساهم في وسائل إعلامية عدة. يحمل إجازة في اللسانيات الإنغليزية.

كلمات مفتاحية
تونس

التعليقات

المقال التالي