حرية الصحافة في تونس: مخاوف من العودة إلى مرحلة القمع

حرية الصحافة في تونس: مخاوف من العودة إلى مرحلة القمع

رغم تصنيف منظمة "فريدوم هاوس" وضع الحريات الصحافية فيها بأنه حر جزئياً، تعيش تونس جدلاً واسعاً حول حرية التعبير والصحافة بعد تقديم صحافيين شكاوى كشفت عن ضغوط تمارسها السلطة الجديدة على أصحاب الصحف ووسائل الإعلام بهدف التأثير على عملهم، إما بدعوتهم إلى عدم انتقادها أو بحثهم على تلميع صورتها أمام الرأي العام، وهذا ما دعا إلى دق ناقوس الخطر في بلد اعتقد الجميع أن لا عودة فيه إلى انتهاج أساليب الديكتاتورية القديمة.

اندلعت الأزمة بين الصحافيين والسلطة، حين اتهم رئيس النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، ناجي البغوري، الرئاسة التونسية بـ"ممارسة ضغوط على الصحافيين" والاتصال بالمديرين العامين للمؤسسات الإعلامية الحكومية والطلب منهم إقامة فريق عمل في القصر الرئاسي لتلميع صورة رئيس الدولة الباجي قائد السبسي. وكانت النقابة قد حذرت المؤسسات الإعلامية "من تطويع الصحافيين والزج بأسمائهم في المقالات المدحية المتزلفة للنظام".

ومنذ شهر تقريباً بدأت تظهر في الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية مقالات ذات طابع دعائي واضح للسلطة الجديدة، وغالبيتها تمتدح الرئيس الجديد، وهذا ما أثار موجة من السخرية والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي. ففي عنوان عريض على غلافها، علّقت إحدى الصحف اليومية على زيارة السبسي الأخيرة إلى فرنسا، بالقول: "شمس تونس تسطع في باريس". كما حذر صحافي  من الذين يريدون النيل من "كاريزما الرئيس"، وكتب آخرون مقالات وصفت السبسي بـ"صاحب الحضن الدافئ" و"الخطاب اللذيذ".

عودة الرقابة القبْلية

وفي السياق ذاته، كشف نقيب الصحافيين عن أن دائرة الإعلام برئاسة الجمهورية اتصلت بإدارة القنوات والإذاعات الحكومية وطلبت منها وضع صحافيين متفرغين في خدمة الرئاسة لمتابعة نشاط الرئيس وتلميع صورته، وعدم تصوير أنشطة الرئيس كي يقوم بذلك تقنيون من الرئاسة في محاولة لتجميل صورته. وهذا يعني عودة الرقابة القبْلية التي كانت تمارس في تونس قبل سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

كذلك أشار النقيب إلى أن السلطة تستعمل سلاح الامتيازات المادية في سبيل ذلك، موضحاً أن "الدعوات التي توجهها الرئاسة لتغطية سفرات الرئيس إلى الخارج تتم بصفة انتقائية وخاصة في الإعلام المكتوب لنرى عناوين على شاكلة ''شمس تونس تشرق في باريس" وغيرها، ثم يبدأ الإشهار العمومي في الظهور في تلك الوسائل الإعلامية بشكل مفضوح". ولكن مسؤول الإعلام في الرئاسة التونسية اعتبر أن اتهامات البغوري "تتضمّن مغالطات دون أدلة".

ورأى الصحافي التونسي معز الجماعي أن السلطة الجديدة تستهدف الصحافيين ترهيباً وترغيباً. وقال لرصيف22 إن "الضغوط التي يتعرض لها الإعلام في تونس في المدة الأخيرة تنقسم قسمين، قاسمهما المشترك محاربة حرية الصحافة والتعبير. القسم الأول يعتمد على ترهيب الصحافيين الذين أنجزوا تحقيقات استقصائية ساهمت في الكشف عن الفساد المالي والإداري وتورط عدد من كوادر الدولة في قضايا تهريب خربت الاقتصاد الوطني على غرار قضية تهريب الألعاب النارية بمدينة صفاقس، جنوب البلاد. والقسم الثاني يعتمد على الترغيب من خلال تجنيد بعض الأقلام والوجوه الإعلامية لتلميع صورة السلطة لدى الرأي العام".

وأضاف الجماعي: "في السياق ذاته، نجحت بعض الأطراف الحكومية في توجيه خط تحرير عدد من وسائل الإعلام التي قبل صحافيوها بنشر مقالات تمجد سياسة الحكومة الحالية وبإيهام الرأي العام بنجاحات حكومية وهمية. ولكن هذا الأمر يرفضه زملاؤهم الذين قرروا عدم الإذعان للتعليمات الرسمية ونقل ما يحدث في تونس بكل أمانة للمواطنين، وللرأي العام العالمي".

دروس الماضي

في السياق نفسه، شدد الصحافي في القناة الحكومية، عبد الستار العايدي، على ضرورة تحلي الصحافيين بالمسؤولية تجاه مهنتهم والالتزام بميثاق العمل الصحافي من خلال التصدي لأيّة عملية تدخل من السلطة في عملهم أو توجيهه لمصلحتها. وقال لرصيف22: "لدينا في تونس تجارب مريرة مع الأنظمة السابقة في تركيز أجهزة دعاية لمصلحتها من خلال استغلال الإعلام الحكومي وتدجين الإعلام الخاص. فقد فرّط الصحافيون، بعد الاستقلال ومع قدوم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة إلى الحكم، في حريتهم واستقلاليتهم ليجدوا أنفسهم منذ منتصف الستينيات مكبلين بقيود السلطة الثلاثة: العنف، المال، والنفوذ".

وتابع العايدي: "ثم جاء بن علي عام 1987 ووعد بتحرير القطاع الصحافي من القيود وعرفت البلاد حرية نسبية في وسائل الإعلام استمرت حتى عام 1991، حين استغل بن علي الظروف المحلية في صراعه مع الإسلاميين والظرف الدولي في حرب الخليج وأحكم السيطرة على الدولة وقيّد حرية التعبير والصحافة، ففرّط الصحافيون التونسيون مرة ثانية في فرصة التحرر والانعتاق. وأعتقد أننا اليوم يجب أن نستفيد من دروس الماضي ولا نفرط في حريتنا واستقلالنا عن السلطة".

قانون زجري

إلى ما تقوم به من تدخلات في الإعلام، قدمت السلطة التنفيذية في تونس مشروع قانون يتعلق "بزجر الاعتداء على القوات الحاملة للسلاح من الأمن والجيش" للمصادقة عليه داخل البرلمان. وقد أثارت فصول القانون جدلاً واسعاً في الساحتين السياسية والإعلامية في البلاد. فهو يتضمن عقوبات بالحبس تصل إلى عشر سنوات، وتتعلق في جانب منها بالعمل الإعلامي والصحافي. إذ ينص الفصل الرابع من هذا المشروع على أنه "يعتبر سراً من أسرار الأمن الوطني جميع المعلومات والمعطيات والوثائق المتعلقة بالأمن الوطني مهما كانت الوسائل المعتمدة لاستعمالها ومسكها وحفظها وتداولها والتي يجب أن لا تكون معلومة إلا ممن له الصفة في استعمالها أو مسكها أو تداولها أو حفظها". كذلك يعاقب في فصله السادس كل من يسرّب هذا السر الأمني "بالسجن مدة عشرة أعوام وبغرامة قدرها خمسون ألف دينار"، وذلك ما يعني أن أبسط معلومة أو وثيقة ينشرها صحافي أو قناة أو إذاعة يمكن أن توضع تحت طائلة "السر الأمني" الذي يعرض الناشر إلى السجن عشر سنوات.

ووصفت نقابة الصحافيين مشروع القانون المذكور بالمناقض لروح الدستور، وقالت في بيان: "إنه معادٍ لحرية الصحافة وحرية التعبير ما من شأنه أن يعيد إلى الأذهان ترسانة القوانين التي أسست للدكتاتورية قبل الثورة وأن يزيد من مخاوف الإجهاز على مجمل مكتسبات الحرية التي تحققت". واعتبرت النقابة أن "مجرد عرض القانون بتلك الفصول هو عمل عدائي واستهداف لحرية الصحافة وحرية التعبير". وطالبت الحكومة بسحبه فوراً، كما دعت "الصحافيين والمجتمع المدني والكتل النيابية إلى تحمل مسؤولياتها كاملة في الوقوف ضد هذا المشروع القمعي".

ويعتقد معز الجماعي أن "مجلس نواب الشعب لن يصادق على قانون كهذا، خاصة بعد رفض مسودته من قِبل المنظمات النقابية والحقوقية". ويرى أن هذا المشروع الذي قدمته الحكومة "جاء لتكبيل حرية التعبير وعرقلة عمل الصحافيين. فالفصل 18 منه يبيح لأعوان الأمن الاعتداء على الصحافيين والمصورين دون تعرضهم لأيّة عقوبات أو مساءلة، مما ينذر بإمكان عودة الاستبداد البوليسي في تونس، بعد أن اعتقدنا أن ذلك الزمن ولّى إلى غير رجعة".

أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

كلمات مفتاحية
الإعلام تونس

التعليقات

المقال التالي