مصالح حركتي فتح وحماس تلتقي على استمرار الانقسام الفلسطيني والجمهور اعتاد على الوضع الحالي

مصالح حركتي فتح وحماس تلتقي على استمرار الانقسام الفلسطيني والجمهور اعتاد على الوضع الحالي

قبل أيام، حلّت الذكرى السنوية الأولى لتوقيع اتفاق الشاطئ للمصالحة الفلسطينية. ولكن حتى اللحظة لم ينفّذ منه سوى تشكيل حكومة التوافق الوطني. وهذه الأخيرة لم تتسلم زمام الأمور كلها، ولم تنفذ أي من المهمات التي تم تحديدها في إطار الاتفاق، وذلك ليس بسبب تقصير منها، إنما بسبب عراقيل توضع أمامها لدى كل خطوة تحاول القيام بها.

الشارع الفلسطيني يستشعر فشل الاتفاق كما هو حال الاتفاقات السابقة، ويحمّل المسؤولية لنزوات بعض القوى والأطراف الداخلية، وبالأخص أصحاب المصالح. فالشعور العام هو أن اتفاق الشاطئ لم يكن أكثر من اتفاق تكتيكي مرحلي لتجاوز ظروف صعبة واجهتها كل من فتح وحماس من دون أن ننسى الضغوط الخارجية التي تمارس على البعض والأجندات التي يتبع لها.

كان اسمها حكومة مصالحة

في حديث لرصيف22، قال وزير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف إن "الحكومة الحالية لم تتمكن من ممارسة أي مهمات في غزة سوى دفع الأموال. ولم تسمح لها حماس بالقيام بأي شيء" لافتاً إلى "الاعتداء على أول وزير يزور غزة ومحاولة قتله وهو وزير الصحة".

وأضاف عساف: "حاصرت حماس الوزراء في كل زياراتهم إلى غزة ولم تسمح لهم لا بإدارة الوزارات ولا المعابر ولا حتى توزيع المساعدات التي تُرسل من الضفة والتي كانت حماس تستولي عليها وتخزنها في مخازن"، مشيراً إلى أن "حماس بقيت تدير الوزارات كما تريد".

وقال وزير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: "باختصار كان اسمها حكومة مصالحة ولكنها لم تستطيع أن تحقق مصالحة. كما لم تستطع أن تمارس عملها كحكومة في غزة. فحماس أرادت منها أن تمول الإعمار وتشغل موظفيها وتدفع رواتبهم وتكون غطاء لها على المعابر وتدفع الفواتير ولكن دون أن تتمتع بأيّة مهمات أو صلاحيات".

وحاول رصيف22 التواصل مع عدد من قيادات حماس في الضفة للاستماع إلى وجهة نظرهم، إلا أنهم رفضوا الحديث. بشكل عام تتهم حماس غريمتها فتح بعدم الجدية في تحقيق اتفاق المصالحة وتنتقد عمليات الاعتقال التي تشمل ناشطيها في الضفة الغربية، معتبرةً ذلك مؤشراً على نيات فتحاوية مبيّتة. وقال الناطق باسم الحركة سامي أبو زهري: "إن حركة فتح والسلطة الفلسطينية لا تؤمنان بالانتخابات" متهماً الرئيس محمود عباس "بعدم الجدية في التوجه لانتخابات" وحركة فتح بـ"عدم المصداقية في تحقيق المصالحة".

تسلّم الأمانة

في ما يخص حكومة التوافق الوطني، نص اتفاق الشاطئ على النقاط التالية:

  •  تمكين حكومة الرئيس أبو مازن من السيطرة الكاملة على شؤون الحياة اليومية في غزة.
  • دمج الموظفين في جميع الوزارات.
  •  تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً بشأن ممارسة حكومة التوافق الوطني لمهماتها الأمنية في مناطق السلطة.

وقال لرصيف22، الحقوقي ماجد العاروري: "لم يحدث أي تقدم حقيقي في المصالحة، برغم تشكيل حكومة جديدة عرفت باسم حكومة التوافق الوطني. فهذه الحكومة جاءت وهي تحمل تفويضاً واحداً هو التحضير للانتخابات ومعالجة آثار الانقسام، إلا أنها لم تقم بأي شيء من هذا القبيل، وهذا يعني فشلها في تنفيذ المهمة التي شُكلت من أجلها". وأضاف أن الحكومة "بدأت تعمل كأنها جهة تفاوض وليس كمسؤولة عن تنفيذ اتفاق فوّضه إليها طرفان" مؤكداً أن "الحكومة كان يجب أن تعمل وفق التفويض التي حدد لها، وإن أعاقها أحد الأطراف تسلّم الأمانة كونها غير قادرة على تنفيذ مهماتها".

وفي الذكرى السنوية الأولى لتوقيع اتفاق الشاطئ، أصدرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بياناً انتقدت فيه عدم تنفيذ شيء من الاتفاق "سوى تشكيل حكومة لم تنفذ مهماتها في غزة بسبب عدم اضطلاعها بمسؤولياتها والعقبات التي وضعها حكم حماس أمامها".

وتعدّ أزمة صرف رواتب الموظفين في القطاع إحدى الأزمات الخلافية بين حركتي فتح وحماس. ففي يونيو 2007، بعد سيطرة حماس على غزة، طلبت السلطة الفلسطينية من الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم منها، وعددهم حوالى 70 ألفاً، التوقف عن العمل. فما كان من حماس إلا أن عيّنت، على مدار سبع سنوات، حوالى 42 ألف موظف. فنشأت أزمة دفع رواتب الموظفين وحتى الآن لم توافق حكومة التوافق الوطني على التكفل بذلك.

وفي شأن هذه النقطة، شددت الجبهة الديمقراطية على أنه "رغم الإجماع الوطني على حق الأمان الوظيفي لجميع موظفي ما قبل عام 2007 وما بعده، فقد مثل تكرار الحل الثنائي الفاشل بين الحكومة وحركة حماس في حل مشكلة موظفي حماس العقدة المباشرة أمام تفعيل حكومة التوافق وتسلمها للمعابر وفتحها والشروع في عملية الإعمار وتنفيذ وظائفها. وهو ما يعبر عن عدم امتلاك كل من فتح وحماس للإرادة السياسية والتشبث بالمصالح الفئوية والتأثر بالضغوط الإقليمية".

من يتحمل المسؤولية؟

ولدى سؤال العاروري من يتحمل الفشل، أجاب: "كلا الطرفين المنقسمين يعوقان، عن وعي ناضج، تنفيذ المصالحة. الحكومة تأخرت في محاولة فرض نفسها على قطاع غزة، وبقيت لشهور طويلة تتصرف كأنها حكومة في الضفة الغربية، وفشلت في حل بعض الملفات خاصة تلك المتعلقة بالموظفين وهو الثمن الذي كانت تريده حماس من المصالحة".

وأضاف العاروري: "الرئيس لم يدعُ حتى هذه اللحظة إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، بذريعة أن حماس غير موافقة، علماً أن اتفاق الشاطئ ينص على إجراء الانتخابات خلال ستة شهور. والرئيس بعدما شكل ما عرف باسم حكومة الوفاق ليس بحاجة إلى إذن من أحد حتى يدعو إلى الانتخابات، فبإمكانه فعل ذلك وإجراء انتخابات للوطن كدائرة واحدة وتالياً يفوز من يفوز، وتصبح لدينا حكومة شرعية بعد أن فقدت كل الهياكل شرعيتها".

هل تخشى فتح المصالحة؟

في الشارع الفلسطيني وجهة نظر تقول إن حركة فتح تخشى المصالحة لأنها لا تريد أن تخسر حكمها للضفة الغربية كما حدث معها في غزة. عن هذا قال عساف: "فتح لا تخاف المصالحة بل تريدها لأسباب وطنية وسياسية، وهي مَن وقّع كل الاتفاقات بلا تردد. ولكن فتح تريد كل الاتفاق، نريد دمج الموظفين حسب الاتفاق، ونريد انتخابات تشريعية ورئاسية ونريد أمناً موحداً، ونريد حكومة تسيطر على الأرض، ونريد فك الحصار من خلال إمساك الحكومة المعابر".

وتابع: "لم تسلّم حماس عملياً أي شيء ولم توقف خطابها التخويني والتكفيري، بل لاحقت أبناء الحركة وكوادرها بالتفجيرات"، لافتاً إلى أن "فتح لا تدير الحكومة بل سلمتها لمستقلين، في حين شكلت حماس حكومة ظل في غزة ولم تسمح للوزراء بممارسة عملهم".

هل هناك أفق؟

عند قراءة أغلب ما يكتبه المحللون السياسيون والإعلاميون في الصحف الفلسطينية، نلاحظ نوعاً من إجماع على التوصيات التي أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والإستشارات، وهي: "تغليب المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، ومقاومة الضغوط الخارجية مهما كانت قوتها، وعدم الرهان على التطورات الإقليمية لأن استقرار النظام العربي الرسمي في صيغة جديدة سيحتاج إلى وقت طويل، والتخلي عن عقلية الإقصاء أو الميل نحو فرض الوقائع على الأرض وتغليب لغة الحوار والعمل المشترك، والاحتكام في العلاقات الوطنية إلى الطرق السياسية والشرعية واحترام إرادة الشعب الفلسطيني".

أما العاروري فرأى "أن ما يجري يشير إلى أننا ما زلنا لا نقبل الرأي الآخر ومحكومين من طرفين تلتقي مصلحتهما على استمرار الانقسام ووجود سلطتين في الضفة وقطاع غزة". وأبدى اعتقاده بأنه "لن يكون هناك تقدّم ما دامت باقي القوى الديمقراطية تتصرف كأتباع مشرذمة، ولا تشكل بديلاً جماهيرياً قادراً على تغيير قواعد المعادلة".

لا يرى العاروري أن في الأفق ما يشير إلى تغيير في طبيعة النظام السياسي، وقال: "إن الجمهور اعتاد هذا النمط من الحكم، ولا يشكل رافعة للتغيير، والانقسام الحاصل في الحاضنة الإقليمية، وحالات الصراع في العديد من البلدان، يجعلان من هذا النموذج المنقسم أكثر استقراراً من نماذج أخرى، ويجعلان الكثيرين يقبلون التعايش معه، إما لمصلحة في بقائه، أو إحساساً بأن لا مصلحة من تغييره".

كلمات مفتاحية
فلسطين

التعليقات

المقال التالي