أهالي المعتقلين السياسيين في السجون المصرية يتمنون لو كان أبناؤهم معتقلين بتهم جنائية

أهالي المعتقلين السياسيين في السجون المصرية يتمنون لو كان أبناؤهم معتقلين بتهم جنائية

40 ألف معتقل سياسي تغيّبهم سجون النظام المصري عن الحرية، ومعهم أسرهم. وجميعهم يتعرضون لمضايقات وانتهاكات تشمل عائلاتهم، ولا تقف عند حد إلغاء الزيارات، وجعلهم ينتظرون ساعات قبل السماح لهم بزيارة قصيرة لا تتعدى عشر دقائق. رصيف22 التقى عدداً من أقرباء وقريبات المعتقلين لرصد معاناتهم.

أعداد المعتقلين الضخمة جاءت نتيجة عمليات الاعتقال العشوائي التي اعتمدها النظام منذ 3 يوليو 2013، وخاصة بعد تعديل القانون ليسمح بتمديد مدة الحبس الاحتياطي. بعض المعتقلين حُكم عليه بالسجن والبعض الآخر ما زال ينتظر.

انتظار ساعات وزيارة لدقائق

عبد الحميد قاسم شاب في التاسعة والعشرين من عمره صدر في حقه حكم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة التظاهر بدون ترخيص في القضية المعروفة باسم مجلس الشورى. تحدثت أخته مروة قاسم لرصيف22 عن معاناته بعد ترحيله إلى سجن طره: "في البداية وزعت إدارة السجن مجموعة "مجلس الشورى" على زنازين صغيرة مع مسجونين بتهم جنائية، ووصل العدد في الزنزانة الواحدة (طولها ستة أمتار وعرضها خمسة) إلى 40 شخصاً. وبعد صدور الحكم، جمعتهم الإدارة في زنزانة واحدة. وعندما اعترضوا على ضيق الزنزانة كلفهم اعتراضهم فقدان أغطيتهم وأغراضهم الشخصية".

عن المعاناة التي تكابدها في كل زيارة لأخيها تقول مروة: "نذهب في العاشرة صباحاً ولا يسمحون لنا بالدخول إلا في الرابعة أو الخامسة عصراً. وقبل المقابلة نُفتش بصرامة شديدة، وبعد كل هذا العذاب لا نجلس مع أقربائنا سوى عشر دقائق برغم أن المدة كما تحددها لائحة السجون يجب ألا تقل عن 45 دقيقة".

وتضيف مروة: "رغم التزامنا بالممنوعات المحددة بخصوص ما ندخله إلى أقربائنا في السجن، نُفاجأ من وقت إلى آخر بإضافة أشياء جديدة إلى قائمة الممنوعات، فيستولي الحراس على بعض ما في حوزتنا من أطعمة".

وتواصل مروة: "بسبب هذه الإجراءات التي تدوم ساعات طويلة لم يتمكن والدي من زيارة أخي عبد الحميد منذ اعتقاله، فظروفه الصحية لا تسمح له بتحمل كل هذه المشقات".

حرمان من الدراسة

عند سؤالها عن المضايقات التي تتعرض لها أثناء زيارة ابنها محمد حسام الدين، طالب الحقوق، قالت سحر مصطفى لرصيف22: "كل ما تعرضت له من مضايقات يهون، لكن ما لا أحتمله أن يعتدوا على ابني داخل السجن. ضربوه هو وزميله ممدوح جمال ضرباً مبرحاً".

"لم يكتفوا بهذا"، تقول سحر وتضيف: "عاقبوه بالحبس في غرفة التأديب بضعة أيام، واتهموه بالاعتداء على شرطي، وحرروا محضراً بذلك، وجرى تحديد جلسة له في قضية ثانية تضاف إلى قضية التظاهر".

جميع الطلبة المعتقلين لم يستطيعوا تأدية امتحاناتهم، ومنهم محمد حسام الدين. تقول والدته: "ابني اعتقل في أكتوبر، ولم يستطع هو وزملاؤه المذاكرة في الزنزانات الضيقة المكدسة بالمساجين. وأحياناً صودف أن موعد امتحانهم هو نفسه موعد جلسة محاكمتهم، لذلك لم يؤدِ أي منهم امتحاناته".

الاعتراض ممنوع

الدكتور يحيى عبد الشافي، مدير مستشفى عمر مكرم الميداني خلال أحداث 25 يناير، وابنه محمود معتقلان في سجن (طره). زوجته هناء أحمد تتذكر بأسى ما حدث لها بعد محاولة إدخال بعض الحلويات لابنها المريض الذي يحتاج إلى السكريات. قالت لرصيف22: "طلبت منهم إدخال حلويات لابني محمود، لكن إدارة السجن رفضت طلبي المتكرر، فما كان مني إلا أن قلت حسبي الله ونعم الوكيل".

عندئذ، أضافت أحمد: "حُرمت من الزيارة وحرروا محضراً بسبب ذلك، وتم تحويلي إلى قسم الشرطة ومعي ابني أنس، وفي القسم أصروا على حجزي لأبيت في الحبس حتى أمثل أمام النيابة صباح اليوم التالي".

"التعسف لم يقف عند هذا الحد"، تقول هناء وتستطرد: "أبلغت من فترة بنقل زوجي وابني إلى مجمع سجون وادي النطرون الذي يبعد عن القاهرة لمسافة 630 كيلومتراً. كل منهم وضع في سجن مختلف، أي أن علي السفر630 كيلومتراً مرتين في الأسبوع لزيارة زوجي وابني".

قدمت هناء أحمد، هي وأهالي المعتقلين المقرر نقلهم إلى مجمع سجون وادي النطرون، التماساً لمصلحة السجون ولوزير الداخلية طالبين نقل المساجين من "طره تحقيق" إلى أي سجن آخر في مجمع سجون طره. وقالت أحمد: "لم يُلتفت إلى طلبنا، وهددوا زوجي وابني بعد رفضهما النقل، مع زملائهما المعتقلين، بالاعتداء عليهم وتنفيذ النقل بواسطة قوات خاصة".

وأضافت: "تسربت القصة إلى الإعلام، وهذا ما دعا وزارة الداخلية إلى إرجاء النقل، لكنه سيجري عاجلاً أو آجلاً".

زيارة الجناة أسهل

"زوجي مصاب في عموده الفقري ويحتاج إلى علاج طبيعي"، أكدت ماجدة عبد اللطيف، زوجة صلاح الدين الهلالي أو "عم الثوار" كما يعرف بين شباب الثورة. زوجها محكوم بالسجن لمدة ثلاث سنوات في قضية التظاهر أمام مجلس الشورى.

وقالت عبد اللطيف لرصيف22: "طلب زوجي من إدارة السجن توفير جلسات العلاج الطبيعي التي يحتاجها. فبالإضافة إلى آلام ظهره لديه إصابة أخرى بقدمه اليسرى، لكن لا مجيب".

وعن المضايقات التي تتعرض لها أثناء الزيارة، روت: "ست أو سبع ساعات من الانتظار حتى يسمحوا لنا بالزيارة. لا بد من الحضور في العاشرة صباحاً لنقدم طلباً للزيارة ثم ننتظر حتى الرابعة أو الخامسة قبل السماح لنا بها. نقف بعدها صفاً طويلاً بضع ساعات كي تتم عملية التفتيش مع ما يصاحبها من تعسف".

وتابعت: "قائمة الممنوعات تطول في كل مرة، وإجراءات التفتيش تزداد غرابة. أخبرتني إحدى الشرطيات المكلفات تفتيشنا أنه لو كنا قادمين لزيارة مسجونين جنائيين، لما كانت إجراءات التفتيش معنا تجري بمثل هذا التعسف".

وكانت تقارير حقوقية عدة قد تحدثت عن تفاقم الانتهاكات وزيادة عدد حالات التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، منها تقرير قدمه المجلس القومي لحقوق الإنسان (الحكومي) إلى النائب العام ورصد فيه عدداً من حالات التعذيب بحق معتقلين سياسيين في أحد السجون.

لكن يظل ما يتعرض له أهالي المعتقلين من انتهاكات مسكوتاً عنه. فالأهالي يرفضون أو يقتصدون في الحديث خوفاً من معاقبة أبنائهم. والعكس صحيح. يسكت أبناؤهم وأقاربهم المعتقلون عن إهانات كثيرة خوفاً من انعكاسها على أهاليهم عندما يحين موعد الزيارة.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي