40 ألف مزارع حشيش مطلوبون للعدالة في المغرب وأحزاب تطالب بتشريع هذه الزراعة

خلال الأشهر الأخيرة، ارتفعت في المغرب الدعوات لتقنين زراعة نبتة الكيف المخدرة (القنب الهندي) واستخدامها لأغراض طبية وصناعية. ولكن رغم أن النقاش العام حول الموضوع وصل إلى البرلمان عبر طرحه من طرف أحزاب سياسية كحزب الأصالة والمعاصرة، في ديسمبر 2013، فإن الملف لا يزال يراوح مكانه بسبب تردد الدولة.

وتدافع جمعيات مدنية وأحزاب سياسية بقوة عن هذا الخيار لجملة اعتبارات أهمها أن زراعة النبتة المخدرة تعتبر النشاط الأساسي لغالبية سكان الشمال المغربي، وتالياً فإن تجريمها يجعل الأهالي عرضة لمعاقبة القانون. هذا فضلاً عن الإيجابيات التي يمكن أن يجنيها الاقتصاد المغربي من تقنينها عبر إطلاق اقتصاد بديل يضخ مبالغ مالية مهمة في خرينة الدولة عوض فقدانها لمصلحة كبار المهربين.

وتقدر دراسة رسمية أعدتها وكالة تنمية وإنعاش الشمال التابعة لرئاسة الحكومة المغربية عدد العائلات المغربية التي تعمل في زراعة هذه النبتة المخدرة بحوالى 89900 في شمال البلاد. ويبلغ مردود كلٌّ من هذه العائلات حوالى 3600 يورو سنوياً. وتقول الدراسة إن الإنتاج السنوي الخام للقنب الهندي يقدر بحوالى 53300 طن، ويستخدم جزء منه لإنتاج 1066 طناً من العجينة المخدرة. كذلك تبلغ المداخيل السنوية للقنب الهندي الخام حوالى 325 مليون يورو، في حين يمكن تقدير رقم المعاملات الدولية بـ5 ملايين يورو.

في عدد من بلدان العالم التي تعرف وضعاً مماثلاً، وتُزرع فيها نباتات تستخلص منها بعض أنواع المخدرات المحظورة على المستوى الدولي كالأفيون ونبتة الكيف، تم فتح نقاش عام حول تقنين هذه الزراعات. وتوّجت بعض هذه النقاشات بقرارات دفعت باتجاه التشريع بل ذهبت أحياناً أبعد من ذلك كما هو حال ولايتي كولورادو وواشنطن الأمريكيتين اللتين شرّعتا استهلاك الماريجوانا.

أما في المغرب، فقد عمدت الدولة إلى التغاضي عن زراعة الكيف في نطاق ضيق في منطقة كتامة بينما حاربتها في مناطق أخرى تمهيداً للقضاء النهائي عليها بشكل تدريجي تطبيقاً لتوجيهات الأمم المتحدة. وهكذا انخرط المغرب منذ سنة 2003 في مرحلة جديدة  في تدبيره ملف مكافحة الاتجار غير المشروع بالقنب الهندي من خلال شراكة جمعته بالمكتب الأممي لمكافحة الجريمة والمخدرات، كان من أبرز معالمها صدور تقرير مشترك حول وضع زراعة الكيف بالمغرب في سنوات 2003 و2004 و2005. 

مزارعون بسطاء مطلوبون للعدالة

يرى شكيب الخياري، الناشط الحقوقي في "الائتلاف المغربي من أجل الاستعمال الطبي والصناعي للكيف"، أن الدولة لم تنجح في تدبير الملف كما يجب، ويلفت إلى أن "الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لم يفلحا عبر العالم في تدبير ملف القنب الهندي وفق تصورهما الرسمي المبني أساساً على إعلان الحرب على المخدرات بدون تمييز، وهي السياسة التي لم تزد الوضع في المغرب إلا سوءاً، إذ تغص السجون بالمزارعين البؤساء، وهذا ما يعني زيادة الفقر بدل محاربته، في تناقض صارخ مع التزامات المغرب والهيئات المذكورة آنفاً في مجال محاربة الفقر والهشاشة".

ويرى الخياري أن معالجة الدولة المغربية وشركائها الخارجيين لملف زراعة القنب غير منصفة على الإطلاق، ويبرر رأيه بأنه "لم يتم تقديم أية بدائل تكفل حداً أدنى من العيش الكريم للسكان المحليين على نحو يحميهم من استغلال أباطرة تجارة المخدرات لأوضاعهم المأسوية والاحتفاظ بهم كرهائن".

وأكد حقوقيون مغاربة ينشطون في شمال البلاد لرصيف22 أن المزارعين المغاربة الذين يعتمدون في إعالة أسرهم على هذا النشاط الزراعي يعيشون في حالة خوف ورهبة دائمة بسبب ملاحقتهم من قِبل الجهات الأمنية. وقال أحدهم: "هناك من لا يستطيع حتى الذهاب إلى مخفر شرطة للحصول على بطاقته الوطنية". ويعتقد النشطاء المحليون أن الدولة تكيل بمكيالين في تعاملها مع هذا الملف الشائك، فهي تسمح بهذه الزراعة التي تتم بشكل علني في النهار، وفي المقابل تلاحق صغار الفلاحين الذين لا يستطيعون استبدال هذا النشاط بآخر. وتقدر مصادر عدد المزارعين المطلوبين بحوالى 40 ألفاً.

 

وينطلق المطالبون بتغيير سياسة الدولة حيال هذا الملف من فشل تجارب الزراعات البديلة سواء على المستوى الوطني في ريف شمال المغرب أو على المستوى الدولي كما هو الحال بالنسبة إلى منطقة البقاع في لبنان، إضافة إلى استرشادهم بتقارير عدد من الجمعيات الأجنبية التي عملت ميدانياً في المغرب على ملف الزراعات البديلة، وأكدت فشل السياسات الرسمية. لذلك فإنهم يقترحون العمل على "اقتصاد بديل" لزراعة القنب الهندي يعتمد على الاستعمالات البديلة للنبتة.

الأحزاب السياسية تدخل على الخط

يأتي حزبا "الأصالة والمعاصرة" و"الاستقلال" (معارضة برلمانية) في طليعة الأحزاب السياسية المدافعة عن اقتراح تقنين زراعة النبتة المخدرة. ويخشى خصوم الحزبين السياسيين من أن يكون تحركهما مدفوعاً بدوافع انتخابية مع اقتراب موعد الانتخابات البلدية في المغرب، وهو ما تنفيه هذه الأحزاب وخصوصاً حزب الأصالة والمعاصرة المعني أساساً بهذه الانتقادات.

فقد سبق أن عبّر عدد من نواب حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأس الحكومة عن مخاوفهم من استثمار الملف للبحث عن أصوات انتخابية باستغلال إشكاليات قضائية يعاني منها مواطنون بسطاء. ولكن قادة حزب الأصالة والمعاصرة ينفون هذا الاتهام ويشيرون إلى أن ما يحركهم هو الهاجس الإنساني ومصلحة الدولة وقطع الطريق أمام تجار المخدرات، ويذكّرون بأن تحركهم بدأ منذ سنوات عدة وليس وليد اللحظة.

وسبق أن تقدّم نواب حزب الاستقلال باقتراح قانون يتعلق بزراعة وتصنيع وتسويق نبتة الكيف، مطالبين بتشريع زراعتها في مجالات انتشار زراعتها التاريخية، وهي: الحسيمة، ووزان، والشاون، وتطوان، وتاونات. ويُناقش حالياً هذا الاقتراح في الغرفة الأولى للبرلمان المغربي وفق ما أكدته مصادر لرصيف22. ولكن لم يبدأ البرلمان بمناقشة مشروع آخر قدمه حزب الاستقلال أيضاً ويسعى إلى إصدار قانون يقضي بالعفو عن المزارعين.

الناشط المدني شكيب الخياري الذي خبر جيداً تفاصيل اللعبة لا يرى أيّة مشكلة في أن تكون للمدافعين عن طرح التقنين أجندات انتخابية باعتبار ذلك أمراً طبيعياً. ما يهم بالنسبة إليه هو ألا تكون هذه الوعود والشعارات كاذبة.

اقتصاد الكيف

يكرّر الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي في مداخلاته أن الاقتصاد المغربي يمكنه كسب بعض النقاط إذا ما اتخذت خطوة تقنين زراعة الكيف. فقيمة منتوج "مقنن" ليست هي ذاتها قيمته وهو "ممنوع"، لذلك يعتقد أن التقنين سيوفر مستوى مقبولاً من العيش للفلاحين وسيسمح بتوسيع المساحات وإيجاد أخرى جديدة لزراعة غنية ورابحة، فهو ينظر للأمر على أنه "صفقة رابحة" لأن الكيف يدر ربحاً أكثر بأربع مرات من أيّة زراعة أخرى.

لكن هذا الرأي يقابله رأي متخوف بعض الشيء اشتهر به الاقتصادي المغربي الراحل إدريس بنعلي الذي كان يعتبر أن تشريع هذه الزراعة، وإن كان سيسمح للدولة بالمراقبة وبتقليص القطاعات غير الرسمية، فإنه لا ينبغي نسيان أن الكيف في النهاية هو نبتة مخدرة ولا يمكن تأسيس اقتصاد على ما هو مخدر لأنه سيكون لذلك انعكاسات مدمرة.

وقال بنعلي قبل أشهر قليلة من وفاته: "علينا أن نعلم أن استفادة المزارع المغربي البسيط من زراعة الكيف محدودة جداً على المستوى المادي. المستفيدون الحقيقيون هم الوسطاء مغاربة كانوا أم أجانب. وهناك دراسة تفيد بأن هذه الزراعة تنتج حوالى 12 مليار دولار 4 منها فقط تعود إلى المغرب". من هنا، رأى أنه يجب "وقف التحجج بأعذار غير دقيقة فالمستفيدون الحقيقيون من أموال هذه الزراعة موجودون خارج البلاد ومعظمهم ليسوا مغاربة".

كلمات مفتاحية
المغرب

التعليقات

المقال التالي