أصوات أوروبية تنتقد التقصير الحكومي: المهاجرون ليسوا "صراصير"

أصوات أوروبية تنتقد التقصير الحكومي: المهاجرون ليسوا "صراصير"

"الغرق الأوروبي". يختصر هذا العنوان الذي حملته صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية على صفحتها الأولى، وشاركتها فيه صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، "فضيحة" عجز أوروبا عن الاستجابة لأزمة المهاجرين غير الشرعيين إليها عبر البحر وفشلها في تفادي حوادث الغرق الكارثية التي لم يكن أولها، وإن كان أشدها فتكاً، غرق السفينة المحملة بمئات المهاجرين يوم الأحد الماضي. ولم يكن آخرها ولن يكون.

انتقاد سياسات الاتحاد الأوروبي في التعامل مع المهاجرين كان الغالب على مقالات الصحف ومراكز الأبحاث الفرنسية والبريطانية والأمريكية، التي شددت على ضرورة تغليب الدول الأوروبية المنطق الإنساني على المناوشات السياسية ورهاب الأجانب، وعلى حتمية احترامها للمبادئ الإنسانية التي تتغنى بها.

ودخلت بعض الصحف ومراكز الأبحاث في تشريح الأزمات اللوجستية والمالية التي تعرقل عمل برنامج التدخل وحماية المهاجرين الذي تديره "الوكالة الأوروبية لإدارة التعاون العملياتي في الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي"، "فرونتكس". بينما اختار بعضها الآخر تسليط الضوء على الحروب والأزمات والمجموعات الإرهابية التي تجعل أبناء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريسة للمهربين وتجار البشر، وللبحر.

"التقاعس الأوروبي"

حمّل كاتب افتتاحية "الغرق الأوروبي" في "لوفيغارو"، فيليب جيلي، الاتحاد الأوروبي مسؤولية الكارثة، ورأى أن "أوروبا تقف عاجزة أمام التراجيديا"، مطالباً بمراجعة قوانين اللجوء الأوروبية لجعلها أكثر إنسانية. وانطلاقاً من واقع أن الشواطئ الليبية تشكل المنطلق الأساسي للمهاجرين باتجاه إيطاليا، وفي ظل غياب شريك رسمي في ليبيا، اقترح جيلي حصول الاتحاد على تفويض من الأمم المتحدة لمراقبة الشواطئ بالقرب من الحدود الليبية لإيقاف الهجرة غير الشرعية من هناك.

"ليبراسيون" التي سطرت عنوانها بالأحمر وإلى جانبه كلمة "بحر ميت"، رأت أن الاتحاد الأوروبي فشل في مواجهة كارثة الهجرة غير الشرعية التي أودت بحياة ألف وستمئة شخص منذ بداية العام الجاري. هذا الفشل، حسب الصحيفة، سببه تقصير الاتحاد الأوروبي في تلبية نداءات الحكومة الإيطالية للتعاون معها في علاج القضية. كما أن المشكلة، في رأي الصحيفة، تكمن في تراجع المنطق الإنساني تحت وطأة التهديدات الإرهابية والنظرة الأمنية للمهاجرين.

وأوضحت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن التقاعس سببه انقسام الحكومات الأوروبية الحاد حول آليات معالجة تدفق المهاجرين. فالحكومات تتخوف من الانفتاح في سياسات الهجرة لديها خشية من إغضاب أحزاب الداخل المعارضة لاستقبال المهاجرين. ووسط هذا التخبط الأوروبي، نقلت الصحيفة عن صحيفة "سودوتشي زيتونغ" الألمانية البارزة وصفها الاتحاد الأوروبي بـ"اتحاد المجرمين" الذي يقف متفرجاً على غرق أعداد هائلة من اللاجئين كي لا يتشجع مهاجرون آخرون على اللحاق بهم.

وانتقدت صحيفة "تايمز" الموقف الأوروبي الضعيف من مساعدة اللاجئين الذين يكتظون في قوارب الموت هرباً من الأهوال والصعاب التي يلاقونها في بلادهم ولا يجدون من يساعدهم. وقالت إن هؤلاء أناس مثلنا وليسوا "صراصير"، وإنه يجب التوقف عن التلاعب بأرواحهم، في انتقاد لما كتبته الصحافية البريطانية في "الصن" كايتي هوبكينز قبل ساعات من غرق السفينة واصفة المهاجرين بـ"الصراصير" وضرورة التعامل معهم بالطائرات.

مشكلات "تريتون" والإجراءات المقترحة

كانت منظمة الهجرة العالمية قد قدّرت أعداد المهاجرين إلى إيطاليا هذا العام بـ20 ألفاً، وقالت إنه قُتل منهم 900 على الأقل، بينما أشارت التقديرات إلى غرق حوالى 700 آخرين في يوم الأحد الأسود.

وأشارت "الغارديان" إلى الانتقادات التي وجهت إلى برنامج "تريتون" للحماية والإنقاذ، تحت إشراف "فرونتكس"، الذي حلّ مكان برنامج "نورستروم مارين" الإيطالي مطلع العام بسبب تكلفة الأخير الباهظة على إيطاليا. وقالت إنه صغير ولا يتضمن سوى مروحية واحدة وطائرة واحدة وتسعة زوارق ولا يتضمن وحدة للبحث والإنقاذ ويكتفي بدوريات لا تراقب إلا جزءاً صغيراً جداً من مياه البحر المتوسط لجهة مالطا وإيطاليا. ويشكو المسؤولون، بحسب الصحيفة، من عدم تمويل الدول الأوروبية، التي تعاني الضائقة الاقتصادية وازدحام اللاجئين، للبرنامج بشكل كافٍ.

وقالت "نيويورك تايمز" في مقال بعنوان "واجبات أوروبا تجاه اللاجئين" إن البرنامج الذي لا تعادل موازنته سوى ثلث برنامج "نورستروم مارين" الإيطالي لا يكفي للاستجابة لتداعيات الهجرة غير الشرعية. وأشارت إلى ضرورة تطويره بسرعة لأن الأرقام تتحدث عن 500 ألف إلى مليون شخص ينتظرون في ليبيا للتوجه إلى أوروبا، مقارنة بـ 170 ألفاً وصلوا العام الماضي. وبحسب الصحيفة، فإن تذرّع أوروبا بعجزها عن استقبال المزيد من اللاجئين من الشرق الاوسط وأفريقيا ينقضه واقع استقبال تركيا لـ1.7 مليون ولبنان لـ1.2 مليون لاجئ.

وعلى ضوء تحضير الاتحاد الأوروبي لقمة استثنائية يوم الخميس لبحث مسألة المهاجرين، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن عدد من الإجراءات التي ستطرح للنقاش. تحدثت الصحيفة عن موارد مالية أكبر وتأسيس بعثة مشتركة لمراقبة الحدود وعملية عسكرية محتملة لتدمير القوارب التي يستخدمها المهربون وتأسيس مراكز لدراسة طلبات اللجوء في البلدان الغارقة في الحرب والقتل والصراعات الطائفية، فضلاً عن طلب تفويض من الأمم المتحدة لمراقبة الحدود في تلك البلدان التي تعجز أنظمتها السياسية عن ضبطها. وعلقت الصحيفة على ذلك بالقول إن هذه الإجراءات تبدو صعبة التطبيق خاصةً أنه فشل تطبيق بعضها في السابق.

وقالت "لوفيغارو" إن تعزيز الرقابة على الحدود عبر دعم "فرونتكس" المالي لبرنامج "تريتون" قد يحدّ من الكارثة، لكن المعالجة لا تكون بعشرة قوارب زائدة أو ناقصة، فالمشكلة ليست في مراقبة المياه وإنما في تجنب غرق المهاجرين. أما تعزيز وسائل الإنقاذ فدونه مشكلة أن سفن التهريب تغير المسار المعتاد في البحر، وهذا ما يؤخر عملية التدخل. وهنا تسوق الصحيفة اقتراحاً بإنشاء أسطول للإنقاذ تشارك فيه كل الدول الأوروبية. وعن اقتراح التوزيع العادل للاجئين على الدول الأوروبية الـ28، ما يخفف العبء عن دول ترزح تحت أعباء اقتصادية كبيرة كإيطاليا وإسبانيا واليونان ومالطا، قالت "لوفيغارو" إن ما يعرقل هذا الاقتراح هو رفض الدول الأوروبية الأخرى له. وفي ما يتعلق بإنشاء مركز لدراسة طلبات اللجوء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قالت إن ما ينقصه هو غياب حكومات قوية في تلك البلدان وأوضاع آمنة لديها.

"تجار العبيد" الجدد

وتعقبت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عصابات تجار البشر، باعتبارها سبباً رئيسياً في هذه الكارثة، واصفةً إياها بـ"تجار العبيد الجدد". وقالت إن عالم القتل والأموال السوداء ضحاياه أناس فقدوا الأمل في بلدانهم، فاختاروا "رحلة الحظ والقدر والمفاجآت". وبحسب الصحيفة، "في أم درمان، شمالي العاصمة السودانية الخرطوم، تسهل عصابات التهريب انتقال الأريتيريين والأثيوبيين والصوماليين إلى ليبيا حيث ينتظرون الانتقال إلى جزيرة لامبيدوسا الايطالية".

وتحدثت الصحيفة عن سوق حجمه 36 مليار دولار في العام، وتجار يهتمون بالمال وليس بالوصول الآمن لـ"زبائنهم". وبينما لفتت إلى أن هذه التجارة بدأت في أواخر التسعينيات من القرن الفائت في ليبيا وتونس أثناء تهريب العمال إلى إيطاليا وإسبانيا، أشارت إلى تورط قبائل الطوارق والتوبو في التهريب. فهذه القبائل شكلت ما يشبه وكالات سفر غير شرعية في القرى الحدودية في النيجر حيث يدفع الزبون 300 دولار للانتقال عبر الصحراء التي تشهد الكثير من عمليات التصفية بعد قبض الأموال وقبل البدء بالرحلة.

وروت الصحيفة أنه في المرحلة الأخيرة من الرحلة، حيث ينتظر المسافرون الوصول إلى شاطئ ليبيا،  يدفع كل مهاجر من 1000 إلى 2500 دولار. وأضافت شارحة وضع القوارب المزري التي يُجبَر المهاجرون على ركوبها ليلاً تحت تهديد السلاح ولا تكون هي نفسها التي عُرضت عليهم عند إتمام الصفقة. وعلى القارب تستمر المتاجرة بحياة البشر، فمن يدفع المزيد يحصل على سترة الإنقاذ فيما تتكبد المرأة الحامل مبلغ 150 دولاراً إضافياً عن جنينها.

وبعد ترجيحها ازدياد أعداد المهاجرين من ليبيا وسوريا والعراق والبلدان الأفريقية مع تحسن أحوال الطقس، نقلت "ليبراسيون" شهادات مهاجرين أشار بعضهم إلى تعرضه لسوء المعاملة والابتزاز، وخصصت تحقيقاً للسوريين في لبنان ومحاولاتهم العبور إلى أوروبا. كما تحدثت عن نشاط عصابات الاتجار بالبشر والتهريب التي تبقى في مأمن من العقاب وتلجأ بسهولة إلى العنف، بينما تغض الحكومات في بلدانها الطرف عنها، وقد تكون مستفيدة منها بسبب الصفقات التي تعقد أحياناً بين عناصر الشرطة والمهربين.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
اللاجئون الهجرة

التعليقات

المقال التالي