كيف ساعدت إسرائيل جيش الإمام في حرب اليمن في الستينيات؟

كيف ساعدت إسرائيل جيش الإمام في حرب اليمن في الستينيات؟

لمناسبة التحالف العربي الذي تقوده السعودية لضرب مواقع الحوثيين في اليمن، نشر الباحث يوجاف إلباز في صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالاً تحت عنوان "هل عدو عدوي هو صديقي؟ التدخل الإسرائيلي في الحرب الأهلية اليمنية"، وكشف فيه معلومات عن التورط الإسرائيلي في حرب اليمن الأولى في الستينيات من القرن الفائت.

إلباز طالب دكتوراه في الجامعة العبرية في القدس وعنوان رسالته هو "التورط الإسرائيلي في الصراعات الشرق الأوسطية كجزء من سياستها في الحيز العام 1948 – 1975". وهنا ترجمة كاملة لمقاله:

نشهد في الأيام الأخيرة تصعيداً في الحرب الداخلية في اليمن. منذ أسبوع بدأ تحالف عربي واسع بقيادة السعودية في قصف مواقع المتمردين الحوثيين، معارضي النظام اليمني المركزي. لم يكتف السعوديون بهذا وإنما أعلنوا أنهم يخططون لغزو بري. هذه الخطوات الدرامية حدثت عقب حملة الاحتلالات التي قام بها الحوثيون، وهروب الرئيس عبد ربه منصور هادي من البلد.

والحوثيون هم تحالف من قبائل زيدية (فرع هامشي نَسَبياً من الشيعة، يقيم أتباعه بالأساس في شمال اليمن)، ويسمّون باسم قائدهم السابق حسين بدر الدين الحوثي، الذي ترأس انقلاباً فاشلاً عام 2004 وتمت تصفيته من قبل النظام، ويتمتعون بدعم جزء واضح من الجيش اليمني (الجزء المخلص للرئيس السابق علي عبد الله صالح)، وبدعم إيراني من غير الواضح مداه وكنهه.

ليست هذه المرة الأولى التي تصبح فيها حرب أهلية في اليمن – وهي دولة هامشية شرق أوسطية، تعدّ إحدى أكثر الدول فقراً وفشلاً في العالم – مركزاً لمواجهة واسعة. فقبل حوالى خمسين عاماً تسبب صراع دامٍ في تغييرات كبيرة في توازنات القوى الإقليمية وأدى، بشكل غير مباشر، إلى حرب الأيام الستة.

وفي السنوات الأخيرة، مع فتح سجلات الأرشيف، انكشف التورط العسكري الإسرائيلي في الحرب الأهلية اليمنية. ويلقي هذا التورط ضوءاً جديداً على صراع يميل محللون كثر إلى تسطيحه واعتباره صراعاً عرقياً حتمياً بين السنة والشيعة، أو بين السعودية وإيران.

في 26 سبتمبر 1962 قامت فرقة عسكرية بانقلاب ضد نظام الإمام الزيدي، محمد البدر، الذي كان قد ورث عرش أبيه المتوفى قبل أسبوع. قصف المتمردون قصر الإمام، وسيطروا على محطة الإذاعة وأعلنوا قيام "الجمهورية العربية اليمنية". ظنّ المتمردون أن الإمام الشاب قُتل، ولكن، في منتصف أكتوبر، اتضح أنه نجح في الهرب إلى شمال البلد، وجمع حوله جيشاً من القبائل المخلصة لسلطته، مهدداً وجود الجمهورية الشابة.

أدرك المتمردون أنهم لن يستطيعوا مواجهة الملكيين بقواتهم وطلبوا العون من جمال عبد الناصر، الرئيس الكاريزمي لمصر. فأرسل ناصر – الذي كان يسعى في تلك السنوات إلى توحيد العالم العربي تحت قيادة بلده، وشجع الانقلابات العسكرية ضد الأنظمة الملكية العربية – كتائب مشاة مختارة إلى اليمن.

أثار التورط المصري في اليمن مخاوف عميقة لدى دول عربية محافظة مثل السعودية والأردن، ولدى دول غربية ذات مصالح في المنطقة، وبشكل خاص لدى بريطانيا التي كانت تسيطر على عدن ومحيطها. كان منبع الخوف فكرة انتشار الناصرية في جميع أنحاء العالم العربي. ولهذا قرر الثلاثي المذكور دعم الإمام. وبينما ساعدت السعودية والأردن الجيش الزيدي بالمؤونة والدعم المالي بصورة واضحة نسبياً، اتخذ البريطانيون سياسة ضبابية عمداً.

كُلف قسم التجسس البريطاني، المكتب الخامس، بإقامة اتصالات سرية مع الملكيين. وقرر هذا القسم استخدام خدمات شركة مرتزقة يملكها الكولونيل ديفيد سترلينج، وهو مؤسس وحدة القوات الخاصة البريطانية (Special Air Service)، كي تتمكن بريطانيا الرسمية من إنكار أي تورط لها. جنّد سترلينج في العملية العشرات من خريجي وحدته، وأرسلهم إلى اليمن على هيئة مستشارين لقوات الإمام بدر. وقد عمل عضو البرلمان البريطاني، نيل مكلين، وهو نفسه خريج الاستخبارات البريطانية، كـ"وزير خارجية" للمرتزقة.

أدى التورط البريطاني إلى تعادل في موازين القوى التي مالت في البداية لمصلحة المصريين والمتمردين. وأخذت مصر تتورط، وزادت مراراً وتكراراً من قوات الحملات (وصلت في ذروتها إلى ستين ألف جندي، أي حوالى ثلث الجيش المصري آنذاك)، وحاولت حسم المعركة ولكن عبثاً. ثم في مارس 1963 توقف المصريون المجروحون عن هجومهم وبدأ يسود تدريجياً جمود عسكري في البلد، في ظل تمسك كل طرف بمواقعه. تمسك المصريون بالجزء الجنوبي من اليمن، أما قسمها الشمالي فقد سيطر عليه الملكيون. ولكن كانت للمصريين ميزة واضحة، فقد أقام داعمو الإمام في مغارات جبلية، بدون أي منفذ على البحر.

منذ بداية المواجهة نجحت السعودية في إيصال الدعم للملكيين عبر طرق الجمال، ولكن هذا لم يكن كافياً. ومع طول المعارك والمخاوف من استمرار عزلتهم، بحث الملكيون عن طرق جديدة لإيصال الغذاء. وفي النهاية، فكر المرتزقة في حل على هيئة تموين مظلي، غير أن سلاح الجو الملكي لم يتمكن من تنفيذه مباشرة، بسبب إعلان السياسيين البريطانيين عدم تورط بريطانيا في الحرب. وبعد جس النبض في موضوع نقل جوي كهذا بين قادة دول المنطقة المعتدلة (التي خافت من العقاب المصري) توجه البريطانيون إلى إسرائيل.

دولة إسرائيل التي كانت في هذه السنوات معزولة نسبياً ويتم تحديها بشكل متكرر من قبل جيرانها، ردت بالإيجاب. فعلى مدار نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، تعاقبت سلسلة أحداث جعلت من ناصر الزعيم الأكثر خطراً في المنطقة: وحدة مصر وسوريا في كيان واحد يخضع لناصر، انقلاب عسكري في العراق بدا كأنه موجه من القاهرة وفيه أُعدم ممثلو النظام الموالي للغرب، محاولة انقلاب في الأردن بدعم استخباراتي مصري، تشغيل خبراء ألمان بعضهم نازيون سابقاً في مصر (بالأساس من أجل إنتاج أسلحة طويلة المدى وطائرات حربية محلية)، والتورط العسكري في اليمن، وفيه استخدم المصريون غاز الخردل ضد اليمنيين.

هكذا، ظهر على السطح من جديد وتصاعد الخوف الوجودي من أن يوحد زعيم عربي ملايين العرب ضد الأقلية اليهودية، وأُضيف هذا الخوف إلى خوف إسرائيل الشابة من هولوكست آخر. فتشغيل الخبراء الألمان واستخدام المصريين للغاز أديا إلى النظر لناصر كأنه الشيطان الأكبر، السليل العربي لأدولف هتلر. لذلك، قررت دولة إسرائيل الإضرار بمصر على قدر المستطاع.

وفي نهاية العام 1963، اتصل (نيل) مكلين بملحق الجيش الإسرائيلي في لندن، العقيد دان حيرام، وجس نبضه في ما يتعلق بمساعدة إسرائيل للإمام. نقل حيرام الطلب الغريب عبر القنوات الشائعة، وبعدها بأيام قليلة وصل مكلين إلى تل أبيب للقاء موشيه ديان (الذي رغم كونه وزير الزراعة، فقد عد ذا خبرة وقريباً من المجال الأمني) ومئير عاميت، رئيس الموساد. أعطت إسرائيل موافقة مبدئية، وعلى مدار خريف 1963، تزايدت الاتصالات بين الجانبين وبدأت الخطة الفعلية تنضج. العملية التي سماها الجيش الإسرائيلي "عملية الصلصة" (ولاحقاً "عملية حيوان الشيهم") بدأت تأخذ شكلاً.

وفي 31 مارس 1964، وفي عز الليل، دهمت طائرة نقل إسرائيلية سماء اليمن. قاد الطاقم الجوي، برئاسة الطيار مقدم آرييه عوز، الطائرة باتجاه شمال البلد بين معسكرات الجيش المصري. وبعد لحظات ميّز عوز من تحته حرائق صغيرة عدة، وأشعل النور الأخضر في بطن الطائرة، وحدث الإنزال. حلّقت دزينة حاويات خشبية ممتلئة بالسلاح، الذخيرة والمؤونة الطبية، ببطء نحو الأرض. دعم نجاح الإنزال أمن الطرفين. ونتيجة لهذا، أقامت إسرائيل 13 رحلة طيران أخرى إلى اليمن لتموين الملكيين على مدار العامين التاليين. ولكن كان من الضروري الحفاظ على السرية البالغة بسبب حساسية الموضوع. فباستثناء حفنة أشخاص في قمة القيادة الملكية، لم يعرف أحد هويّة الدولة التي تمدّهم بالدعم، ولم تُعلن حتى للسعوديين هوية حلفائهم بسبب الخوف من سحب أيديهم من دعم الإمام.

وفي يناير 1965 شن المصريون هجوماً على طول الجبهة وتكبّد الملكيون إصابات قاسية وأوشكوا على الانكسار. وعقب هذا، عرض البريطانيون خطة جريئة: أن يقصف سلاح الجو الإسرائيلي قواعد المصريين في صنعاء والحديدة، ويدعي الملكيون أن تلك كانت طائرات وجّهها مرتزقة أوروبيون. أيد عيزر فيتسمان ورجال الطاقم الجوي الفكرة، ولكن قائد الأركان إسحق رابين ورئيس الحكومة ليفي إشكول منعا ذلك.

وفي أغسطس 1965 تم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين مصر والسعودية، بمشاركة ممثلين يمنيين عن الجانبين. ثم توقف السعوديون عن تمويل جيش الإمام، بمن فيهم المرتزقة. حاول الأخيرون معارضة الحكم القاسي ولكنهم في النهاية اعترفوا بحالة اللاحرب. وفي مايو 1966 توجهوا إلى إسرائيل ولكن رحلات الطيران لم تُستأنف على رغم محاولة استئناف التدخل (تم تداول أفكار مثل إرسال مرتزقة أمريكيين إلى اليمن بدعم إسرائيلي، وتدريب جيش الإمام في منطقة على الأراضي الإيرانية، وحتى جس نبض ملك السعودية، فيصل، في موضوع إنزال مؤونة إضافية في فبراير 1967).

وبعد النجاح الباهر لإسرائيل في حرب الأيام الستة، والذي نبع في أكثره من ضعف مصر عقب أزمة اليمن، وفي مفارقة شرق أوسطية مميزة، حدث تقارب مصري سعودي وانسحبت قوات الحملات من اليمن. وعام 1970 انتهت الحرب تماماً بانتصار الثوريين.

تعكس حرب اليمن 2015، مثل أختها في الستينيات، موازين القوى المعقدة في الشرق الأوسط. فبرغم الوصف الثنائي الذي يقوم به الإعلام، والذي يعدّ الحرب في اليمن حرباً شيعية سنية تدعم فيها كل من إيران والسعودية أبناء مذهبهما، فإن الصورة هذه المرة أيضاً أكثر تعقيداً.

فالمسافة بين الشيعة الإثني عشرية، القسم الحاكم في إيران، وبين الفرع الزيدي اليمني، لا تقل كثيراً عن الهوة الهائلة بين الشيعة والسنة. القبائل اليمنية – في الماضي واليوم – مخلصة بشكل أساسي لأهدافها. وأكثر من هذا، فجزء واضح من الجيش اليمني، المخلص للرئيس السابق صالح، يدعم، كما قلنا، المتمردين الحوثيين. وتتزايد الدهشة عندما نكتشف أن صالح، المعدود هو أيضاً من الزيدية، شارك في انقلاب 1962 مع جيش المتمردين وكان على مدار السنوات أحد القادة الرئيسيين فيه.

تجسد حروب اليمن المختلفة موازين القوى في الشرق الأوسط: الحلفاء يتحولون بين يوم وليلة لأعداء، والمصالح الباردة تختلط بالولاء القبلي وعمليات الثأر القديمة.

التعليقات

المقال التالي