لماذا يتمسك السودانيون برئاسة البشير رغم امتعاضهم من حكمه؟

لماذا يتمسك السودانيون برئاسة البشير رغم امتعاضهم من حكمه؟

يبدو الطريق أمام الرئيس السوداني عمر البشير سالكاً لاكتساح الانتخابات التي ستبدأ غداً وتستمر لمدة ثلاثة أيام، والاستمرار خمس سنوات جديدة في كرسي الحكم الذي وصله بانقلاب عسكري منتصف العام 1989، ما سيسمح له بتعزيز رقمه القياسي في حكم السودان متخطياً الـ26 سنة.

ويخوض البشير غمار الانتخابات في ظل غياب لافت لقوى المعارضة الحية المنضوية تحت لواء "قوى الإجماع الوطني"، وهو تحالف يضم كبرى الأحزاب السياسية المعارضة.

سجال حول موعد الانتخابات

وقد أصرّ حزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة البشير على إجراء الانتخابات كاستحقاق دستوري واجب النفاذ. وشدد قادة هذا الحزب على أن تأجيل الانتخابات سيقود إلى عدم استقرار سياسي، وسيترتب عليه فراغ دستوري قد يدخل البلاد في نفق الفوضى.

في المقابل، وافقت قوى سياسية معارضة على استمرار حزب المؤتمر الوطني في سدة الحكم، وطالبت بتأجيل الانتخابات لعامين إلى حين تهيئة الأجواء السياسية المناسبة لإجرائها، وذلك بناء على مقترح أمريكي صاغه المبعوث الأمريكي السابق إلى السودان برينستون ليمان. ولكن الوطني رفض المقترح جملة وتفصيلاً ورأى أنه تدخّل سافر في الشأن الداخلي السوداني.

الصغار يشاركون والكبار يقاطعون

يشارك في الانتخابات المقبلة، بحسب السلطة، 44 حزباً. لكن السودانيين لا يعرفون منها سوى حزب المؤتمر الوطني، وبعض الأحزاب الموالية له والمشاركة في الحكومة الحالية، كالحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) بقيادة مولانا محمد عثمان الميرغني، والحزب الاتحادي الديمقراطي (المسجل) بقيادة جلال يوسف الدقير. وتجتاح الأول خلافات عاصفة نتيجة خوضه للانتخابات، وهو أمر استنكرته شرائح واسعة من قواعده وقياداته.

الانتخابات التي ستبدأ غداً ليست فقط رئاسية. بعض الأحزاب الـ44 سيشارك في كل المستويات الانتخابية (رئاسية، برلمانية، ومجالس تشريعية ولائية) بينما بعضها الآخر قرر حصر منافسته في المستويات الأدنى، رافضاً منح البشير الشرعية من خلال زيادة نسبة الاقتراع في الانتخابات الرئاسية.

ويقدّم حزب المؤتمر الوطني تفسيراً جاهزاً لكل من يتساءل عن الحاجة إلى انتخابات نتيجتها محسومة قبل أن تبدأ. ويقول إن الانتخابات جدية، ويستشهد بأن أحد أبرز منافسيه فيها هو الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل).

ويردّد الحزب الحاكم أن أكبر الأحزاب ثقلاً في السودان، أي أحزاب الاتحادي الديمقراطي (الأصل)، والأمة القومي، قررت المشاركة وتالياً يرى أن مشاركة ضلعين من ثالوث النظام في السودان كافية لاعطاء الانتخابات صكوك الجدية والتنافسية والشرعية. بيد أن رجل الشارع العادي يمكنه دحض هذه المقولة بسهولة مطلقة.

مرشحون مجهولون

ويتنافس 16 مرشحاً على رئاسة السودان. ولكن، باستثناء البشير، فإن باقي المرشحين غير معروفين، ولا يمكن للناخب العادي عدّ ثلاثة منهم. كذلك، فإن الأحزاب التي يفترض أنها منافسة للوطني في الانتخابات يدعم جلها ترشيح البشير لدورة رئاسية جديدة. هذا هو الحال مع حزبي الاتحادي الديمقراطي (الأصل والمسجل) وغيرهما من أحزاب صغيرة.

ومن المفارقات التي يقل وجود نظير لها وتعكس حالة اليقين في نفوس الحاكمين باستمرارهم في السلطة، أنهم تنازلوا عن عدد من الدوائر الانتخابية لمصلحة الأحزاب المقربة من حزب السلطة. المؤتمر الوطني رفض توصيف الأمر بأنه "تنازل" وقال على لسان نائب رئيس الحزب، البروفيسور إبراهيم غندور، إنهم فقط لن ينافسوا في 30% من الدوائر.

وقال لرصيف22 المحلل السياسي، البروفيسور المعتصم أحمد الحاج، إن المؤتمر الوطني سيكتسح الانتخابات لا محالة، فهو ينافس نفسه فقط لا غير، وحرصه على مشاركة الاتحادي الديمقراطي (الأصل) محض عمل ديكوري هدفه شرعنة النتائج في مقابل حصص من سلطة 2015 – 2020.

خارطة المقاطعين

في ما يتصل بالخارطة الانتخابية، نجد أن جلّ القوى الفاعلة تغيب عن الانتخابات المقبلة. يقاطعها حزب "الأمة القومي" العريق، المستند إلى قاعدة جماهيرية عريضة، بقيادة الإمام الصادق المهدي، ويقاطعها تحالف "قوى الإجماع الوطني" المعارض الذي يضم كيانات كبيرة مؤثرة كأحزاب الشيوعي، والبعث، والمؤتمر السوداني، علاوة على مقاطعة منظمات مجتمع مدني.

وكانت المجموعات المعارضة في السودان قد تحالفت في ديسمبر الماضي ضد البشير، بقيادة "حزب الأمة"، وأطلقت على تحالفها اسم "نداء السودان". ووافق تحالف "نداء السودان" على عقد محادثات مع الحزب الحاكم في أديس أبابا في نهاية مارس لتنظيم حوار وطني، إلا أن الحزب الحاكم أطاح بالاجتماع مفضلاً إرجاء المحادثات إلى ما بعد الانتخابات.

أسباب مقاطعة المعارضة للانتخابات لخّصها لرصيف22 الناطق باسم تحالف قوى الإجماع الوطني، أبو بكر يوسف، بتأكيده أن الأجواء غير مهيأة على الإطلاق إذ يستغل "الوطني" مقدرات الدولة، وتنعدم الحريات السياسية، ويمارس التضييق على الصحف، وتجري اعتقالات لدوافع سياسية، وكذلك لا تزال الحرب قائمة في عدد من الأقاليم السودانية التي يعتبر مواطنوها الانتخابات ترفاً.

حملة إرحل

إزاء هذا الواقع، اطلقت المعارضة حملة لمقاطعة الانتخابات تحت شعار "إرحل" وطالبت الناخب السوداني بعدم شرعنة نظام البشير. ويرى ممثل حزب المؤتمر السوداني في تحالف قوى الإجماع الوطني، عبد القيوم عوض السيد، إن هذه الحملة تهدف إلى رفع مستويات السخط على حكام البلاد الحاليين، وإحراج حزب المؤتمر الوطني في مراكز الاقتراع التي يؤمل أن تكون شبه خالية نهار الاقتراع.

وقال عوض السيد "إن البشير والعصبة التي معه يأبيان التنازل عن السلطة ولو كان ذلك على حساب المواطن المقهور بالسياسات الرعناء التي يدفع الأهالي ثمنها في قوت يومهم وفي إقليم دارفور".

بينما قلل القيادي في حزب المؤتمر الوطني، وأحد مرشحيه إلى البرلمان بولاية القضارف المتاخمة لأثيوبيا، شرقي البلاد، د. علي الشايب أبو دقن، من شأن حملة "إرحل" وتحدث لرصيف22 عن "حالة الرضا الشعبي الكبير من سياسات الوطني"، واعتبر أن "قناعة المعارضة بعجزها عن منافسة البشير بصورة جادة، هي التي دفعتها إلى اتخاذ القرار بالمقاطعة".

وبحسب المفوضية القومية للانتخابات، فإن 13 مليون ناخب سوداني يحق لهم التصويت في انتخابات أبريل 2015. المستغرب أن القوى السياسية المقاطعة للانتخابات، دعت مناصريها إلى عدم تدوين أسمائهم في "السجل الانتخابي" الذي فتحته المفوضية للراغبين في الاقتراع.

وفي حديث لرصيف22، لفت محمد ضياء الدين، المتحدث باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو من الأحزاب الرئيسة في قوى الإجماع الوطني وأحد مؤسسي حملة "إرحل"، إلى ضرورة التمييز بين موقفين للمعارضة: موقف أول هو المقاطعة وحض الناس عليها، وموقف ثان بخصوص حملة "إرحل" وهو موقف تعبوي مستمر إلى حين ذهاب نظام المؤتمر الوطني.

وقال البشير في لقاء جماهيري إن حملة إرحل لا تخيفه، وأضاف: "نعلم أن الملك بيد الله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ولا نخشى شيئاً يخوفوننا به، وحتى الموت مستعدون له".

الجنائية كأزمة

وكان معارضون قد قالوا إنه وبرغم كراهيتهم لنظام البشير، فهم مع وقف مذكرات التوقيف التي أصدرتها بحقه المحكمة الجنائية الدولية. ورأى كثيرون أن تمسك الرئيس بكرسي الحكم يعود في الأساس إلى مخاوف من تسليمه إلى المحكمة الدولية التي تتهمه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، في حال تخليه عن السلطة.

ولذلك، اقترحت شخصيات معارضة، بينها زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي، تأمين مقر آمن للبشير مقابل تسليمه السلطة. ولكن يبدو أن هذا لن يتحقق، فالبشير يصر على تولي السلطة مجدداً، بينما تواصل الجنائية ملاحقته. ويوم التاسع من مارس الماضي، طلب قضاة المحكمة من مجلس الأمن اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الرفض السوداني المتواصل لتسليم رئيس البلاد عمر البشير إلى العدالة.

موقف الشارع

يرى كثيرون أنهم أحق بالأموال التي سيتم تبديدها لتكريس السلطة من جديد بيد الحزب الوطني. وقدّرت المفوضية القومية للانتخابات، على لسان رئيسها د. مختار الأصم، كلفة العملية الانتخابية بأكثر من 800 مليون جنيه سوداني (حوالى 134 مليون دولار). ويطالب البعض بتوجيه تكاليف الانتخابات لفك الضائقة المعيشية التي يعيشونها خاصة بعد انفصال الجنوب بثرواته النفطية عام 2011.

وأماط أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين، البروفيسور حسن الساعوري، اللثام عن الأسباب التي تدفع قطاعات واسعة من السودانيين إلى مناصرة البشير رغم كل ما يجري. وقال لرصيف22: "إن البشير يتمتع بشعبية كبيرة، لا شك في ذلك. وتعود شعبيته إلى حالة الحصار الدولي المفروض على السودان منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي، وإلى ملاحقته دولياً بتهم جنائية، ولأنه الرئيس الذي تمكن من استخراج النفط".

وأضاف الساعوري أن "الشعب السوداني متخوف من البديل، ومرتعب من تحول السودان إلى دولة فاشلة أسوة بجاراته من البلدان التي زارها الربيع العربي، ثم ما لبث أن حل عليها صيف أكل الأخضر واليابس". وقبل أيام لعب البشير على هذه المخاوف معتبراً أن إعادة انتخابه ستحمي السودان من الفوضى التي شاهدوها في دول الربيع العربي.

كلمات مفتاحية
السودان انتخابات

التعليقات

المقال التالي