إيران وتركيا ومصر: عوامل عدّة تمنع بروز "مثلث القوة الإقليمي"

إيران وتركيا ومصر: عوامل عدّة تمنع بروز "مثلث القوة الإقليمي"

"أليس من ذلك بد؟ نعم، ليس من ذلك بد". هذا ما قاله المفكر المصري جمال حمدان حين تحدث عن فكرة قيام تحالف إستراتيجي بين مصر وإيران وتركيا، تحالف رآه ضرورياً لتغيير موازين القوى في الصراع العربي الإسرائيلي، ولا غنى عنه إذا شاءت دول المنطقة أن تمنع الغرب من التدخل في شؤونها.

فبحسب أستاذ الجغرافيا السياسية حمدان الذي توفي عام 1993، وقيل إنه قُتل، تستمد الأضلاع الثلاثة لـ"مثلث القوة الإقليمي" ثقلها من الجغرافيا والتاريخ والوزن السكاني. وفي رأيه، فإن تشكيل تحالف كهذا سينعكس إيجابياً على الوضع الداخلي لمكوّناته وسيغيّر موازين القوى في الشرق الأوسط، وبالأخص في الصراع العربي الإسرائيلي.

كلام حمدان هذا عاد وأبرزه أخيراً رئيس الوزراء التركي والمفكر أحمد داود أوغلو في كتابه الشهير "العمق الإستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية". فعرض محاولات الغرب في التاريخ الحديث للحيلولة دون قيام تقارب بين هذه القوى الثلاث التي أسماها "المثلث الحساس".

وتحدث أوغلو عن "إستراتيجية الضلع الناقص" التي تبناها الغرب بهدف منع الأضلاع الثلاثة من الالتقاء. كما اعتبر أن تحالف دولتين فقط من الدول الثلاث خارج إطار المنظومة الغربية، سيشكل تهديداً كبيراً لمصالحها. من هنا ذكّر بتحالف إيران وتركيا في الخمسينيات من القرن الفائت ضد مصر الناصرية، ثم تحالف مصر وتركيا ضد إيران بعد خروج الأخيرة من المنظومة الغربية على أثر قيام الثورة الإيرانية.

البترول يدفع مصر بعيداً عن المثلث

في حديث لرصيف22، رأى الصحافي المتخصص بالشؤون العربية هيثم نوري أن البترول الخليجي يشكّل عائقاً أمام إقامة تحالف كهذا، "فمصر تحتاج إلى الخليج أكثر من حاجتها إلى إيران لأن الأخيرة لا تستطيع تقديم ما تقدمه دول الخليج لها من حيث المساعدات الاقتصادية، وتشغيل العمالة المصرية المرشحة للزيادة إذا استغلت هذه الدول فوائضها النقدية في إقامة مشروعات تنموية جديدة".

ولا تتوقف حاجة مصر إلى الخليج على ما يقدمه لها من دعم مادي، بل أكد نوري أن مصر "عبر تحالفها الخليجي تقوي موقفها في ليبيا، وتزيد من فرصها في إقناع الجزائر بالاصطفاف معها في الملف الليبي ومواجهة الإرهاب في الصحراء الكبرى، كما تستطيع عبر هذا التحالف تقوية موقفها في السودان وإثيوبيا". وفي رأيه، يحول كل هذا دون تقارب مأمول مع إيران، على اعتبار أن دول الخليج  ترى فيها الخطر الأكبر على أمنها.

الغرب ولعبة الكراسي الموسيقية

"كأننا في لعبة للكراسي الموسيقية يديرها الغرب بمهارة". هكذا وصف أوغلو السياسة في الشرق الأوسط. من منطلق مشابه، تحدث الدكتور محمد محسن أبو النور، المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإيرانية والعلاقات الدولية، عن أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على إعداد إيران كشريك ووكيل للمصالح الأمريكية في المنطقة. وقال: "ما سيحدث هو اقتسام المصالح الإقليمية بين واشنطن وطهران، على نحو لا يسمح لإيران بالمساس بأمن إسرائيل، ولكنه يكفل لها مصالحها في الشرق الأوسط".

وأضاف أبو النور أن الرياض وأنقرة والقاهرة لن تقف موقف المتفرج أمام هذه الترتيبات، "وبالتالي سوف يدخل الصراع مراحل جديدة ذات أبعاد سياسية". ولفت إلى أن الغرب لن يسمح بقيام تحالف بين الأقطاب الثلاثة مصر ويران وتركيا، وسيعمل على زيادة الشقاق بينها و"تدشين محاور أخرى على أسس طائفية أو سياسية تحول دون تقارب الدول الإقليمية الكبرى الثلاث"، مؤكداً أن الولايات المتحدة لن تترك إسرائيل فريسة بين فكي تحالف يجمع مصر وتركيا.

تركيا وسياسة التوازن

كانت تركيا تلعب في أغلب الأحيان دور الحكم بين القطبين الآخرين في المثلث، أي مصر وإيران. وفي حالة استبعاد إحداهما من المنظومة الغربية، كانت أنقرة تتبع سياسة تتأسس على إقامة علاقات متزنة مع الطرف المستبعد. وفي المقابل، كانت تعقد تحالفات مع الطرف الموجود داخل المنظومة.

هذه الموازنة التي أكدها أوغلو في كتابه "العمق الاستراتيجي" خرقها الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان بخطابه المثقل بالإيديولوجيا وبذهابه بعيداً في عدائه للنظام المصري. برغم ذلك، قال الدكتور سعيد الحاج، الخبير في الشؤون التركية، إن "العائق ليس أردوغان ولا تركيا في العموم، بل على العكس، استمرت تركيا في مد جسور التواصل مع الجميع برغم وجود بعض الاختلافات وحتى الخلافات". وفي رأيه "الانقلاب في مصر وسياسات إيران التوسعية على حساب تركيا ودول المنطقة تصعب هذه المهمة كثيراً. فالأحلاف عنوان للتلاقي والتعاون وليست لفرض الهيمنة".

وأكّد الحاج أن القوى الإقليمية الثلاث الكبرى "إن استطاعت التنسيق في ما بينها وتشكيل حلف واحد، فسيكون لذلك تأثير كبير على المنطقة بأسرها". ولكنه استدرك "أن القوة الإقليمية وحدها ليست مبرراً لقيام التحالفات، فالتحالفات تقوم على الرؤى والأهداف المشتركة بين الدول، ولا يمكننا الحديث عن حلف أو تحالف بين دولتين متناقضتين في السياسة الخارجية مهما امتلكتا من عناصر القوة، وهذا هو سبب غياب التحالف الثلاثي المذكور".

وعن ارتباطات تركيا بتحالفات مع الدول الغربية قد تحول دون إقامة حلف كهذا في المستقبل، يعتقد الحاج أنها لن تكون "مهددة لهذا النوع من التحالفات. فمع سعي تركيا لأن يكون لها أكثر من صفة وأكثر من بعد وأكثر من عمق (أوروبي وآسيوي وبلقاني وقوقازي وشرق أوسطي)، كانت وما زالت قادرة على التوفيق بين التزاماتها في هذه الأوساط وبين السياسات الإقليمية التي تفرضها مصالح دول المنطقة".

وعلى مدار السنوات الأخيرة، حاولت إيران التقارب مع مصر، وخاصة بعد وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، ولكن مساعيها فشلت. هناك عوامل عدة تمنع ولادة تحالف كهذا. ولكن الفكرة تطل برأسها من حين إلى آخر ويستعيدها كُتاب وسياسيون مصريون طامحون للخروج من شرنقة التبعية الغربية.

كلمات مفتاحية
إيران تركيا مصر

التعليقات

المقال التالي