الأردن يحوّل ملف مكافحة الإرهاب إلى ملف وطني ويحاصر المعارضة

الأردن يحوّل ملف مكافحة الإرهاب إلى ملف وطني ويحاصر المعارضة

نجح النظام السياسي الأردني في تحويل ملفات كثيرة إلى ملفات "وطنية"، ملوّحاً بوصم من يعارضه بالخيانة، وفي مقدّم هذه الملفات ملف "الحرب على الإرهاب"، برغم أن محاربة الإرهاب ستبتلع خصوماً سياسيين للنظام، أو هذا ما تريده الدولة.

يلف الغموض المواقف الأردنية تجاه ملف مكافحة الإرهاب. فبينما تتحدث المعارضة عن تيه سياسي، يؤكّد رسميون أنّ المملكة تسير على الطريق الصحيح. وبعدما كانت قوى سياسية أردنية واسعة ترفض مواقف وإجراءات صنّاع القرار، على أكثر من مستوى، وضع مقتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة هذه القوى في زاوية حرجة.

تعتبر المعارضة أنّ الحاجة ملحة إلى تبني نهج جديد يحدّد الأولويات ويضع حداً لارتباك قد يقود البلاد نحو المجهول، وسط منطقة ملتهبة. وتتجلى حالة فقدان الرؤية في الأردن، بحسب الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، د. سعيد ذياب، من خلال مشاركة بلاده في التحالف الدولي واحتمال التورط أكثر فإكثر في مواجهة برية ضد "داعش" في الوقت الذي يجب على الأردن تعزيز وحدته الداخلية ومواجهة المشكلات السياسية والاقتصادية إلى جانب إعادة النظر بتحالفاته السياسية، واضعاً نصب عينيه المصلحة الوطنية.

الدولة ضد الإخوان

وفي حوار مع رصيف22، رأى ذياب أن تخبّط الدولة يتجلّى في غياب رؤية رسمية واضحة للمشهد بشكل عام وقال: "الأردن لا يعرف ماذا يريد". وضع جماعة الإخوان المسلمين الأردنية مؤشر على ذلك. فكل يوم تُستخدم أدوات لشيطنتها. وأيضاً، أخرج أخيراً منظّر التيار السلفي الجهادي عاصم البرقاوي الملقّب بأبي محمد المقدسي من المعتقلات الأردنية. "كل ذلك سيؤول إلى توسيع دائرة المعارضة للدولة المنهمكة في شق صفوف الجماعة"، بحسب ذياب.

وبرأيه، "الحلف الحاكم لم يدرك بعد أهمية التغييرات على المستويين الإقليمي والمحلي"، وهو ما يجعله قلقاً على مستقبل البلاد. فذياب يتحدث عن "مخطط صهيو أمريكي يرمي إلى تقسيم المنطقة عبر تأزيم أوضاعها الداخلية وتأجيج الاحتراب الداخلي" وسياسات الأردن الحالية تجعله متماهياً مع السياسات الأمريكية للمنطقة.

توتر علاقة الدولة بجماعة الإخوان المسلمين، قال ذياب، لا يعود إلى أسباب محلية بقدر ما هو استجابة لضغوط خارجية، وتحديداً للمواقف السعودية والإماراتية من الجماعة. واستشهد بطبيعة العلاقة التي ربطت الدولة بالإخوان منذ خمسينيات القرن الماضي مقابل إقصاء باقي التيارات السياسية. فقد استُخدم الإخوان المسلمون لمواجهة التيار القومي واليساري "إبان حقبة الحرب الباردة" واستمر الحال كذلك بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. لكنّ ذياب يقول: "لن يستمر الحال كما هو، ويجدر بصنّاع القرار أن يلتقطوا الإشارة ويحققوا الإصلاح المنشود".

ورأى أمين عام حزب الوحدة (يساري) أنّ الحصافة السياسية تكمن في وحدة كل مكونّات النسيج الاجتماعي والسياسي ما دامت تلتزم سلمية وديمقراطية العمل السياسي، وأضاف: "الإخوان أخذتهم العزة بالإثم بعد أن انتشوا بإنجازاتهم في الفترة السابقة في مصر وتونس، وهذا من أسباب التحوّل في طبيعة علاقتهم بالأنظمة التي تسعى إلى تطويع الحركات الدينية لكسب الشرعية الشعبية، والأردن ليس استثناءً".

قلق من نمو التطرف

لكن أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك، د. أحمد سعيد نوفل، وإن كان يرى أنّ الدولة تسير بحسب خطة استراتيجية واضحة، على الأقل للرسميين، قال: "لن تقتصر آثار إضعاف التيار السياسي المعتدل (جماعة الإخوان المسلمين) على مزيد من الانشقاقات في صفوفهم، بل ستعبّد الطريق أمام المتطرفين"، مشدداً على أنّ "تمتين الجبهة الداخلية أولى من الاستجابة للضغوط الخارجية".

وأضاف لرصيف22 أنّ الحكم على نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين، زكي بني أرشيد بالسجن فيما يقف الأردن ضد الإرهاب والتطرف فقط من أجل إرضاء الآخرين ليس لمصلحة الأردن الرسمي، وسينعكس سلباً على الجبهة الداخلية. وكان أرشيد حُكم بالسجن ثلاثة أعوام، قبل خفض الحكم إلى عام ونصف العام، وذلك لانتقاده، على حسابه الخاص في فايسبوك، الإمارات على خلفية إدراجها جماعة الإخوان المسلمين على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال نوفل: "لن تتمكن الحركات المتطرفة من فرض نفسها إذا بقيت الجبهة الداخلية متماسكة". وشرح طبيعة التقارب بين الدولة والتيار السلفي بأنّه "حرص رسمي على إيجاد قنوات اتصال مع الجميع لا سيما أنّ المشهد السياسي المقبل سيخلط أوراقاً كثيرة".

كلفة محاربة الإرهاب

أما المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين، سالم الفلاحات، فرأى أنّ "تصدّر الأردن للتحالف الدولي ضد الإرهاب سيرتب عليه كلفةً باهظة تصل حدّ استهدافه كنظام من قبل الإرهاب والتطرف". وأشار لرصيف22 إلى أنه "على الجميع الرجوع خطوة إلى الوراء لاحتواء الموقف"، كاشفاً عن وجود تيار واسع داخل صفوف الجماعة يسعى إلى احتواء الموقف وعدم الذهاب به بعيداً كما يرغب "بعض السياسيين من أصحاب أخذ الثأر من الجماعة".

ويطرح الفلاحات التساؤل التالي: "هل الإرهاب يتراجع أم يتمدد في المنطقة؟" ويشير إلى أنّ لا مصلحة لأحد في إنهاء الحركة الإسلامية، خاصة أن كثيرين من أصحاب القرار لا يرون سبباً وجيهاً للتخلص من "الجماعة".

وعن الموقف الرسمي، أكّد وزير التنمية السياسية والبرلمانية الدكتور خالد كلالدة، (القادم من خلفية يسارية) عدم وجود نية رسمية لدى النظام الأردني بتصفية "الجماعة" أو حتى تغيير طريقة التعامل معها. ونفى لرصيف22 تدخّل الدولة في شؤون الجماعة الداخلية مؤكداً استمرار بلاده في حربها على الإرهاب.

إلا أنّ ما يبقى مصدر قلق بالنسبة للوضع الأردني، هو أنّ أي حدث يقع في مدينة عراقية أو سورية أو مصرية، قد يرسم ملامحه على وجه السياسة الأردنية الحالية. فقد سقط الفاصل بين المحلي والخارجي سقوطاً بات يشكّل أحد أسباب التيه الحاصل.

كلمات مفتاحية
الأردن داعش

التعليقات

المقال التالي