كيف يشوّه الإعلام العربي الحقائق وينجح في إقناع المشاهدين بأكاذيبه؟

كيف يشوّه الإعلام العربي الحقائق وينجح في إقناع المشاهدين بأكاذيبه؟

تنظر وسائل إعلام عربية عديدة لمهمتها كنظرة جرائد الإثارة التي تباع في أكشاك الصحف ليتسلى بها الذاهبون إلى أعمالهم في الصباح. فيض من الإشاعات والأخبار الكاذبة يتدفق في العقل العربي كل يوم فيحرف تفكيره ويضلل فهمه لما يحدث حوله وينتج رأياً عاماً مشوهاً يعيش في عالم من الأوهام.

حرية الإعلام تعني حرية الوصول إلى المعلومات، لا حرية الكذب والتضليل. ولكن، بفعل العولمة والطفرة الحديثة في وسائل نقل المعلومات، برزت في الفضاء العربي وسائل إعلامية كثيرة، تملأ عقول المشاهدين بكثير من المعلومات والتحليلات التي لا ترقى كلها بالضرورة إلى مرتبة الحقائق.

التضليل الإعلامي الذي تمارسه قنوات إعلامية عربية عديدة ينبع إما من غرض مسبق يتمثّل في ليّ عنق الحقائق لأهداف سياسية، أو من جهل العاملين في وسائل الإعلام وضعفهم المهني وافتقارهم لأبسط أدوات التحقق من المعلومات وتوقهم إلى كتابة سبق صحفي ولو كان على حساب الصدقية.

بشكل عام، تضرب المشهد الإعلامي العربي أمواج الفوضى من كل حدب وصوب. فلا ضوابط مهنية تحدد ما يقوله المعلقون، ولا منظمات إعلامية لمراقبة المعايير المهنية، ولا متابعة لما يظهر على الشاشات من اتهامات وتخوين وقراءات مغلوطة للأحداث. وفي كل هذا، فإن عقل المواطن العادي الذي لا يملك رفاهية تقصي الحقائق هو الهدف والضحية.

أنواع التضليل

ينقسم التضليل الاعلامي إلى نوعين أساسيين: معلومات خاطئة من الأساس، أو معلومات صحيحة تساق عنوة بعيداً عن المعنى خدمةً لغرض سياسي معين. في كلتا الحالتين يكون الضرر عميقاً وتكون فرص التصحيح محدودة النتائج لأن وقع الخطأ الأول أطول عمراً من أي تصحيح لاحق.

من الأمثلة على ما ذكرناه، ما حدث حين نشرت هيلاري كلنتون مذكراتها عن فترة عملها وزيرةً للخارجية في العام الماضي. فبعد فترة وجيزة، امتلأت صفحات الإنترنت بأقاويل منسوبة لكلينتون تزعم فيها أن الولايات المتحدة كانت قد اتفقت مع الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي على إعلان إمارة إسلامية في سيناء وأن الجيش المصري أحبط هذا المخطط في الثلاثين من يونيو 2013، بل تصدى لقطع من الأسطول الأمريكي السادس في البحر المتوسط حاول أن يعيد مرسي إلى الحكم.

النشر على الإنترنت ليس له ضوابط. كل من يريد أن ينشر إشاعة أو يلفق خبراَ لغرض ما، يمكنه أن يضعه على تويتر أو فيسبوك وسيجد من يقرأه ويساعده على تعميمه. ولكن هذا الفعل يجوز للهواة وعلى صفحاتهم الخاصة، أما أن تنزلق محطات إعلامية يفترض التزامها بالمعايير المهنية إلى ترداد كلام لا أساس له دون حتى أن يكلف المعد نفسه قراءة الكتاب أو جزء منه قبل أن يتفوه بشيء عنه، فهذا قمة التهاون والاستخفاف بالمهنة وبعقل المشاهد.

في أحد البرامج، قال الصحفي المصري محمد الغيطي أن سلاح الجو المصري، الروسي الصنع و"الذي طوره المصريون" فاجأ الأسطول الأمريكي. بل أضاف أن الجيش المصري أعد خططاً وأرسل جنوداً من البحرية لتلقين الأمريكيين درساً في عدم "التجاوز على مياهنا". الأغرب أن الغيطي أنهى ما قاله بطلبه من المشاهدين أن يقرأوا الكتاب، وهنا يكمن العبث الحقيقي بالرأي العام. فالغيطي يعرف أن الكتاب بالإنجليزية وأن سعره مرتفع وأن لا أحد تقريباً سيكلف نفسه عناء شراء وقراءة مئات الصفحات للتحقق مما قاله. والمؤكد هنا أن الغيطي نفسه لم يقرأ الكتاب، أو أنه قرأه واختار أن يلفق أحداثاً مثيرة تسعد مشاهديه في جلسة وطنية حميمية ترتفع فيها نبرة الصوت الصادحة بحب الوطن على نغمات أكاذيب لم تحدث.

 

انزلقت إلى هذا المنزلق صحف ووسائل إعلام أخرى في لبنان والعراق ودول أخرى في المنطقة وبعضها له سمعة عريقة في الإعلام. ثم قام بعضها بحذف الأخبار التي لفقها ونسبها إلى هيلاري كلينتون من موقعه الالكتروني، فيما أصر البعض الآخر على التشبث بالأكاذيب لأنها تخدم أغراضه السياسية.

نشر أنصاف الحقائق

في مثال آخر على ما يقوم به الإعلام العربي، نرى ذكر أنصاف الحقائق وتشويه المعلومة على طريقة "لا تقربوا الصلاة". ففي برنامجه، أورد الإعلامي المصري المعروف أحمد موسى لقاءً علنياً بين كوندوليزا رايس وأحد مؤسسي حركة 6 أبريل، أحمد صلاح، تتحدث فيه رايس عن كيفية دعم إدارة بوش لمنظمات المجتمع المدني في مصر، وكيف قامت بالضغط على مبارك لمنح المصريين المزيد من الحريات.

 

يعرض أحمد موسى اللقاء "العلني" ويعلق عليه بأنه دليل على أن ثورة 25 يناير كانت مؤامرة أمريكية. وهو بهذا لا يخطىء في التحليل فقط بل يشوه المعلومة عن عمد. فهو ببساطة يعطي نصف معلومة ويحجب معلومات أخرى مهمة عن المتلقي. لم تقل رايس أي شيء عن الإطاحة بمبارك في تعليقها بل تحدثت عن ضغوط على مبارك لفتح المجال أمام حريات أكبر لمنظمات المجتمع المدني في عام 2006، وأمريكا تفعل هذا في العديد من دول العالم. كما لا يخبرنا موسى في تعليقه كيف خلقت الولايات المتحدة ثورة يناير وكيف تمكنت من حشد الملايين في شوارع مصر. وهذا أسلوب آخر من التضليل يعتمد على إيراد أنصاف حقائق يتبعها بتحليل مسيّس ينتزعها من السياق، وفي النهاية لا يجوز لأحد أن يناقش لأن الحقيقة في الشريط المسجل.

بعيداً عن مصر، وفي العراق الذي يتوق مواطنوه إلى ما يشفي غليل حيرتهم مما يجري في بلادهم، نرى الأمر عينه. فقد بثت قناة الاتجاه العراقية تقريراً عن كيفية قيام الأمريكيين في العراق بنقل مقاتلي داعش إلى مدينة الفلوجة بطائراتهم. وهنا يبدو أن الملفق لا يعي حقاً أنه يخلط الأمور، وهو بالتالي ينشر وهماً لا حقيقة.

 

يعرض التقرير تسجيلاً قصيراً لطائرة أمريكية تحلق في سماء محافظة الأنبار ويدعي أنها هبطت في الفلوجة وأنزلت هناك عدداً من مقاتلي داعش وذلك بهدف القول إن داعش صناعة أمريكية صرفة وأن كل ما يحدث هو مؤامرة على العرب والمسلمين والشيعة بالتحديد، حسب توجه القناة الأيديولوجي. هذا النوع من التلفيق بالغ الخطورة لأنه يعطيك شيئاً شبيهاً بالدليل الذي يمكنه أن يقنع من يريد أن يقتنع، وهم كثر في عالمنا العربي. فهناك بالفعل صورة لطائرة متحركة ولكن كيف لنا أن نتأكد أين هي، وهل هبطت بالفعل، وهل كانت تقل أحداً أم لا. كل ما نعرفه هو أصوات المصورين في هذا الفيديو القصير.

ولكن هذا الخبر، رغم فقره المعلوماتي الفادح، انتشر انتشار النار في الهشيم على صفحات التواصل الاجتماعي وتحول مع مرور الأيام إلى "حقيقة" يتشبث بها الكثيرون. وهكذا تدمر الأكاذيب جهاز التفكير الإنساني وتحيله إلى ألعوبة بيد الملفق.

الأمر عينه نراه في ما ورد من تقارير إعلامية عن إعدام الأقباط المصريين في ليبيا والزعم أنهم أعدموا في قطر. فقد نشرت قناة "السومرية" العراقية هذا الخبر ونسبته إلى "وكالة روسية مختصة بالمسح الجغرافي" من دون أي رابط يحيل القارئ إلى الموقع الأصلي لهذه الوكالة.

وقد نقلت قنوات إخبارية مصرية الخبر أيضاً ولكنها نسبت عملية البحث الجغرافي في الخرائط والتوصل إلى هذا "الاكتشاف المهم"، إلى وكالة أنباء روسية وليس إلى وكالة روسية مختصة بالمسح الجغرافي كما ذكرت قناة "السومرية". لكن ناقلي الخبر المصريين لم يشيروا إلى اسم هذه الوكالة الروسية.

إن اعتقاد العرب الدائم بوجود ما هو خفي وراء الأحداث يسهّل على أصحاب الأغراض من الإعلاميين، أن يبثوا الأكاذيب ويلفقوا أقاصيص خيالية تعبث بعقول العامة. وهكذا، يتخبط المواطنون العرب في بحور من التلفيقات الإعلامية.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي