كيف يخدم رجال الدين السياسيين؟

كيف يخدم رجال الدين السياسيين؟

إذا أردنا الحديث عن العلاقة بين رجال الدين والسياسة في العالم العربي، قد لا تكفينا لذلك مجلدات ضخمة. لكن يمكن فهم هذه العلاقة من خلال تسليط الضوء على نماذج لرجال دين عرب، لم يقوموا بفصل دعوتهم الدينية عن الشؤون السياسية المتعلقة بدولهم أو حتى دول أخرى.

الشيخ يوسف القرضاوي

هو رئيس "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، وعرّاب التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، ويتخذ، منذ سنوات طويلة، من دولة قطر مقراً لدعوته، مستخدماً منابر مساجدها وقناة الجزيرة الفضائية. وقد سببت مواقفه أزمةً بين قطر وباقي دول الخليج، لا سيما دولة الإمارات التي هددت بملاحقته وإصدار مذكرة اعتقال بحقه بعدَ تصريحات قال فيها إن الإمارات تقف ضد كل حكم إسلامي وتحاكم أصحابه، وانتقد قيامها بسحب الإقامة من لاجئين سوريين وترحيلهم. ووصلت الأزمة إلى ذروتها العام الماضي، حين سحبت الإمارات سفيرها في قطر احتجاجاً على "تطاول" القرضاوي الذي تصفه بـ"شيخ الفتنة"، كما وضعته على قائمة الشخصيات الإرهابية.


والقرضاوي ممنوع من دخول مصر منذ عهد رئيسها الأسبق محمد حسني مبارك، وقد عُرِف بتأييده لحكم الرئيس المعزول محمد مرسي واعتبر عزله انقلاباً على الشرعية الدستورية. ووصف الحُكام الجدد بـ"الخوارج" وأفتى بقتلهم.

وأخيراً، وصف القرضاوي الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر حسابه على تويتر، بالكاذب والفاجر، ودعا الشعب المصري للنزول والتظاهر في ذكرى ثورة 25 يناير مؤكداً أن "النزول فرض عين على كل مصري للوقوف ضد الظالم".

الشيخ وجدي غنيم

يشتهر الشيخ وجدي غنيم بخطابه الطائفي الحافل بالشتائم والألفاظ النابية، وهو معروف بتأييده لحكم الرئيس المعزول محمد مرسي منذ انتخابه، إذ اعتبر أن تولي رجل "ملتح وحافظ للقرآن" حكم مصر سابقة تاريخية. وقبل عزله، دعم غنيم مرسي في خطبه الدينية وساق المبررات لكل القرارات التي كان يتخذها. فحين سُئل عن سبب عدم طرد مرسي السفير الإسرائيلي، في الوقت الذي قام بطرد السفير السوري، أجاب الشيخ بأن مرسي يقوم بما في استطاعته وأن إغلاق السفارة الإسرائيلية في القاهرة، يتطلب إلغاء اتفاقية "كامب ديفيد" وذلك بحاجة إلى موافقة مجلس الشعب.

وعقب أحداث 30 يونيو خرج غنيم بتصريحاته النارية التي عدّ فيها عزل الرئيس مرسي انقلاباً على الشرعية، ووصف مؤيدي إسقاطه بالخائنين بمَن فيهم مفتي الأزهر وحزب النور السلفي، كما حث جنود الجيش المصري على الوقوف بوجه "الانقلاب" الذي تزعمه قادتهم في المجلس العسكري.

وبعد عزل مرسي، استمر غنيم في الهجوم على الفريق عبد الفتاح السيسي، وذلك حتى بعد توليه رئاسة الجمهورية، إذ وصفه في أكثر من مناسبة بـ"الكافر والمرتد عن الإسلام".

الشيخ علي جمعة

يشتهر الشيخ علي جمعة بتقلّب مواقفه بحسب طبيعة السلطة الحاكمة في مصر. منذ أن شغل منصب مفتي مصر، كان من أبرز الوجوه الدينية التي اتّكأ عليها نظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وذلك حتى بداية أحداث ثورة يناير 2011. فحينذاك، انبرى جمعة للدفاع عن الرئيس ووصفه بـ"الزعيم الكبير الحكيم، الفارس النبيل، وبطل الحرب واالسلام"، كذلك عدّه ممثلَ الشرعية وحرّم على الثوار أن يخرجوا للتظاهر ضده ووصف حراكهم بـ"الهياج" الذي يوقظ الفتنة.

أما بعد الثورة، فقد خرج بتصريحات نقيضة تماماً لما أفتى به مسبقاً، فقال إن التظاهرات السلمية مباحةٌ لأنها تعدّ أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وليست سبباً للفتنة.

وخلال تولي محمد مرسي الرئاسة، لم يُبدِ الشيخ أية انتقادات لنظام حكمه رغم أنه يضمر عداوةً لجماعة الإخوان المسلمين. لكن، في ظل أحداث 30 يونيو، أيّد عزله ووصفه بـ"الحاكم المحجور فاقد الشرعية"، ودعا إلى "تطهير" مصر من مؤيديه واصفاً إياهم بـ"الخوارج والخونة الأوباش". وقال مخاطباً الفريق السيسي ومجموعة من القيادات العسكرية والأمنية: "تواترت الرؤى لتأييدكم من قبل رسول الله، ومن قبل أولياء الله".

الشيخ أحمد بدر الدين حسون

مفتي سوريا أحمد بدر حسون هو أحد أبرز الشخصيات الدينية المؤيدة للنظام السوري، ولعب دوراً مهماً في الدفاع عنه منذ بداية الثورة مطلع العام 2011. وقد خسرت كل الرهانات على انشقاقه عن السلطة، رغم تردّد شائعات عن ذلك في أوساط الثورة. وبرغم عدم اتضاح ظروف مقتل ابنه "سارية"، فقد صمم على اتهام قوات المعارضة بعملية الاغتيال، وأعلن ثباته على مواقفه السياسية حتى آخر الطريق.

ليس حسون رجل دين عادي ذا آراء سياسية  معينة، بل هو، إن صحّت التسمية، شيخٌ برتبة جنرال، أو ناطق عسكري وسياسي بلسان النظام السوري، إذ خرج منذ الشهور الأولى للأزمة السورية، ليهدد الغرب بعمليات "استشهادية" في أمريكا وأوروبا، في حال قيامهم بأي تدخل في بلاده.

وبعد ثلاث سنوات، حين استشعر النظام السوري انعدام التهديدات الغربية الجدية له ونجح إلى حد ما في تسويق نفسه كآخر المدافعين عن العلمانية في المنطقة، صرنا نرى حسون بصورة مختلفة كلياً. فأخيراً، ألقى كلمةً في البرلمان الأوروبي، في مؤتمر دولي لمناهضة الإرهاب والتطرف الديني، افتتحها بالسلام ببضع لغات بما فيها العبرية "شالوم"، وعرّف عن نفسه كسفير من الأرض المباركة، بلاد الشام، مضمّناً إياها "دولةَ إسرائيل" التي يجرّم الدستور السوري الاعترافَ بها بعقوبة تصل إلى الإعدام ويعدّها خيانةً.

د. طارق سويدان

بعد إعلانه موقفه الرافض لـ"انقلاب" 30 يونيو في مصر، أقيل الداعية الكويتي من عمله مديراً لقناة الرسالة الفضائية، التي يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال، والذي برّر القرار بكون سويدان إخوانياً، لا تتفق دعوته مع سياسة القناة التي أريد لها أن تكون "منبراً للوسطية، غير منتمية لأي حزب أو أفكار أو جماعة".

إثر ذلك، توترت علاقة سويدان بالمملكة العربية السعودية، فمُنع من دخولها لأداء فريضة الحج. كذلك خرجت فتاوى من رجال دين سعوديين (أبرزهم صالح الفوزان)، بتكفيره، بعد تصريحات قال فيها إن "من حق الناس الاعتراض على الدولة والحكام، وحتى الاعتراض على الإسلام والله ورسول الله".

وفي كلمة، ألمح فيها إلى حكومات دول الخليج، قال سويدان إن "طاعة الحكام واجبة على الشعوب عندما يعطونها حقوقها فقط"، ووصف الشيوخ الذين يطالبون الناس بطاعة ولاة أمورهم الذين ينهبون أموالهم، بـ"علماء السلاطين".

وفي تصريحات أطلقها أخيراً على صفحته على فايسبوك، وفي إشارة إلى المملكة العربية السعودية، قال سويدان إن "هناك حكومة في الخليج أخذت على عاتقها التدخل في كل الدول من أجل الحرب ضد الإسلاميين".

ما سبق ذكره هنا، غيض من فيض. إذ لا يمكن اعتبار هذه النماذج مجرد طفرات، بل هي جزء من منظومة دينية سلطوية متكافلة.

كلمات مفتاحية
الـ22 الدين

التعليقات

المقال التالي