السلطة الفلسطينية لإسرائيل: الأمن مقابل المال

السلطة الفلسطينية لإسرائيل: الأمن مقابل المال

قبل أيام عقد البنك الدولي ندوة خُصصت لمناقشة الأثر المالي على موازنة وخزينة الدولة الفلسطينية نتيجة حجز إسرائيل أموال عائدات الضرائب الفلسطينية. افتتح وزير المال الفلسطيني شكري بشارة كلمته قائلاً "إن حجز إسرائيل لأموال المقاصة يعني عملياً أن السلطة تفقد 70% من مواردها، وهذا الإجراء لا يتحمله أي اقتصاد في العالم، وهذا الإجراء المجحف سيؤدي إلى تبعات قد تكون غير محسوبة".

تعاني السلطة الفلسطينية من أزمة مالية خانقة، بسبب قرار الحكومة الإسرائيلية منذ ديسمبر الماضي تجميد تحويل المستحقات المالية الفلسطينية، مبررةً ذلك بأنه رداً على انضمام السلطة الفلسطينية للمحكمة الجنائية الدولية.

حتى اللحظة، لا مؤشرات على موافقة إسرائيل على تحويل الأموال قبل الانتخابات الإسرائيلية في شهر مارس. وبلغة الأرقام، تقوم إسرائيل شهرياً بجباية حوالى 500 مليون شيكل (125 مليون دولار) من الضرائب نيابةً عن السلطة الفلسطينية وتأخذ منها عمولة 3% وينبغي لها تحويلها إلى السلطة. وكخطوة لإدارة الأزمة، جراء القرار الإسرائيلي، قررت السلطة أن تدفع لموظفيها 60% من رواتبهم.

تدهور الوضع الاقتصادي

مع مرور الأيام والأشهر سيؤدي الاقتصار على دفع جزء من رواتب الموظفين إلى تدهور الوضع الاقتصادي أكثر فأكثر. فلا ضمانات مصرفية تسمح للسلطة بدفع الرواتب كاملة، وبدفع ما تبقى من الرواتب السابقة. وفي هذه الظروف سيتوقف المحرك الأساسي لاقتصاد فلسطين، لأن مَن كان مصدر دخله من رواتب السلطة ـ مباشرة أو غير مباشرة ـ سيجد نفسه بلا دخل.

تعليقاً على هذا الواقع، يقول رجل الأعمال الفلسطيني رائد عليان إن "القطاع الخاص بشكل عام يمكنه الصمود ولكن لفترة قصيرة. فمنذ الشهر الأول للأزمة بدأ القطاع الخاص يتأثر ويتضاعف الأثر مع مرور الوقت". وبرأيه، "لا يقتصر الموضوع على تسديد موظفي الحكومة أو الحكومة نفسها للمستحقات عليهم للقطاع الخاص أو على انخفاض مشترياتهم فقط. فمع الوقت، ستتفاقم الأزمة لتصل إلى عدم تمكن القطاع الخاص من سداد التزاماته".

حمم بركانية

كل موظفي السلطة الفلسطينية يتساءلون: "إلى متى سنستطيع الصمود في مواجهة متطلبات الحياة والتزاماتها وكيف سنسدد أقساط القروض المصرفية؟". هذا الغضب الصامت أشبه ما يكون بحمم بركانية خامدة، لا أحد يعلم متى ستنفجر، أو إن كان ممكناً السيطرة عليها إذا ما ثارت، أو إلى أين سيصل مداها.

في حديث لرصيف22 يقول وزير الأسرى الفلسطيني السابق والمختص بالشؤون الإسرائيلية أشرف عجرمي إن "السلطة قد تسقط إذا لم تعوّض الدول المانحة وخاصة العرب هذه الأموال، وإذا استمرت إسرائيل بتجميدها طويلاً". ويشير إلى "أن التقديرات الأمنية الإسرائيلية تخشى انهيار السلطة ولا تشجع على ذلك".

واقع الأزمة الاقتصادية الفلسطينية موضوع أقل من هامشي ولا يثير اهتمام الشارع الإسرائيلي. لا بل يعتبر البعض أنه قد يكون "كرتاً" رابحاً بيد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولن يتخلى عنه كي يظهر بمظهر القوي والمسيطر في الدعاية الإنتخابية. بينما يحذر بعض الإسرائيليين من تدهور الأوضاع الأمنية في مناطق السلطة بسبب الأزمة المالية، ويقولون إن "قرارات نتنياهو و(وزير الدفاع موشيه) يعلون بخصوص تجميد تحويل أموال الضرائب، لا تفيد إسرائيل. وهي تضر بمصالحها الحيوية وهذا ليس موقفاً سياسياً. فمنع دفع رواتب الموظفين أمر لا يساعد دولة إسرائيل، وربما يقربها من تصعيد وانفجار عنيفين".

وهذا ما يؤكده العجرمي لرصيف22 بقوله إن "عدم دفع الأموال للسلطة الفلسطينية لا يساعد إسرائيل. تلك مجرد خطوة عقابية لا تستطيع إسرائيل المضي بها حتى النهاية. ويحاول نتنياهو استغلالها لمصلحته ولكنها قد لا تفيده. فهو يحاول الظهور بمظهر القيادي الصارم في وجه السلطة الفلسطينية، ولكنه لن ينجح في ردع القيادة عن القيام بخطوات متتالية ضد إسرائيل في الأمم المتحدة".

الأمن مقابل المال

لا شك في أن السلطة الوطنية بشكل عام والرئيس الفلسطيني محمود عباس بشكل خاص يجدان نفسيهما في موقف لا يحسدان عليه. فهما واقعان بين فكي إسرائيل التي تحتجز الأموال المستحقة للسلطة وموظفي القطاع العام الغاضبين. وهذا ما يجعل الأمور صعبة إذا لم يجدا حلولاً بديلة تساعد على الخروج من هذا المأزق.

وقد بدأت تلك الضغوط تتفجر مع خروج أصوات كثيرة تطالب بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل. ومن هذه الأصوات، أصوات داخل حركة فتح التي يترأسها الرئيس عباس. وعند النظر إلى تقارير وزارة المالية الفلسطينية في شأن الإنفاق على القطاع الأمني، يظهر أن هذا الإنفاق يشكّل 28% من إجمالي النفقات بحسب الموازنة العامة الفلسطينية للعام 2014.

فوفق بيانات الوزارة، بلغ إجمالي نفقات الأمن خلال العام الماضي 1.078 مليار دولار، من أصل إجمالي 3.860 مليارات دولار، وبارتفاع بنسبة 9% مقارنة بالعام السابق. وعلى سبيل المثال، تمثل هذه القيمة ضعفَي مخصصات وزارة الصحة. كما يبلغ عدد العاملين في الأجهزة الأمنية في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، قرابة 70 ألفاً، موزعين بين الشرطة المدنية وقوات الأمن الوطني وأمن الرئاسة، وفق دراسة صادرة عن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة، "أمان".

وأشارت بيانات وزارة المالية الفلسطينية إلى أن نفقات الأمن خلال عام 2014 توزعت بين رواتب وأجور، بقيمة إجمالية بلغت 859 مليون دولار، ومساهمات اجتماعية بقيمة 84 مليون دولار، واستخدام السلع والخدمات بقيمة 89 مليون دولار، ونفقات تطويرية بقيمة 46 مليون دولار.

تعكس هذه الأرقام أهمية المال من أجل الحفاظ على الأمن. وهنا يدق جرس إنذار خطير. فالوضع الحالي قد يؤدي إلى قلب الطاولة على الجميع خصوصاً أن الرئيس عباس هدد بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل حتى ولو على مراحل. وإن نفذ تهديده، فسيُسرّع في دفن الجسد الميت لعملية السلام والاتفاقات المختلفة مع إسرائيل.

هذا مع الأخذ في الاعتبار أن قرار إسرائيل تجميد العائدات الضريبية للسلطة الوطنية يخالف الاتفاقات الدولية. ومن هذا المنطلق، تطالب السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لاستئناف تحويل المستحقات لأن الحكومة الإسرائيلية تبتز السلطة الوطنية مالياً، لفرض إملاءات سياسية على الشعب الفلسطيني وقيادته ولجعله رهينة لقرارات حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف.

أبعد من الحلول السريعة

ويُطرح السؤال: ماذا بإمكان الحكومة الفلسطينية أن تعمل من أجل تخفيف الأزمة والخروج منها بأقل الخسائر؟ يرى رجل الأعمال الفلسطيني رائد عليان أن التعامل مع هذا الملف لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، فأموال المنح الدولية وأموال الضرائب تشكل الجزء الأكبر من عائدات السلطة، والحل يجب أن يكون من خلال دعم المنتجات المحلية، وبالتالي زيادة الإيرادات الداخلية، بالإضافة إلى توسيع القاعدة الضريبية أفقياً بدل تخفيض الضرائب بشكل عام والتخفيف من التهرب الضريبي مما سيؤدي بالضرورة إلى زيادة الإيرادات. كذلك يجب توعية المواطنين على ضرورة طلب فاتورة ضريبية عند قيامهم بالشراء.

كلمات مفتاحية
إسرائيل فلسطين

التعليقات

المقال التالي