لعنة داعش تحل على "الإسلام المعتدل"

لعنة داعش تحل على "الإسلام المعتدل"

الساعات الـ24 الماضية كانت أشبه بالعيش في غابة يحرّض الالتزام بالشريعة على العنف فيها. واقعتان مخيفتان في دلالاتهما حصلتا، وبفوارق زمنية بسيطة: حرق الكساسبة، وبيان الأزهر. مجتمعين، سيغيّر هذان الحدثان شكل العالم العربي، طبعاً إلى الأسوأ.

افتتح إعدام داعش للطيار الأردني معاذ الكساسبة حفلة الجنون. لم يرضَ التنظيم المتطرف بقتله بطريقة عادية بل حرص على التفنّن في فعل القتل. أحرقه ونشر فيديو يُظهر عمليته البربرية، مستلاً تبريرات لعمله من فقه تقي الدين بن تيمية، "شيخ الإسلام". ففي شريط ظهر على شاشة الفيديو المذكور، وُضعت عبارة: "قال ابن تيمية رحمه الله: فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاء لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع".

فِعل داعش نجح في إخراج أسوأ ما في "الإسلام المعتدل". ففي بيان أصدره الأزهر، لم تمنع المشيخة المصرية نفسها من الإفتاء بأن "هذا العمل الإرهابي الخسيس يستوجب العقوبة التي أوردها القرآن الكريم" في الآية 33 من سورة المائدة التي تقول: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".

هكذا، أعادنا الأزهر إلى أصل المشكلة. وأصل المشكلة هي في تصنيف مَن هو المسلم ومَن هو غير المسلم. فإذا كان جائزاً الحكم على أشخاص يُشهرون إسلامهم بأنهم غير مسلمين ووصفهم بأنهم "يحاربون الله ورسوله"، على ماذا يُلام تنظيم داعش حين يكفّر من يفسّر العقيدة الإسلامية على خلاف تفسيره المتشدّد لها؟ وقع الأزهر في المأزق نفسه الذي سبق أن وقع فيه داعش وصار يمكننا القول: انتظروا حرب الجميع ضد الجميع تحت عنوان مقدس هو حرب المسلمين ضد الكفار.

لا ينطلق داعش في ممارساته المرعبة من فراغ، بل ينطلق، مثله مثل التيارات الصوفية الوديعة، من نصوص الشريعة ومن التاريخ الإسلامي. إذ تذكر بعض الروايات التاريخية أن الخليفة الأول، أبو بكر الصديق، أمر بحرق شخص يُدعى الفجاءة السلمي وأن الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب، أمر بإحراق شخص ألّهه وحوادث أخرى. وفي المقابل تنفي بعض الروايات صحّة الروايات السابقة. وهنا أحد محاور اختلاف المسلمين وهو الاختلاف على صحّة روايات لا يمكن القطع بصحتها أو بخطئها.

ومحور آخر من محاور انقسام المسلمين إلى ملل ونحل هو تفسير عبارات تتفق الروايات على صحتها. يختلف المسلمون على تفسير حديث للرسول رواه ابن عبّاس في معرض رفضه للحرق بالنار وفيه: "لا تعذبوا بعذاب الله" (أخرجه البخاري) وعلى حديث آخر (أخرجه البخاري أيضاً) عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث وقال لنا: "إن لقيتم فلاناً وفلاناً - لرجلين من قريش سمّاهما - فحرّقوهما بالنار". ثم أتيناه نودعه حين أردنا الخروج، فقال: "إني كنت أمرتكم أن تحرّقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما". البعض يقول أن في أحاديث الرسول المذكورة دليلاً على حرمة الحرق بالنار والبعض الآخر يقول أنها محض دليل على تواضع الرسول وأن الحرق بالنار جائز.

انتزاع الأحاديث من سياقاتها (غير المعلومة بدقة، في المناسبة) أو الاختلاف على صحتها أساساً يكفي لخلق مئات الإسلامات، فكيف إذا كان البعض يجتزئ الأقوال؟ المئات يمكن أن تصير آلاف. فاستشهاد داعش بفتوى لابن تيمية يُهمل من نص الفتوى نفسه القول إن "لهم تركها (المُثلة) والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد"، كما يُهمل، وهذا أخطر، أن معظم الأحاديث والفتاوى التي تتحدث عن المُثلة تتحدث عن التمثيل بالمقتول لا بالحيّ.

إلى ذلك هناك مشكلة القياس التي يعتمدها المسلمون. لا يعرف كثيرون أن تنظيم داعش انطلق لتبرير حرق الكساسبة، ولم يختر نوعاً آخر من التنكيل، إلى الآية 126 من سورة النحل التي تقول: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين"، واعتبر أن الطائرة الحربية تلقي نيراناً تحرق المستهدَفين ولذلك جازت معاقبة الكساسبة بحرقه، أي "بمثل ما عوقبتم به". لو كان الكساسبة مقاتلاً على الأرض لما أجاز التنظيم لنفسه حرقه فهو أيضاً يلتزم بحدود الشريعة.

رغم كل هذه الأمور التي تؤكد أن معظم الأحكام الشرعية لا يمكن القطع بصحتها، يأتي الأزهر لينافس داعش على الانتقائية. فالآية التي ذكرها في بيانه الأخير (الآية 33 من سورة المائدة) نزلت في قوم نقضوا عهداً بينهم وبين النبي بعدم الاعتداء على المسلمين (وأيضاً تختلف تفاصيل الروايات حول سبب نزولها). فهل بين الأزهر وداعش عهد مماثل؟ هذا عدا عشرات التفسيرات حول مَن يجوز أن تطبّق عليهم هذه الآية ناهيك بقول البعض بأنها منسوخة أساساً لأن المُثلة لا تجوز وقول البعض الآخر بأن الله عاد ونهى الرسول عن المُثلة فلم يعد إلى ممارستها.

باختصار، لا يمكن القول إن الإسلام يقول كذا أو كذا. الإسلام يقول كل شيء وهو يشبه "بسطة" عليها كل الأفكار ويمكن للمسلم اختيار ما يشاء منها. لولا ذلك لما احتضن، عبر التاريخ، شخصيات متناقضة تراوح بين حدّي الصوفي المسالم والمتطرّف الدموي. ولكن، أن يأتي الأزهر ليتعامل مع النصوص كما يتعامل داعش معها، فهنا الطامة الكبرى.

حسن عباس

محرر القسم السياسي في رصيف22. كاتب وصحافي لبناني متخصص في الشؤون السياسية. قبل رصيف22، عمل وكتب في مؤسسات إعلامية لبنانية ودولية عدّة، وأجرى أبحاثاً تركّز على كيفية تحقيق الاستقرار في مجتمع متنوّع. يمكن التواصل معه عبر فيسبوك وتويتر.

كلمات مفتاحية
الأزهر داعش

التعليقات

المقال التالي