اليمين الأوروبي المتطرف: "الموت للعرب والإسلام"

اليمين الأوروبي المتطرف: "الموت للعرب والإسلام"

لم يكن اليمين الأوروبي المتطرّف والمعادي للأجانب بحاجة إلى جريمة الاعتداء على مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية كي يعرب عن كرهه للمهاجرين وللجاليات الإسلامية. فالحركات اليمينيّة المتطرّفة تعود جذور معظمها إلى سبعينيات القرن المنصرم وثمانينياته، وقد تزايد نشاطها بشكل ملحوظ في العقدين الأخيرين.

كل ما في الأمر أن الاعتداء الإرهابي الأخير أتى كهدية قُدّمت على طبق من فضّة لزعماء اليمين المتطرف فسارعوا إلى استغلالها سياسياً وانقضّوا على خصومهم و"غريمتهم" الجاليات المهاجرة.

فرنسا

في "بلد الأنوار" حيث وقعت "مقتلة الصحافيين" سارع الزعيم السابق للجبهة الوطنية جان ماري لوبان إلى إطلاق الحملة الانتخابية لرئاسيّات 2017، وقام بنشر صورة على تويتر كتب عليها "كن هادئاً وانتخب  لوبان"، قاصداً ابنته مارين زعيمة الجبهة. أمّا الأخيرة، فاستفادت من الحدث كي تعلن عبر قناة "فرنسا الثانية" أنه "في حال انتخابها رئيسة للجمهورية ستجري استفتاءً عاماً على إعادة حكم الإعدام إلى التشريعات الفرنسية". كذلك أعادت التذكير بمواقفها من قضايا إقفال الحدود الفرنسية وسنّ قوانين لاسترداد الجنسيّة.

اليمين الأوروبي المتطرف في فرنسا

لم تقتصر تداعيات جريمة "شارلي إيبدو" على الكلام، بل انعكست على العديد من أماكن العبادة الإسلامية التي تعرّضت لاعتداءات وعمليات إطلاق نار وإلقاء قنابل صوتية. وكتب مجهولون عبارات عنصرية مثل "الموت للعرب" على جدران بعض المساجد ورسموا عليها شعارات نازيّة.

ويبدو أن نسبة خوف الفرنسيين من الاعتداءات الإرهابية ارتفعت، إذ أشارت بعض استطلاعات الرأي إلى تخوّف حوالى 83% من إمكان حدوث اعتداءات مشابهة لاعتداء الأربعاء الفائت. ومن المرجح أن يؤدي مناخ الخوف هذا إلى تزايد العداء للمهاجرين العرب والمسلمين.

بريطانيا

في بريطانيا، يطالب زعيم "حزب استقلال المملكة المتحدة" نايغيل فاراغ Nigel Farage، بخروج بلده من الاتحاد الأوروبي. ويعتبر السياسي الرافض للتعددية الثقافية أنّ المهاجرين "طابور خامس يعيش في الدول الغربية". وعقب اعتداء باريس حمّل المسؤولية عنه إلى هذا الطابور الخامس.

اليمين الأوروبي المتطرف في بريطانيا

في رأي فاراغ، "يعيش المهاجرون في الدول الغربية ويحملون جوازات سفرها لكنهم يكنّون لها الكره". يعتبر السياسي اليميني أنه "لحسن الحظ أنّ عددهم ما زال قليلاً" ويطالب بالتصدي للنهج الذي يؤدي إلى إحداث شرخ في المجتمع البريطاني بسبب سياسات يتمّ تبنّيها "تحت مسمّى التعددية الثقافية". ويغمز فاراغ من زاوية ارتباط المهاجرين بالجرائم متحدثاً عن انتشار شبكات بينهم تستخدم الأطفال في أعمال الدعارة في شمال لندن.

اللافت في بريطانيا أن آخر استطلاعات الرأي أشارت إلى أن شعبية "حزب استقلال المملكة المتحدة" ارتفعت بعد اعتداء باريس ووصلت إلى 18%، علماً أن نسبتها لم تتجاوز عتبة الـ14% سابقاً. أما عن إمكان وقوع  إعتداءات مماثلة في بريطانيا، فقد تخوّف 90% من المستطلعين من هذا الخطر.

ألمانيا

في ألمانيا، قبل "المقتلة الفرنسية"، أشار استطلاع رأي أجرته "مؤسسة برتلسمان"، في نوفمبر الفائت، إلى أنّ 57% من الألمان يعتبرون أنّ الإسلام يشكّل تهديداً لهم، ولفت إلى أنّ 40% منهم يشعرون "بأنهم أجانب في بلادهم"، وأن 61% يعتبرون أنّ هذا الدين لا يتلاءم مع العالم الغربي.

اليمين الأوروبي المتطرف في المانيا

يعكس هذا الأمر المسار التصاعدي لحالة مناهضة المهاجرين، وهو ما يعبّر عنه ارتفاع عدد مناصري حركة "مواطنون أوروبيون ضد أسلمة الغرب"PEGIDA  غير المسبوق. فهذه الحركة النازية الجديدة المناهضة للإسلام والمهاجرين، تأسست العام الفائت في منطقة درسدن، وتجاوزت شعبيتها الحدود الألمانية.

وبعد أن كان عدد المشاركين في التظاهرات التي تنظمها 500 شخص في مطلع أكتوبر الفائت، ارتفع إلى 17500 في منتصف نوفمبر. وفي الخامس من الشهر الجاري، لبّى نحو 18000 دعوتها الأسبوعية للتظاهر. أما بعد جريمة باريس فقد سجّلت تظاهرتها رقماً قياسياً مع مشاركة حوالى 25000، والملفت أن المنظمين طلبوا من مناصريهم وضع شارة سوداء على أذرعهم، وهذا ما أعاد التذكير بشارات النازية.

إيطاليا

في اليوم التالي على جريمة باريس، قاد زعيم "عصبة الشمال" Lega Nord والنائب في البرلمان الأوروبي ماتيو سالفيني Matteo Salvini مجموعة من الشباب وتجمّعوا في إحدى محطات القطار في مدينة ميلانو ووزعوا ملصقات صحيفة "شارلي ايبدو" التي احتوت على بعض "الرسوم المسيئة" لنبيّ الإسلام.

اليمين الأوروبي المتطرف في ايطاليا

وقال سالفيني إنّ "الإسلام خطير، وهناك الملايين من المسلمين المنتشرين في العالم وفي إيطاليا مستعدّون للقتل وقطع الرؤوس". ولم يكتفِ باتهام الإسلام والمهاجرين غير الشرعيين بالإرهاب، بل دعا عبر تغريدة على تويتر إلى "إلغاء اتفاقية شينغين الأوروبية والعودة إلى مراقبة الحدود الداخلية لدول الاتحاد الأوروبي بهدف صدّ المتطرفين الإسلاميين".

ولم يسلم البابا من انتقاد سالفيني فاعتبر أنه "مخطئ في التحاور مع الإسلام". وإذا كانت "عصبة الشمال" قد رأت أن وجود المهاجرين يشكل "حالة اعتداء واحتلال عسكري وثقافي للمجتمع"، فحال اليمين الوسط لم يكن أفضل من ذلك إذ دعا بعض قادته إلى الإقلاع عن سياسة التعددية الثقافية والتعامل الحسن مع المهاجرين.

السويد

سبقت حالات الاعتداء على المساجد في السويد جريمة "شارلي ايبدو". وكان الأمين العام لـ"حزب الديمقراطيين في السويد" اليميني المتطرف والمناهض للمهاجرين بيورن سودر Björn Söder، قد كتب على صفحته على فيسبوك إنّ "ديانة السلام (قاصداً الإسلام) كشفت عن وجهها الحقيقي". وقد اعتبرت النائبة فيرونيكا بالم Veronica Palm العضو في "الحزب الديمقراطي الاشتراكي" أنّ تلك العبارة تعتبر قدحاً وذماًّ بحق الجماعات ويجب التأكد من أنها لا تقع ضمن التشريعات التي تعاقب على الإهانات العنصرية.

اليمين الأوروبي المتطرف في السويد

يُعَد "حزب الديمقراطيين في السويد" أحد أكبر الأحزاب السياسية في البلاد ووصل عدد ممثليه في البرلمان إلى 49 نائباً بعد الانتخابات التي جرت في العام الماضي، أي ما يعادل 12.9% من مقاعده. علماً أنّ عدد نوابه كان عشرين في انتخابات العام 2010. وقد تعاظمت حصّة هذا الحزب بعدما حلّ ثالثاً على الساحة السياسية، وهذا ما حثّ زعماءه على المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة الشهر الفائت، بعد شهرين على الانتخابات التشريعية.

النمسا

وضع المسلمين في النمسا ليس أفضل من وضعهم في بقيّة الدول الأوروبية. وسبق أن اعتدي على امرأة ترتدي الحجاب في العاصمة فيينّا أُدخلت في أثره إلى المستشفى. وقعت هذه الحادثة قبل اعتداء باريس وتزامنت مع أخبار تناقلتها الصحف المحلية عن عملية استقطاب للشباب في النمسا بهدف "الجهاد" مع تنظيم داعش في سوريا والعراق.

اليمين الأوروبي المتطرف في النمسا

هذا وتشير استطلاعات الرأي التي صدرت أخيراً إلى أن 51% من النمسويين يعتبرون أنّ الإسلام يشكّل تهديداً للمجتمع النمسوي، وأن 40% منهم يرون أنّ الإسلام دين متخلّف، وأن 66% يعتبرون أنّ حجاب المرأة أمر مزعج.

وعقب "مقتلة باريس"، دعا زعيم "حزب الحرية" اليميني المتطرف، هينز كريستيان ستراخيه Heinz-Christian Strache إلى اعتماد سياسات أكثر فعالية ضد التطرف الإسلامي وإلى إيقاف سياسة "دفن الرؤوس في الرمال" في ما يتعلّق بالإسلام الأصولي. ورحّب ستراخيه بالتظاهرة التي دعا إليها فرع فيينا في حركة PEGIDA في 2 فبراير المقبل، لافتاً إلى أن المشاركة فيها ضرورية لمناهضة "الفاشية". ويبدو أن انتشار شعبية حركة بيغيدا لم يقتصر على ألمانيا والنمسا، إذ منحها الاعتداء على "شارلي إيبدو" رواجاً في العاصمة السويسرية زوريخ حيث أعلن مناصرون لها تسيير أول تظاهرة لهم في 16 فبراير المقبل.

هولندا

في هولندا، سارع زعيم "حزب من أجل الحرية" غيرت فيلدرز Geert Wilders، الذي يعتبر أن "الإسلام كاذب والنبيّ محمد مجرم"، إلى إعادة نشر رابط فيلمه الشهير "فتنة" على حسابه في تويتر. وتعليقاً على جريمة باريس، نقلت وكالة رويترز عنه قوله إن "الغرب كان في حرب مع الإسلام". ولم يكتفِ بتحميل المهاجرين المسؤولية عن ارتفاع نسبة الجريمة والإرهاب، بل قال إنه إذا لم تتخذ إجراءات مناسبة ضد الإسلام فستحصل جريمة مشابهة في هولندا.

اليمين الأوروبي المتطرف في هولندا

ومعلومٌ أن فيلدرز اعتبر في تصريحات سابقة أن "المغاربة أوباش وأخساء"، وهو ما زال يحاكم على هذه التصريحات. وفي استطلاع رأي أجري السبت الفائت في هولندا تبيّن أنّ شعبية "حزب من أجل الحرية" ارتفعت، وقد يحصل في انتخابات مبكّرة على 31 مقعداً في البرلمان، أي ضعفَيْ عدد مقاعده الحالية، وهذا ما يعني تفوّقه على الحزبين العمالي والليبرالي اللذين لن يتمكنا مجتمعين من الحصول على أكثر من 28 مقعداً، في حين يبلغ عدد نوابهما الحاليين 79.

يبدو أن أوروبا المتعددة القوميات واللغات والتي لطالما تغنّت بـ"التعددية الثقافية" باتت اليوم مهددة جرّاء الإعصار اليميني الذي يجتاحها. وليس المهاجرون وحدهم مهددين، بل وحدة الاتحاد الاوروبي، ولا سيما أنّ جميع حركات اليمين المتطرف تشكك في جدوى استمراره.

مصدر الصور: أ ف ب

وليد حسين

كاتب وباحث لبناني متخصص، تتناول كتابته الشؤون الانتخابية والسياسية. حائز على شهادة ماجستير من جامعة تريستي في إيطاليا في علوم الحكم والسياسات العامة، وعمل كمنسق للحملة المدنية للإصلاح الانتخابي.

التعليقات

المقال التالي