العريّ كبيان سياسي

العريّ كبيان سياسي

من فكرة الجسد المقموع انطلقت نساء عربيات إلى الاعتراض على واقع المرأة الاجتماعي في العالم العربي. تعرّين بهدف إيصال رسالة مفادها أن التمييز الجندري يجب أن يتوقف. على الأقل هذا ما قلنه. ما نجحن فيه هو إثارة نقاش عام حول هذا الأسلوب. كثيرون تحمسوا لهذه الخطوات "الشجاعة" وكثيرون انتقدوا "الساقطات". ويبقى السؤال: ما هي الفائدة من هذه الطريقة في التعبير؟

العريّ كوسيلة تعبيرية

يحمل الجسد دلالات سياسية واجتماعية لأنه المكان الذي تُمارس عليه السلطة. بهذا المعنى، يعتبر جسد المرأة مُسيطراً عليه بسبب المفاهيم الذكورية السائدة. من هذه الاعتبارات انطلقت المتعريات العربيات. الصحافية منى الطحاوي كتبت: "عندما تكون المرأة مختصرة بما يوجد على رأسها وبما يوجد بين ساقيها، يتحول العريّ والجنس إلى أسلحة للمقاومة السياسية".


بين الجسد الأنثوي، كما تتصوره المجتمعات، وبين المجتمعات السياسية هناك عنصرا شبه: السلبية والتلقي. تقارن إحدى الناشطات في فرقة "بوسي ريوت" Pussy Riot الروسية بين الجسد الأنثوي والمجتمع الروسي. "الذكوريون لديهم بعض الأفكار حول كيف على المرأة أن تتصرف و(الرئيس الروسي) بوتين، بهذا المعنى، لديه بعض الأفكار حول كيف على الروس أن يعيشوا. "بوسي ريوت" هي النضال ضد كل هذا".

في العالم الغربي، يستخدم أسلوب التعرّي، بشكل أساسي، للفت انتباه وسائل الإعلام. أما في العالم العربي فيوضع التعري في إطار مناهضة الثقافة السائدة بين أبنائه. تعتبر الباحثة فرانسين بارث دولوازي Francine Barthe-Deloizy أن "العريّ له تأثير بصري فعّال للغاية". من هنا نفهم قول آنّا هوستول Anna Hutsol، مؤسسة حركة "فيمين" Femen، التي تأسست في أوكرانيا عام 2008 واشتهرت بسبب كشف ناشطاتها عن نهودهنّ خلال الاحتجاجات التي تنظمها، إن "الناس لا تهتم بالرسائل التي نوجهها إن لم نكن متعرّيات".

التعرّي كوسيلة للتعبير عن المطالب السياسية ليس حديثاً. لقد ظهر في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر مع الحركات الفوضوية. ولكن انتشار هذه الظاهرة وشهرتها انتظرا حتى سنوات الستينات من القرن الماضي حين استخدمت بعض الحركات السياسية التعرّي للفت النظر إلى مناداتها بالسلام العالمي.

كثيرة هي المواضيع التي دفعت بناشطين إلى التعرّي. من الصرخات ضد الحروب، إلى الدفاع عن حقوق الحيوان، إلى السعي لنشر الثقافة الغذائية المعتمدة حصراً على النباتات، إلى المطالبة بالحق في التعرّي في الأماكن العامة، إلى المطالب الاقتصادية، إلى المطالبة بحق المرأة في كشف نهديها بين الناس لتتساوى بذلك مع الرجل...

خطاب العريّ العربي

لم يعرف العالم العربي استخدام أسلوب التعرّي كأسلوب احتجاجي إلا حديثاً. التعرّي هنا ارتبط، بشكل أساسي، بموقع المرأة في المنظومة الاجتماعية. أشهر المتعرّيات العربيات علياء المهدي، وسط العنقود. قبل الشابة المصرية استخدمت هذا الأسلوب كلّ من الفنانة السورية هالة الفيصل، الشابة المغربية حنان زمالي، وبعدها مارسته الفنانة التونسية نادية بوستة والممثلة الآتية من مجتمع شبيه بالمجتمعات العربية، الإيرانية كَلشيفته فراهاني.

أكثر الكلام الذي ربط بين العريّ والواقع السياسي– الاجتماعي في العالم العربي قيل بمناسبة تعرّي علياء المهدي. ظروف الربيع العربي والجدل الذي دار حول استبدال الديكتاتوريات بالإسلاميين أعطت لخطوة علياء المهدي، عام 2011، بعداً لم تكن لتناله في ظروف أخرى. يؤكّد على ذلك، اللامبالاة التي تبعت تعريها الأخير على علم داعش، مقارنةً بردود الفعل التي أنتجها تعرّيها الأوّل.

الضجّة التي أثارتها حينها، دفعت بالإيرانية مريم نامازي لإصدار روزنامة للصور العارية الثورية دفاعاً عن وسيلة التعرّي كأسلوب احتجاجي. الروزنامة ظهرت في 8 مارس 2012 بمناسبة يوم المرأة العالمي.

تعتبر نامازي أنه حين تفرض الثقافة السائدة القيود على المرأة وعلى حركتها وجسدها يصير العريّ وسيلة مواجهة فعالة. "عندما نكون في مواجهة مع حركة إسلامية تعتبر أن المرأة تساوي نصف رجل وتفرض تقييدها وإسكاتها، وتفرض عليها أن تكون محجبة ومفصولة عن الرجال، عندها يصبح العريّ شكلاً مهماً من أشكال المقاومة والاعتراض".

ترسم نامازي الخط المميّز للعريّ الاحتجاجي عن العريّ الذي نراه في البورنوغرافيا وعن عريّ الجسد المحرّم دينياً. تقول: "تسليع المرأة يرتكز على صورة للموضوع منفصلة عن حقيقة أجساد، أفكار وحيوات النساء، صورة تستخدم للتنظيم والتحكم والإلغاء. هذا ما تتقاسمه الأديان والبورنوغرافيا، وإن بأشكال مختلفة. حقيقة وصدق أجساد النساء كأسلوب للاعتراض تتحدى كليهما". وتضيف النسوية الإيرانية أن "الإشكالي هو تسليع وتشييء أجساد النساء وليس العري بذاته".

يشدّد المدافون عن العريّ كأسلوب تعبيري، على أن الآراء المعترضة عليه "تتجذر فيها الصورة الدينية والبورنوغرافية لأجساد النساء التي تحصرها بأبعادها الجنسية والخلاعية". بهذه التعابير تقلب نامازي الاعتراضات التي ظهرت ضد التعرّي إلى هجوم على المعترضين.

العريّ والحرية الجنسية

نحمّل العريّ وخطاب التحرر الجنسي أكثر مما يحتملان. العريّ والحرية الجنسية هما من الحريات الفردية بلا ريب. المشكلة هي عندما نتخيّل أن لهما قدرات سحرية على تغيير واقع المجتمعات الذكورية المحافظة. في كتابه "إرادة المعرفة" اكتشف ميشيل فوكو Michel Foucault سبب الإغراء الذي يدفعنا إلى الإكثار من الحديث عن الجنس.

يقول فوكو: "من يتحدث عن قمع الجنس يضع نفسه إلى حد ما خارج السلطة، يستعجل القانون، يستبق ولو قليلاً الحرية المستقبلية. لذلك يتحدث الناس اليوم عن الجنس بمثل هذا الاحتفاء… نحن منذ عشرات السنين، لا نكاد نتحدث عن الجنس بدون شيء من الزهو والتكلّف: شعور يتحدى النظام القائم... شيء من الثورة، من الحرية الموعود بها... وبذلك تُعاد الحياة في هذا الخطاب إلى وظائف النبوءة التقليدية القديمة. الجنس الجيّد سينتشر غداً".

من خلاصات فوكو في كتابه المذكور أن "ما يميّز المجتمعات الحديثة، ليس كونها حكمت على الجنس بالبقاء في الظل، بل كونها محكوماً عليها بالتكلّم عليه دائماً، بإبرازه على أنه هو السرّ".

أكثر استخدمات عريّ الجسد المؤنث، في العالم العربي، أتى للاعتراض على قمع الجسد، وعلى تقييد حريات النساء. في الحقيقة لم تتحدّث هذه النساء كثيراً عن دوافعهنّ إلى التعرّي. ولكن التحليلات هي التي وضعت عريّهن في إطار خطاب شامل. لندرة هذه الوسيلة الاحتجاجية اشتهرت النساء المتعرّيات واستطعن فتح نقاش واسع حول خطوتهنّ. ولكن، أقله حتى الآن، ليس هناك من دليل على أن هذا الأسلوب يمتلك قدرة على التأثير الإيجابي تفوق قدرة الأساليب التقليدية في الإحتجاج. بل ربما العكس هو الصحيح في المجتمعات المحافظة.

التعليقات

المقال التالي