يُحرَمون حتى من التحوّل إلى أرقام… عن إحصاء قتلى الحروب والتحكّم بتقدير أعدادهم    

يُحرَمون حتى من التحوّل إلى أرقام… عن إحصاء قتلى الحروب والتحكّم بتقدير أعدادهم    

كم بلغ/ يبلغ عدد القتلى؟ قد يكون السؤال الأول الذي يُطرح في حرب أو صراع مسلّح ما، لكنه من أكثر الأسئلة صعوبة في الإجابة عنه. في الحروب وفي فترات الفوضى وحتى في المراحل التي تليها، يسقط كثيرون من عدّاد القتلى، فيُحرمون حتى من "ترف" التحوّل إلى أرقام.

أسباب كثيرة تحول دون إمكانيّة حصر أعداد القتلى في الحروب والنزاعات، وقد شغلت الكثير من الباحثين ومراكز الأبحاث المهتمة بهذا الشأن لما لعملية إحصاء القتلى من أهمية باعتبارها مرجعية أخلاقية لأصحاب القرار والمنظمات الإنسانيّة على السواء.

من الأسباب: ضُعف الإمكانيات الماديّة واللوجستيّة، صعوبة حصر الأعداد في فترات النزاع الساخنة وظروف الحصار المفروضة أحياناً خاصة في المناطق الشاسعة أو المُغلقة، تُضاف لها كذلك المعايير - العلميّة - الفضفاضة في احتساب قتلى الحروب لا سيّما في المراحل التي تهدأ فيها دوامة المعارك (ضحايا الأمراض الناتجة عن الحروب مثلاً).

سبب آخر قد يُضرّ بدقة عمليات الحصر، ويُعتبر ربما الأكثر سوءاً بين ما سبق، هو ذاك الذي يتم عمداً أي حين تقوم أطراف الصراع أو المعنيّون به بالتلاعب بالأرقام (تضخيماً أو تقليلاً) بُغية إخفاء الإحصائيات الحقيقية.

عمليّة الإحصاء… الخسيسة

خلال الأسبوع الماضي، وفي معرض تحميله الحوثيين مسؤوليّة الأزمة الإنسانيّة في اليمن، أظهر النائب عن "حزب العمال" البريطاني غراهام جونز - وهو رئيس لجان مجلس العموم حول ضوابط تصدير الأسلحة - حجم التباين في تقدير عدد القتلى في اليمن مثالاً، ولم يكن ما قدّمه سوى دليلاً إضافياً على كيفية التلاعب بالأرقام من الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية لأغراض سياسيّة وماديّة ودعائيّة.

سلّط الكاتب بيتر بومون في صحيفة "الغارديان" الضوء على كلام جونز لكونه "أظهر صعوبة تقدير عدد الوفيات الناتجة عن الغارات الجوية للتحالف التي تقوده السعودية"، في حين "كانت أجندته الخاصة إظهار إيران - الداعمة للحوثيين - باعتبارها المُعتدي الرئيسي".

وبينما اتهم النائب "منظمات غير حكومية دولية بممارسة الخداع والتضليل في تقاريرها"، قال بومون، الذي عمل على تغطية النزاعات في أفريقيا والبلقان والشرق الأوسط وكتب"الحياة السريّة في الحرب: يوميات في الصراع الحديث"، إن "عملية إحصاء أعداد ضحايا الصراعات تُصبح خسيسة عندما تكون العملية سياسية وعسكرية لغرضٍ ما، وهذا يحدث عندما تكون مرهونة بأجندات متنافسة".

وفي مارس 2018، أشارت الإحصاءات الرسميّة للأمم المتحدة إلى أن إجمالي عدد القتلى في اليمن وصل إلى حوالي 6600 قتيل، بينما قالت منظمات دوليّة إن عدد القتلى يتراوح بين 65 ألفاً و80 ألف. تُصبح العمليّة نسبيّة وفقاً للأجندات، وتُعززها صعوبة القياس العلمي بين قتلى العنف المباشر وغير المباشر (مثل صعوبة الحصول على الرعاية الصحية).

وفيما أعرب النائب البريطاني عن "ارتياحه للتقديرات المنخفضة للضحايا، التي يُقدّمها الجنرالات ووزارة الدفاع"، كان البنتاغون قد أعلن عن إطلاق حملة لمحاولة فهم السبب الذي جعل أرقام الموتى المدنيين لديه أقل بكثير من تقديرات مؤسسات رصد محترمة".

في مرحلة لاحقة، تغيّرت المقاربة حين انتبه العالم بشكل متزايد إلى أعداد الضحايا في اليمن، مع تغيّر الظرف السياسي وتصاعد الضغط على السعودية (إثر مقتل خاشقجي). 

أين يكمن الخطأ عادة؟

المُشكلات التقنيّة

ثمة "ثقب أسود" تسقط فيه المعلومات بخصوص قتلى الحرب، وقد شغل هذا الثقب الكثير من الباحثين بشكل أساسي، وقسّموا فيه المشكلة إلى جزئين. الأول يتمثل بضعف الإمكانيّات وصعوبة الوصول، والثاني في العيّنات المنحازة والاستغلال السياسي لأعداد القتلى.

تُعدّ منظمة "ACLED" من أبرز المنظمات التي تُعنى بدراسة الصراعات وتعداد القتلى. وفي اليمن، مثالاً، أشارت إلى مقتل 50 ألف شخص بين يناير عام 2016 وأواخر يوليو عام 2018، لكنها أوضحت أن العدد يشمل المقاتلين على الجبهات بينما يستثني الأشخاص الذين لم يُقتلوا، بصورة مباشرة، أثناء القتال، لا سيما من ماتوا جوعاً أو مرضاً (وهو رقم تضاعف بفعل المجاعة والكوليرا مع تأزم الوضع).

أقوال جاهزة

شارك غردكم بلغ/ يبلغ عدد القتلى؟ قد يكون السؤال الأول الذي يُطرح في حرب أو صراع مسلّح ما، لكنه من أكثر الأسئلة صعوبة في الإجابة عنه... عن أسباب سقوط الكثيرين من من عدّاد القتلى وحرمانهم حتى من "ترف" التحوّل إلى أرقام

شارك غرد"عملية إحصاء أعداد ضحايا الصراعات تُصبح خسيسة عندما تكون العملية سياسية وعسكرية لغرضٍ ما، وهذا يحدث عندما تكون مرهونة بأجندات متنافسة"

وعند نشر الأرقام في أغسطس الماضي، أشار الباحث أندريا كاربوني إلى أن المنظمة تستقي معلوماتها من مصادر ثانوية، ومن ثم تعمل على التأكد من صحتها، ومطابقتها مع أرقام أخرى عدة مرات، بينما تكون متحفظة في تقديراتها - إلى الحدّ الأقصى - حين يتعلّق الأمر بإحصاء أعداد القتلى.

ولفت الباحث إلى أن "اعتماد المنظمة على بيانات وإحصاءات متحفظة، من جهة، وفي ظل وجود احتمال أن تعمد المنظمة إلى تخفيض التقديرات بشأن الوفيات في بعض الحالات، من جهة ثانية، يحدّ من فرص المبالغة في تقدير العدد الإجمالي للقتلى".

وفي هذا الإطار، تكمن المشكلة في ندرة الأدوات المُستخدمة لإحصاء وتوثيق عدد الوفيات، إلى جانب الافتقار إلى أسس المقارنة في ظلّ عدم وجود بيانات تعداد سكانية وصحية دقيقة ومتواصلة في عدد كبير من الصراعات، فضلاً عن وجود الكثير من المواقع التي لا يُمكن زيارتها بسبب المخاوف الأمنية.

الاستغلال والتحيّز

المشكلات التقنيّة تجعل هامش الخطأ كبير، الأمر الذي يُتيح المجال أمام استخدام منهجيات تسمح بالخطأ والتحيّز والتلاعب، عن سوء نيّة أو سوء تقدير.

نعود إلى ما قاله بومون حيث أن بعض القضايا شديدة الوضوح في هذا الإطار، ومنها ما يحصل مثالاً في المواقع التي لا يُمكن زيارتها بسبب الاعتبارات الأمنيّة وبالتالي لا تتوفّر بيانات حولها، ما يُحتّم اللجوء إلى مؤسسات إحصاء متحالفة مع أحد الأطراف المتنازعة. وهنا يكون المجال مفتوحاً أمام التحريف المقصود للبيانات.

وبخصوص المنظمات الإنسانيّة، وإن استبعدنا سوء النيّة، فتتغيّر مقاربتها للأعداد بناء على المطلوب من نشرها، سواء كان لتسليط الضوء على سوء الوضع الإنساني وحاجتها للتمويل والتدخّل، في مقابل مثلاً مقاربة الرقم بـ"إيجابيّة" عند الحديث عن حجم ما حققه تواجدها في منطقة نزاع ما.

من أكثر الأمثلة العالقة في الذاكرة في هذا الإطار النتائج التي نشرتها جامعة "جون هوبكنز" عام 2006 والتي أكدت أن أكثر من 600 ألف عراقي قُتلوا خلال ثلاث سنوات (منذ الإطاحة بصدام حسين). وقتها كانت أرقام الحكومة العراقية تشير إلى ما بين 40 و50 ألف قتيل فقط.

ولأن الأجواء كانت مشحونة سياسياً بعد غزو الولايات المتحدة للعراق، كانت التهم متعلقة بشأن وجود تحيّز سياسي خفي من الطرفين.

نشرت الجامعة نتائجها في مجلة "لانسيت" الطبيّة وقد أثارت الجدل لأنها كانت أعلى بكثير من أي تقديرات سابقة. دافعت "جون هوبكنز" عن نتائجها و"أساليبها العلميّة" المعتمدة (بما تسمح لها الظروف به)، في وقت قال الرئيس جورج بوش: "لا أعتبر ذلك تقريراً ذا مصداقية"،مرجحاً أن يكون العدد "30 ألف قتيل عراقي كتقدير أكثر دقة".

اعترف الباحثون حينها بوجود بعض المشكلات في النتائج ومنها "عدم القدرة على التحديد الدقيق بين المدنيين والمقاتلين، التركيبة السكانية المتغيرة باستمرار في العراق حيث يفرّ ملايين العراقيين من الطبقة المتوسطة للحصول على الأمان في الأردن وسوريا، فضلاً عن ميل العائلات لتضخيم العدد طمعاً بإثارة التعاطف العالمي والسعي لتغيير الأوضاع".

في المقابل، أشار النقاد حينها إلى أن نتائج الاستطلاع تم تضخيمها لأسباب سياسية، خاصة لأنها نُشرت مباشرة قبل انتخابات منتصف الفصل في نوفمبر.

تداعيات العلم السيء

في ورقة بحثية تحوّلت إلى مرجعيّة نُشرت في تقييم هذا النوع من المشاكل، حذّر الباحثان فرانشيسكو كيكّي ولي روبرتس من أن تقديرات القتلى في حالات الطوارئ الإنسانية سواء لأسباب طبيعية أو نتيجة الصراعات "عُرضة لسوء التفسير والتلاعب بصورة كبيرة". 

ولفت الباحثان إلى "الاستخدام المتزايد للإغاثة كأداة لممارسة ضغط سياسي دولي أو تحسين صورة قوى احتلال بين السكان المحليين". 

من هنا، تبرز أهميّة الحرص على أن تكون التقديرات أكثر احترافيّة وشفافيّة، سواء من المنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة والجهات المانحة والقوى المحليّة، فالكثير من التدخلات والأنشطة (زيادة أو تقليصاً أو استهدافاً صحيحاً) أثناء الحروب، تعتمد بجزء أساسي منها على تلك التقديرات. 

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي