تجاوزات واستغلال جنسي للنساء... جدل في المغرب حول مراكز "الرقية الشرعية"

تجاوزات واستغلال جنسي للنساء... جدل في المغرب حول مراكز "الرقية الشرعية"

تنتشر ظاهرة الرقية الشرعية في مختلف مدن المغرب بشكل لافت، وحوّل بعض الرقاة منازلهم إلى مراكز تحمل لوحات إشهارية، وراحوا يستقبلون زوارهم وفق مواعيد مسبقة، بل أطلق بعضهم صفحات على موقع فيسبوك.

على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، يبث الرقاة صوراً وأشرطة مصورة لما يزعمون أنه علاج لحالات مرضية مستعصية مثل الشلل والسرطان وغيرها.

ولكن الجدل الكبير الذي أثير مؤخراً أتى بعد تبيّن أن بعض هذه المراكز تشهد انحرافات بلغت حد استغلال النساء جنسياً.

فقد اهتزت مدينة بركان، شرق المغرب، بداية شهر ديسمبر 2018، على وقع فضيحة جنسية بطلها شخص يدّعي ممارسة "الرقية الشرعية" بقراءة سور من القرآن الكريم وأدعية على زبنائه.

بداية تكشّف خيوط الفضيحة انطلقت من المستشفى الذي أبلغ رجال الأمن بإصابة مريض بجروح بليغة بسبب تعرّضه لاعتداء. وكشفت التحقيقات أن الراقي تعرّض للاعتداء بالضرب من طرف شخصين تبيّن أنهما شقيقا فتاة وقعت ضحية ابتزازه لها جنسياً.

التقط لها الراقي بواسطة كاميرا مخفية لقطات لممارسة جنسية بينهما حينما قصدته للعلاج بالرقية، كما بيّنت التحريات الأمنية وجود 15 ضحية من الفتيات والنساء، بعضهن متزوجات، يستغل الراقي خلوته بهنّ في بيته ويقوم بتخديرهن وبعد استغراقهن في نوم عميق يقوم بتجريدهنّ من ملابسهنّ ويمارس معهنّ الجنس، مع توثيق ما يفعله بالفيديو.

وبعد ذلك، يشرع الراقي في تهديدهن بنشر المشاهد المصوّرة عبر الإنترنت بغرض استمراره في ابتزازهنّ جنسياً. ولم تتجرأ الضحايا على تقديم شكاوي بسبب الطابع المحافظ للمدينة والخوف من المجتمع.

المتهم المذكور يبلغ من العمر 48 سنة، وحوّل شقته إلى مركز للعلاج بالرقية الشرعية رغم أنه لا يحفظ القرآن وليس ملماً بالعلوم الشرعية.

وأصدرت النيابة العامة قراراً بإيداعه السجن المحلي في مدينة وجدة بتهمة النصب والاحتيال والاغتصاب وإقامة علاقات غير شرعية وحيازة صور ومقاطع فيديو فاضحة للنساء والإتجار بالبشر.

استباحة أجساد الضحايا

نشرت إحدى ضحايا ما بات يُعرف إعلاميا بـ"راقي بركان" شريط فيديو بوجه مكشوف على موقع يوتوب.

تحدثت الفتاة عن ظروف وملابسات ظهورها في فيديو جنسي، وناشدت الجمهور الذي شاهد الشريط عدم التسرع في إصدار أحكامه عليها قبل معرفة الحقيقة وظروف تسجيل الشريط.

وقالت بصوت حزين: "الكثير من النساء والفتيات ضحايا وقع لهن مثل ما تعرّضت له، غير أن أشرطة الفيديو التي التُقطت لهن لم يتم تسريبها. لسوء حظي تسرّب الشريط الذي يتعلق بي".

وأضافت: "لا أعرف كيف ولماذا تسرّب، ولكن السلطات والأجهزة الأمنية تقوم الآن بواجبها في البحث عمّن قام بتسريبه".

وعن ظروف تصوير الشريط، أوضحت الضحية أنها كانت تزور راقياً في منزله من أجل تلقي حصص الرقية الشرعية مثل أشخاص كثيرين من مختلف الشرائح الاجتماعية، فتعرّضت للتخدير وفقدت وعيها بعد تناول كوب ماء، مشيرة إلى أن الراقي يقرأ القرآن على ضحاياه ثم يستدرجهن لتنفيذ أوامره وطلباته دون امتلاكهن القدرة على الرفض تحت تأثير التخدير.

وتوسلت ضحية "راقي مدينة بركان" الجمهور مساندتها، وقالت: "أطلب منكم وأناشدكم أن تساندونني. لقد تحطمت نفسيتي بعد انتشار هذا الفيديو. يا أخي، يا أختي، يا كل مَن يصدر عليّ أحكاماً مسبقة دون معرفة الحقيقة وتتحدثون عني بسوء، تذكّروا أن لكم أخوات وبنات لا تعلمون ما قد يقع لهن. لماذا تساهمون في تشويه الأعراض؟".

ونفت الشابة شائعات حول ممارستها الجنس بإرادتها، وتحدثت عن أذى نفسي واجتماعي كبير لحق بأفراد أسرتها، وختمت مناشدتها بقولها: "أرجوكم أرجوكم أريد مساندتكم ودعمكم، أوقفوا ترويج الفيديو ومَن يثبت تورطه سيتعرّض للمساءلة القضائية. أريد أن تصل مناشدتي إلى الجميع".

استغلال طيّ الكتمان

فضيحة الراقي الشرعي في مدينة بركان وتورطه في استغلاله النساء جنسياً لقيت تغطية إعلامية واسعة، غير أن حالات كثيرة لرقاة آخرين يستغلون العديد من الضحايا جنسياً ظلت طي الكتمان ومسكوتاً عنها، لأن أغلب النساء يلجأن إليهم خلسة، دون علم أزواجهن أو عائلاتهن.

وأحيل بعض الرقاة على القضاء وأصدرت المحاكم أحكاماً بالسجن النافذ بحقهم بتهمة الاغتصاب.

ففي 25 سبتمبر 2017، في قاعة غرفة الجنايات في محكمة الاستئناف بمدينة ورزازات، جنوب شرق المغرب، وقف في قفص الاتهام رجل خمسيني بجلباب أبيض وعمامة من نفس اللون، وهو إمام مسجد ويمارس الرقية الشرعية، وبجانبه فاطمة، فتاة تبلغ من العمر 32 سنة، وتتهمه باغتصابها خلال حصة للرقية الشرعية في منزله، وثالث الواقفين أمام هيئة المحكمة كان والد الضحية، للإدلاء بشهادته حول وقائع استدراج المتهم للضحية واغتصابها.

قصة الضحية فاطمة ترويها لرصيف22 هدى الرامي، المسؤولة السابقة في مركز الاستماع التابع لفرع فيدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة في مدينة ورزازات:

أثناء مغادرة فاطمة ووالدها قسم الأمراض النفسية والعقلية في مركز سيدي احساين الاستشفائي في نفس المدينة، حيث تتلقى العلاج، التقوا في الطريق بإمام مسجد قريتهم الذي يمارس الرقية الشرعية، في منطقة تدعى تازناخت.

عَرض "الشيخ" على الوالد أن يرقي ابنته ويقرأ عليها القرآن والأدعية في منزله، مدعياً أن جنّاً مسّها ولا فائدة من تكبد عناء السفر والمصاريف الكثيرة للتنقل من قريته النائية في منطقة تازناخت التي تبعد عن المستشفى أكثر من مئة كيلومتر.

بعد الرجوع إلى القرية، قصدت فاطمة ووالدها الراقي في منزله. وبعد لحظات من قراءته القرآن عليها، طلب من والدها الخروج ليشتري قنينة ماء من الدكان واختلى بها حوالي نصف ساعة.

عاد الأب ووجد الباب مغلقاً. طرقه طويلاً وتأخر الراقي في فتحه، وحينما دخل وجد ابنته ممددة على الأرض ورائحة بخور قوية تعمّ أرجاء الغرفة.

وبعد العودة إلى البيت واستعادة الفتاة لوعيها، أسرّت لوالدتها بما تعرّضت له من استباحة لجسدها نتج عنه افتضاض بكارتها، وكانت آثار الدماء بادية على ثيابها وجسدها.

تقدم الأب بشكوى إلى رجال الدرك وأصدرت النيابة العامة أمراً باعتقال الشيخ الراقي، وأثناء محاكمته بتهمة الاغتصاب أنكر ولكن الضحية واجهته بشهادة روت فيها تفاصيل الواقعة بدءاً من اقترابه منها وشروعه في لمس أجزاء من جسدها ثم نزعه ملابسها والارتماء عليها أخيراً، بعدما ضعفت قواها بسبب تأثير البخور القوي وماء ناوله لها، كما ذكرت تفاصيل البيت وأثاته ولون السجاد.

وأمام تناسق أقوال الضحية العفوية والمسترسلة وتناقض تصريحات المتهم الذي بدأ بإنكار كونها دخلت بيته من الأساس قبل أن يغيّر أقواله، اعترف بالجرم المنسوب إليه أمام هيئة المحكمة فأدانته بثلاث سنوات سجن نافذة.

الوزارة: الرقية لا حلال ولا حرام

انتقل الجدل حول الرقية الشرعية إلى مجلس النواب المغربي، فقد تقدّمت النائبة حنان رحاب، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بسؤال إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في جلسة أسئلة في مجلس النواب في الثالث من ديسمبر وسألته عن الوضعية القانونية لظاهرة "الرقية الشرعية" التي شهدت انتشاراً واسعاً داخل المجتمع.

في جوابه، أكد الوزير أحمد التوفيق أن هذه الظاهرة يمكن تناولها من ثلاثة جوانب: الجانب الصحي وهو من اختصاص وزارة الصحة ولا يمكن لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التدخل فيه؛ والثاني يتعلق بالجانب القانوني؛ والثالث هو الجانب الديني.

أقوال جاهزة

شارك غرداهتزت مدينة بركان، شرق المغرب، بداية شهر ديسمبر 2018، على وقع فضيحة جنسية بطلها شخص يدّعي ممارسة "الرقية الشرعية" بقراءة سور من القرآن الكريم وأدعية على زبنائه

شارك غردحالات كثيرة لرقاة شرعيين يستغلون العديد من الضحايا جنسياً ظلت طي الكتمان ومسكوتاً عنها في المغرب، لأن أغلب النساء يلجأن إليهم خلسة، دون علم أزواجهن أو عائلاتهن

وأضاف الوزير أنه "في هذا الإطار ينبغي أن يوجه إلينا طلب فتوى من وزارة الصحة أو من طرف المؤسسات التشريعية، لأن الفتوى هي الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها"، مؤكداً على ضرورة "تحديد جميع الحيثيات والجوانب والإشكالات المتعلقة بالموضوع، لأن حالات ممارسة الرقية ليست كلها متشابهة وعلى أساس النازلة وحيثياتها تُتخذ الفتوى".

ولم يعطِ الوزير جواباً قطعياً وقال: "لا يمكن أن نقول هذا حلال أو هذا حرام ولا بد من مراعاة الجوانب الثلاثة، الصحي والقانوني والديني، لمعرفة كيفية التعامل مع هذه الظاهرة".

وفي تعقيبها على جواب الوزير، أكدت رحاب على ضرورة إيجاد الوزارة للحلول، واتخاذ إجراءات ضد ما يقع في مراكز الرقية الشرعية من حالات نصب واحتيال واغتصاب للنساء، وطالبت وزارة الصحة بضرورة التدخل لوقف ممارسات الرقاة الشرعيين الذين يستغلون جهل العديد من المواطنين ليصفوا لهم وصفات يزعمون قدرتها على علاج الأمراض المستعصية والخطيرة مثل السرطان والشلل.

وفي الجانب القانوني، طالبت رحاب بضرورة مراقبة عمل الرقاة، في ظل عدم حاجتهم إلى ترخيص قانوني، وتساءلت عن الجهات التي تمنح الرخص، وطالبت بإجراءات عملية ملموسة لأن استمرار هذه المراكز يضرّ بالمواطنين وبالدين الإسلامي ويرسّخ الجهل.

ورد أحمد التوقيف على تعقيب النائبة مؤكداً أن الوزارة لا تتملص من المسؤولية وأن مهمتها ووظيفتها هي تدبير الشأن الديني وليس تفسير النصوص وأي قرار للمنع يحتاج إلى قانون.

الرقية في العصر النبوي لم تزاحم العلاج

عن موقف علماء الشريعة من ممارسات الرقاة الشرعيين، يؤكد رئيس المجلس العلمي المحلي لمدينة وجدة، وعضو المجلس العلمي الأعلى في المغرب الدكتور مصطفى بنحمزة أن الرقية الشرعية في العهد النبوي لم تكن تزاحم العلاج الطبي الذي هو الأصل، والأحاديث الواردة في العلاج كثيرة جداً ومنها قول الرسول "إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا" وكان الرسول ينصح الناس بزيارة الأطباء، وحينما تأتيه وفود العرب يسألهم عن تجاربهم في العلاج .

وأضاف الدكتور بنحمزة لرصيف22: "حينما يخضع الشخص للعلاج فله أن يدعو لنفسه بالشفاء بقراءة المعوذتين (سورتي الفلق والناس) فيكون ذلك هو الرقية الشرعية. ولم يكن في العصر النبوي رقاة متخصصون في الرقية الشرعية ويدَّعون معرفتهم بأسرار خاصة وأن رقاهم نافعة".

ووصف الذين يحترفون الرقية الشرعية في عصرنا بأنهم مدلسون يعنيهم المال وشهوات الجسد، داعياً إلى ضرورة توقّف هذه الممارسات في وقت تتحدث فيه شعوب أخرى عن تطوير العلاجات واللقاحات.

وقال متأسفاً: "أمتنا متخلفة عن الركب والبشرية ماضية إلى الأمام ونحن إلى الخلف وليت هذا لم يقع باسم الدين".

"أقفلوا حوانيت الرقية"

بعدما لم تفلح الحكومة والمؤسسة التشريعية في اتخاذ قرار حاسم في التعامل مع مراكز الرقية الشرعية أطلق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي حملة تحت هاشتاغ "أقفلوا حوانيت الرقية".

وطالبت الحملة بمحاسبة المتورطين في النصب والاحتيال على المواطنين واستغلال جهل الناس وزعم قدرات على علاج الأمراض مقابل مبالغ مالية واستغلال النساء جنسياً.

واعتبر الناشطون أن هذه الممارسات ساهمت في تدمير استقرار العديد من الأسر وتأزيم الحالة النفسية للعديد من المرضى الذين تخلوا عن العلاج الطبي وأقبلوا على مراكز "الرقاة الشرعيين".

غير أن الحملة نفسها تعرّضت لهجوم من طرف بعض ممارسي الرقية الشرعية الذين اعتبروها محاولة للنيل من المعتقدات الإسلامية، لا بل وصف أحدهم المنخرطين فيها بالحثالة كما وصف النائبة حنان رحاب بأنها "ملحدة ومعادية للإسلام"، ما لقي شجباً واسعاً وتضامناً واسعاً مع رحاب.


إسماعيل أيت أحماد

صحافي مغربي، أنجز تقارير وتحقيقات إذاعية وأخرى مكتوبة نشرتها مواقع إلكترونية وصحف مغربية.

التعليقات

المقال التالي